الفرح تحوَّل إلى مأتم.. كيف تسبَّب الفساد بالعراق في كارثة حريق قاعة الأفراح؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/09/29 الساعة 10:02 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/09/29 الساعة 11:31 بتوقيت غرينتش
الحريق خلف عشرات القتلى والجرحى/ رويترز

تزايدت الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن حريق في قاعة أفراح قتل وأصاب المئات، فما علاقة الفساد في العراق بالكارثة المروعة رغم أنها ليست الأولى؟

كان أكثر من 100 شخص قد لقوا حتفهم وأصيب ما لا يقل عن 150 آخرين مساء الثلاثاء 26 سبتمبر/أيلول في حريق شب في حفل زفاف في بلدة الحمدانية (قراقوش)، وهي المأساة التي أعادت للأذهان ذكرى حريقين اجتاحا مستشفيين في العراق عام 2021، مما أودى بحياة ما لا يقل عن 174 شخصاً، وأُلقي باللوم فيهما آنذاك على الإهمال والفساد والتراخي في تطبيق اللوائح.

ماذا حدث في حفل الزفاف؟

في إحدى قاعات الأفراح بمحافظة نينوى شمال العراق، تحول حفل زفاف إلى فاجعة بسبب حريق مفاجئ خلف قصصاً موجعة لضحايا بالمئات، وتضامناً عالمياً واسعاً. وتظهر المقاطع المتداولة على منصة "إكس" لحظة اندلاع النيران في سقف تلك القاعة التي كانت تكتظ بالمئات من الضيوف.

وتحولت أنغام الحفل ورقص العروسين "ريفان" و"حنين" وضيوفهما إلى صراخ وعويل، أعقبتهما محاولات هروب إلى خارج القاعة بسبب النيران، لتبدأ بعد ذلك محاولات الإنقاذ والإطفاء.

نجا العروسان من نيران "ليلة العمر"، كما تقول تقارير إعلامية محلية، لكن الإحصائيات الرسمية أشارت إلى أن النيران "أودت بحياة 100 شخص، وتسببت في إصابة 150 شخصاً بحروق واختناقات"، وفق تصريحات لوزير الصحة العراقي صالح الحسناوي.

وكان السبب الأولي للحريق، وفق تصريحات وزير الداخلية عبد الأمير الشمري لوكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، "افتقاد قاعة العرس المشيدة من مادة سريعة الاشتعال لمواصفات السلامة والأمان والألعاب النارية، التي أدت إلى احتراق السقف وانهياره على المتواجدين".

وروى ضيوف القاعة قصصاً موجعة، إحداها ينقلها مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي، لابن يبحث عن أمه، بحسب تقرير لوكالة الأناضول. وبينما تقول زوجة الابن المكلوم لوسائل إعلام أمام القاعة: "بحثنا عنها بالمستشفيات وبين الضحايا ولم نجدها"، كان الزوج يصرخ عالياً، فقد وجد ملابس أمه بين حطام القاعة، وقد أكل النار معظمها، وخرج يجري خارج القاعة وهو يرفع تلك الملابس ويبكي بحرقة.

الحمدانية
تشييع ضحايا حريق الحمدانية في العراق – رويترز

وفي مشهد آخر، تظهر علامات القلق الشديد على وجه شخص أربعيني وأحد الناجين، على ابنته التي ترقد في العناية المركزة للعلاج من أثر الحريق. ويروي قسطاً مما حدث عبر منصات التواصل: "كنا قريبين من باب الدخول والخروج بالقاعة، وتفاجأنا بنيران السقف، واندفاع الناس للخروج وحدث ما حدث".

وفيما حضر مشيعون مراسم تأبين مكتظة ودفنت العائلات أحباءها، قال قس في كنيسة الطاهرة في الحمدانية، المعروفة أيضاً باسم قراقوش، للمشيعين إن العراق مترابط في حزنه، لكنه انتقد المسؤولين بسبب "فسادكم ومحسوبيتكم"، وأضاف: "ما في شي مطابق للمواصفات" في هذا البلد. وأنصت إليه المشيعون وبعضهم يبكي والبعض الآخر يحمل صور من فقدوا من ذويهم، وتابع قائلا إنه يتعين محاسبة المسؤولين، بحسب رويترز.

