لا تُقدِّس شخصاً وابتعِد عن أنصاف الحلول.. 4 دروس تعلمتها من ثورة 25 يناير

عربي بوست
تم النشر: 2021/01/26 الساعة 12:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/01/26 الساعة 16:12 بتوقيت غرينتش

لحظات الإبهار والتألق الشعبي نادرة في التاريخ، وإذا صادفك الحظ وكنت جزءاً منها فعليك الانغماس فيها والمحاولة بلا كلل أو ملل لإنجاحها؛ كي تكون فعالاً فيها، فتلك اللحظات، على الأرجح، لن تتكرر في حياتك مرة أخرى. وعلى ندرتها فإنها قادرة على أن تحيا كأسطورة تاريخية، وحلم يرجى، وشرف ناصع تعيش عليه الأمم لأجيال.

ولقد صادفني الحظ وكنت فرداً وسط جموع صنعوا الحدث، في ثورة 25 يناير، وشهدت لحظات ثورات الربيع العربي. وعن ثورة "25 يناير" وأخواتها قالوا ما قالوا، واختلف في أمرهم الناس بين مؤيد ومعارض وواثق ومتشكك، إلا أنني أعدها لحظة القرن العربية، الباهرة التي تورث إلى الأجيال التالية، متخذة منها زاوية انطلاق تستخلص منها الدروس وتخرج منها بالعظات.

وأود أن أفرد في هذا المقال مجموعة من الدروس التي خرجت بها من تجربتي في ثورة 25 يناير والفترة التي أعقبتها، وهي فترة يخرج منها الحليم حيران.
 

الدرس الأول: لا تفقد الأمل أبداً 


كانت الأعوام الأخيرة في نظام حسني مبارك حالكة السواد، وحالت القاهرة مدينة أموات، من المستحيل أن تخرج منها ثورة. فالخوف كان سيد الموقف، يكفيك أن تنسى حلاقة لحيتك بعض الأيام ليستوقفك أفراد الشرطة سائرين على الأقدام، أو تطلب بطاقتك كمائن الأمن المنصوبة على الطرق، ومن ثم تتحول إلى تسلية ولعبة للضباط لبرهة من الوقت، أو يتم القبض عليك إن كنت قليل الحظ. 

واليأس من التغيير كان هو الحاكم لمشاعر القطاع الأكبر من الشعب، والوضع الاقتصادي كان سيئاً للغاية، وفرص العمل أقل ما تكون. ومع ركود الوضع السياسي وهيمنة أقطاب الحزب الوطني على المشهد السياسي، الذي فرض جمال مبارك في صدارته بدعاباته السمجة، وخطاباته الضعيفة، وغروره وتعاليه. ولا أستطيع أن أنسى أن معظم الشباب الموجود حينها بمصر لم يرَ رئيساً غير محمد حسني مبارك، ومعظمنا لم يذهب لصندوق الانتخابات ولو لمرة واحدة.

كل تلك العوامل دفعت الكثير من الناس إلى القنوط من أن أي تغيير في مصر. الأمل لم يكن موجوداً عند أغلبية الشعب، ولقد قالوا قديماً: إن اليأس إحدى الراحتين، ولكن صدقني يا صديقي إن قلت لك: إن هذه المقولة أكذب من مسيلمة، فاليأس أمر بمراحل من الموت، اليأس يحول البشر إلى مسوخ عديمة الغاية، ولا تشعر بأن لها قيمة؛ لذلك فإنه يخرج من نفوسهم أسوأ ما فيها، فقيام الثورة في وسط كل هذه الأجواء التي حدثتك عنها، تعرفك ماذا مثلت لنا، وتعرفك أيضاً كيف شحنت هذه الثورة قلوبنا بأمل لا ينقطع، ما دام فينا عرق ينبض، ونحن لا نعيش في أيامنا السوداء الحالية في مصر إلا على هذا الأمل الذي أمدتنا به ثورة يناير.
 

الدرس الثاني: إياك إياك وأنصاف الثورات


يقول جبران خليل جبران "لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، ولا تحلم نصف حلم، وتتعلق بنصف أمل. إذا صمتّ فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت تكلم حتى النهاية". 

المشكلة الأساسية في ثورة يناير أنها ثورة لم تكتمل، ثورة أطاحت برأس النظام وأبقت على الجسد المريض، الذي وزّع ظلمه على جميع أجزاء الدولة بعدل شديد. ولأن الثوار لم يلتفتوا إلى هذا الجسم فقد فوجئوا به ينبت رؤوساً جديدة تهاجمهم بشراسة، حتى أجلتهم عن المشهد أو كادت. والذي ساعد في عدم استكمال الثورة قلة الخبرة، والاستسهال، والتصارع على السلطة الذي أعقب سقوط رأس النظام.
 

الدرس الثالث: لا تحكم على الناس من مظاهرهم


كنت فيما قبل ثورة يناير، سريع الحكم على الأشخاص، فبمجرد النظر إلى شخص أحكم عليه وأحدد قيمته، ولكنني تعلمت من الأحداث التي مرت بها بلادي أن معادن الرجال -وأقصد هنا صفة الرجولة سواء في الذكر أو الأنثى- لا تظهر إلا في المواقف العصيبة التي تدور فيها الأعين في محاجرها، فأصبحت لا أقيم الشخص من مجرد مظهره ولا تعليمه ولا حتى كلامه، الأفعال وحدها هي التي أستطيع تقييم الأشخاص من خلالها، وصدقت العرب عندما قالت قديماً: "ترى الرجال كالنخل وما أدراك ما الدخل".
 

الدرس الرابع: تعلَّق بالأفكار والمبادئ لا الأشخاص


أفضل ما صنعت ثورة يناير أنها هدمت أصناماً داخل نفوسنا لأناس كنا ندخلهم في عداد القديسين، وتبين لنا بعد ذلك أنهم كانوا صنائع للنظام الاستبدادي، صنعهم النظام على عينه، ولم يتفرّخوا إلا في حضانته، ولكن هذا علمنا مبدأ غاية في الأهمية، وهو أن يكون ولاؤنا للفكرة والمبدأ أياً كان، ما دمنا قد اقتنعنا به، واعتقدنا بصحته، فحتى لو حاد الشخص الذي علّمك هذا المبدأ عن مبدئه فلا يحركنا ذلك عنه قيد أنملة، وهذه الفكرة لخَّصها أهل الدين في حكمتهم التي تقول: "إن الفتنة لا تُؤمَنُ على حيّ".

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علي خيري
كاتب ومحامٍ مصري
كاتب ومحامٍ مصري
تحميل المزيد