من مذكرات راسل باشا: كيف أدَّى تغير نظام الري إلى انتشار المخدرات في مصر؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/07/03 الساعة 10:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/07/03 الساعة 11:00 بتوقيت غرينتش
iStock

في ظل الحديث المكثف عن التداعيات المتوقعة للملء الثاني لسد النهضة دون اتفاق مسبق بين إثيوبيا ومصر والسودان، على الأنشطة الزراعية والصناعية وتوافر المياه في مصر، تعود بي الذاكرة إلى موضوع مدهش اطلعت عليه في مذكرات الإنجليزي راسل باشا حكمدار القاهرة (مدير الشرطة) الذي خدم في الشرطة المصرية من عام 1902 إلى 1946، حيث تطرق راسل الذي تمتع بحاسة تحليلية عميقة إلى تداعيات تغير نظام الري في مصر عقب بناء سد أسوان على الصحة العامة للمواطنين، وعلاقة ذلك بظاهرة انتشار المخدرات في مصر. وهو ما سأتناوله بعد سرد كيف تعرفت على مذكرات راسل باشا.

كيف تعرفت على مذكرات راسل باشا؟ 

خلال حقبة الانفتاح التي تلت ثورة يناير/كانون الثاني، دُعيت للمشاركة في ندوة نظمتها أسرة طلابية بجامعة المنصورة في عام 2012، وتواكب مع يوم انعقاد الندوة افتتاح معرض صغير لبيع الكتب القديمة في كلية الهندسة، ووجدت بالمعرض ضمن الكتب الموجودة به كتاباً قيماً بعنوان (الشرطة المصرية: من عام 1922 إلى 1952) للدكتور عبدالوهاب بكر. وهو موضوع كنت شغوفاً به وقتها لكن وجدت أن أغلب المصادر التي يعتمد عليها الكتاب غير متوافرة أو غير منشورة، فحاولت الوصول إلى المؤلف الذي تبين أنه أستاذ تاريخ معاصر بجامعة الزقازيق، وضابط شرطة سابق وصل إلى رتبة عميد، كما شغل عضوية مركز بحوث أكاديمية الشرطة. وبعد بحث مضنٍ تمكنت من الحصول على رقم هاتف المؤلف من قاعدة بيانات خبراء الأمن العرب بأكاديمية نايف للعلوم الأمنية المنشورة وقتها على موقع الأكاديمية، ورتبت معه زيارة له في بيته بمصر الجديدة، ومما نصحني به يومها ضرورة الاطلاع على مذكرات راسل باشا، وأراني نسخة بالإنجليزية من المذكرات التي كتبها مؤلفها عام 1949.

لاحقاً وجدت نسخة إلكترونية إنجليزية من مذكرات راسل باشا التي تُرجمت لاحقاً للعربية في عام 2019، وبقراءة تلك المذكرات وجدت صاحبها خريج الكلية اللاهوتية بكامبريدج يجمع بين عدة ميزات، فهو صاحب حس أدبي، وقائد شرطي، ومحلل أمني واجتماعي، وصياد مغامر تمكن من أن يقدم في مذكراته صورة تحليلية عميقة لتركيبة المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين في الريف والصحاري والمدن والمناطق الساحلية، كما تناول بعمق معلوماتي تحليلي أشكال الأنشطة غير المشروعة المنتشرة وقتها مثل المخدرات وشبكات تهريبها وأماكن زراعتها وتصنيعها خارج مصر.

العلاقة بين تغير نظام الري وانتشار المخدرات

رصد راسل خلال فترة خدمته التي امتدت 44 عاماً تراجع صحة الفلاح والعامل المصري بشكل متسارع، وطلب من مساعديه تنفيذ استطلاع رأي لأكبر 20 مقاولاً في مصر كشفت نتائجه أن العامل الصعيدي كان قادراً قبل ثلاثين عاماً على حفر ستة أمتار مكعبة من الطين في اليوم الواحد، في حين لا يقدر أقوى العمال وقت إجراء الاستطلاع إلا على حفر ثلاثة أمتار مكعبة فقط في اليوم؛ أي أن القوة البدنية للعامل انخفضت 50% خلال 30 سنة.

انشغل راسل باشا بدراسة وتحليل أسباب التدهور الصحي الذي انعكس سلباً على القوة البدنية لجنود الشرطة الذين يأتي معظمهم من المناطق الريفية؛ فضلاً عن تداعيات هذا التدهور على القدرة الإنتاجية للفلاحين بشكل عام.