مادة الأليكوبوند سريعة الاشتعال

بعد اندلاع الحريق مباشرة نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية عن مديرية الدفاع المدني العراقي قولها إن "الحريق أدى إلى انهيار أجزاء من القاعة، نتيجة استخدام مواد بناء سريعة الاشتعال ومنخفضة التكلفة تنهار خلال دقائق عند اندلاع حريق".

وفي هذا الإطار، قال الدكتور تغلب عبد الهادي الوائلي، وهو مهندس معماري ومخطط مدن عراقي مقيم في كندا، لهيئة الإذاعة البريطانية BBC إن مادة الأليكوبوند هي مادة رخيصة تستخدم في البناء وألوانها جميلة وسهلة التركيب. وعادة ما يلجأ إليها المالك أو المستثمر لزيادة أرباحه، لاسيما أن تكلفة شرائها رخيصة.

ويرى الوائلي أن استخدام مادة الأليكوبوند ليس السبب الرئيسي الذي أدى إلى تفاقم الحريق، مضيفاً أنه "من المبكر أن نقيّم الحادث. من خلال معرفتي بطرق البناء والتجاوزات (التي تحدث) من البلدية، السبب هو قصور الدوائر البلدية في متابعة إنشاءات من هذا النوع، خاصة أن مواد البناء المستخدمة هي مواد قابلة للاشتعال وغير مقاومة للحريق".

المعماري والأكاديمي العراقي، الدكتور موفق جواد الطائي، يرى أيضاً أن استخدام مادة الأليكوبوند ليس السبب الرئيسي وراء اشتعال الحريق، إذ يقول الطائي إن هناك أسباباً عدة عززت من اشتعال النيران، بيد أن "السبب الأساسي هو استخدام الألعاب النارية، لأنه عند استخدامها داخل قاعة كبيرة الحجم كهذه يزداد الأمر تعقيداً، لاسيما أن مواد البناء غير مقاومة للحريق ولن تقاوم لمدة ربع ساعة".

كما يقول الدكتور تغلب عبد الهادي الوائلي إن "هناك أيضاً قصوراً وسوء تصرف من إدارة الحفل لاستخدام الألعاب النارية في هذا المكان". أما ريم غسان، وهي ناشطة مجتمعية في منظمة السلام والحرية، فقالت لبي بي سي إن المنظمة تلقت اتصالات إغاثة من بعض الضحايا فور اندلاع الحريق في القاعة، طالبوا خلالها  بإيجاد مخارج للفرار.

وأضافت أنه "لا يوجد باب للخروج سوى بابين: الباب الرئيسي وباب المطبخ. كان الوضع كارثياً، لأنه خلال اللحظات الأولى للحريق، كان الموجودون يتصلون للسؤال عن جرارات لكسر الجدران" حتى يتمكنوا من الخروج من وسط من النيران المشتعلة. ورداً على هذا يقول الدكتور الوائلي إن "مخارج الحريق غير مدروسة بعناية، هذا إذا كانت موجودة أساساً".

كارثة حريق الحمدانية العراق
مخلفات كارثة حريق قاعة الأفراح في العراق/ رويترز

كما تساءل الدكتور الطائي: "هل من الممكن أن تتضمن إجازة (البناء) أبواباً آمنة للحريق، لاسيما أنه لا توجد مخارج آمنة"، مضيفاً أن الأشخاص الذين يعطون إجازات أو تصاريح البناء في بعض محافظات العراق قد يكونون غير مختصين وقد لا يكونون معماريين. ويقول إنه "بالتأكيد هناك قصور من البلدية في تحديد مواد البناء خاصة في المناطق العامة ومباني التجمعات".

أما باسم العوادي، المتحدث باسم الحكومة العراقية، فقال لبي بي سي: "إن عدم وجود إجراءات سلامة يدل على أنه هناك جهات معينة سواء أن كانت البلدية أو غيرها لم تطبق إجراءات السلامة، أو لم تقم باللازم وإلا فكيف تم منح الإجازة. بالنهاية لابد أن يكون هناك تقصير". واستدرك العوادي في حديثه لبي بي سي، قائلاً إنه "سُتطبق أشد العقوبات قانونياً على المقصرين الذين تهاونوا في عدم تطبيق إجراءات السلامة في هذه القاعة".

الفساد في العراق

الاتهامات نفسها تتكرر في كل مرة يشهد العراق كارثة مروعة يروح ضحيتها المئات من المواطنين، والمتهم الأبرز هو الفساد، إذ إن انتقاد التراخي في التعامل مع تدابير السلامة العامة بات أمراً شائعاً في العراق، البلد الذي أضعفته الصراعات المتكررة منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وتدهورت فيه الخدمات بسبب استشراء الفساد الذي لم يحاسب عليه سوى عدد قليل من كبار المسؤولين.

وأعلن مسؤولون بالحكومة اعتقال 14 شخصاً على خلفية الحريق الأخير، من بينهم أصحاب قاعة المناسبات، ووعدوا بإجراء تحقيق سريع وإعلان النتائج خلال 72 ساعة، وأمرت الحكومة أيضاً بإجراء عمليات معاينة وفحص فورية لأماكن التجمعات العامة الكبيرة مثل الفنادق والمدارس والمستشفيات.

الناشطة المجتمعية في منظمة السلام والحرية، ريم غسان، قالت إن المأساة ازدادت؛ لأن المستشفيات كانت غير مؤهلة وغير كافية، كما أن الكثير من المصابين أصيبوا بتسمم لأن المعدات التي اُستخدمت لإسعافهم أو علاجهم كانت "مسممة"، مضيفة أنه بسبب الفوضى انقلبت إحدى سيارات الإسعاف في الطريق من الحبانية إلى أربيل وتوفي عدد من المصابين بسبب هذا الحادث.

ليس هذا فحسب، بل أضافت ريم أنه كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف فقط في الحبانية كلها متوفرة لإطفاء الحريق و"كانت غير كافية لحجم الحريق وحجم القاعة".

العراق السوداني
محمد شياع السوداني رئيس حكومة العراق/ حساب المكتب الإعلامي على موقع تويتر

ويقول خديدا خليف عيدو، عضو مجلس محافظة نينوى السابق، إنه بعد سيطرة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 على بعض مناطق سهل نينوى ومنها الحبانية وما تلاه من دخول القوات العراقية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق، ساهم ذلك الصراع في محو بعض البنى التحتية هناك.

وعن هذا يقول باسم العوادي المتحدث باسم الحكومة العراقية: "إن هذا الحادث لفت الانتباه إلى واقع مدينة الحمدانية وواقع سهل نينوى"، وقال إن رئيس الوزراء موجود هناك وسيتابع الموضوع بأدق تفاصيله فيما يتعلق بالبنى التحتية، وسيكون هناك لقاء قريب له مع قادة الدفاع المدني "لمعرفة واقع عملهم وما الذي يحتاجونه".

كما قال العوادي: "في العراق التركيز دائماً يكون على المدن الكبيرة. مراكز المحافظة تكون مجهزة. دائماً للأسف تكون الإجراءات أقل تقديراَ أو أقل تنفيذاً كلما ابتعدنا عن مراكز المدن الكبيرة".

وكان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قد أوعز بإعلان الحداد 3 أيام على ضحايا الحادثة، كما تناقلت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لتوافد عشرات العراقيين في الموصل، للتبرع بالدم لإنقاذ المصابين. وكان الحزن عربياً أيضاً، حيث تداولت منصات التواصل عشرات التغريدات التي تنعى ضحايا الحريق وتتضامن مع المصابين، بالإضافة إلى التضامن الرسمي العالمي مع العراق، بينها وزارة الخارجية التركية التي قدمت التعزية بضحايا الحريق.

وعلى الرغم من أن العراق يُعتبر واحدة من الدول الغنية بالموارد المتنوعة، زراعية ومواد خام وغيرها، فإن بلاد الرافدين تعاني بشدة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وما تبعه من تداعيات كارثية أدت إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية الأساسية من طرق ومياه وكهرباء وخدمات بأنواعها، ويظل الفساد أحد أبرز المتهمين.

وكان السوداني، الذي تولى رئاسة الوزراء منذ أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي، قد أكد في بيان حكومته أمام البرلمان العراقي أن مكافحة الفساد لوقف الهدر الكبير في ثروات البلاد تمثل الهدف الأساسي في هذه المرحلة.

وعملت الحكومة العراقية منذ ذلك الوقت على تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بمكافحة الفساد، كالأمم المتحدة والبنك الدولي والشرطة الدولية (الإنتربول) وعدد من الدول من أجل تطوير قدرات العراق ومؤسساته المعنية بالقضاء على الفساد.

تحميل المزيد