عزا راسل التدهور في صحة الفلاحين إلى انتشار البلهارسيا والأنكلستوما، اللذين طبقاً للبيانات الرسمية وقتها كانا يصيبان 85% من سكان مصر من الذكور، بالإضافة إلى انتشار عدوى الملاريا. ووجد أن تلك الأمراض لم تكن موجودة في صعيد مصر حتى بداية القرن العشرين، وخلص إلى أن ظهور تلك الأمراض وانتشارها تزامن مع تغير نظام الري في الريف المصري من ري الحياض إلى الري الدائم (الغمر). فقبل بناء سد أسوان عام 1902 كان نظام الري الدائم موجوداً في مكان واحد بمصر، وهو سد الدلتا الواقع على بعد 20 کیلومتراً شمال القاهرة والمبني في عام 1861، ومن ثم تواجد مرض البلهارسيا في الدلتا لكنه كان منعدماً في الصعيد. ولذا عندما اُكتشفت حالة بلهارسيا نادرة في أسيوط، اُعتبرت وقتها حدثاً خطيراً غير معتاد.

وفي تلك الآونة كانت منظومة الري تعتمد على تقسيم الأراضي الزراعية في وادي النيل إلى عدة أحواض تُغمر بالمياه حتى تنمو المزروعات، وبعد الحصاد تُترك الأرض حتى موسم الفيضان المقبل. وبهذا النظام كان يُزرع نوع واحد من المحاصيل سنوياً. وكانت الأراضي الزراعية في الصعيد تمتلئ بالمياه في الصيف فقط، مما أتاح لحرارة الشمس الحارقة قتل محارات البلهارسيا.

لكن مع بناء سد أسوان في عام 1902، أصبح متاحاً تخزين المياه الفائضة ونقلها خلال فترة الجفاف عبر الترع، وهو ما مكن أصحاب الأراضي الزراعية من ري وزراعة أراضيهم طوال العام. وبالتالي انتقلت البلهارسيا والأنكلستوما إلى الصعيد، وانتشر بسببها مرض فقر الدم الذي يترك صاحبه ضعيفاً خاملاً. ومن ثم بدأ العمال والفلاحون يقبلون على تناول المخدرات المنشطة من أجل القيام بأعمالهم الحياتية ورفع كفاءتهم بالعمل واجباتهم الزوجية. وذلك في ظل عدم وجود تشريعات صارمة وقتها ضد الاتجار بالمخدرات، وهو ما دفع الحكومة في عام 1925 لإصدار قانون يجعل امتلاك المخدر أمراً غير قانوني مثل الاتجار فيه، كما زيدت عقوبة التاجر من الحبس أسبوعاً واحداً فقط لتصبح الحبس عاماً وغرامة 100 جنيه.

ولتوضيح حجم انتشار المخدرات يذكر راسل باشا أنه خلال عام واحد من بدء تطبيق قانون عام 1925 الخاص بالمخدرات، أصبح لدى الشرطة بالقاهرة فقط بيانات عن 5600 تاجر مخدرات، في حين تذهب تقديرات الشرطة إلى وجود 7 ملايين متعاط للمخدرات من بين الشعب الذي بلغ عدده وقتها 14 مليون مواطن.

واللافت أن هذا الإقبال على المخدرات حدث رغم ارتفاع ثمنها بأسعار ذلك الوقت؛ حيث يشير راسل إلى أن سعر إنتاج كيلو الهيروين وقتها في أوروبا بلغ 10 جنيهات، في حين كان يُباع في القاهرة بـ300 جنيه. وخلص راسل إلى أن مجابهة انتشار المخدرات تتطلب العمل على محورين، الأول هو اختراق أماكن تصنيع الكوكايين والهيروين بالخارج، وشبكات زراعة وتهريب الحشيش في دول الجوار، فضلاًعن اتخاذ إجراءات صارمة ضد تجار المخدرات الأجانب الذين كانوا يشرفون على تلك التجارة ويستغلون الامتيازات الأجنبية الممنوحة لهم للإفلات بجرائمهم. وهو ما سرده راسل باشا بشكل مفصل؛ لعل يتاح التطرق له في مقال آخر.

والشاهد مما سبق أن تغير طرق الري يقف خلف العديد من الظواهر المباشرة وغير المباشرة التي تترك تداعيات عميقة على الأنشطة البشرية. وهو ما يتطلب التعامل معها بحذر وعناية.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد مولانا
باحث في الشئون السياسية والأمنية
باحث في الشئون السياسية والأمنية
تحميل المزيد