واشنطن لا تدعم استقلال تايوان.. ماذا يعني هذا التصريح من بلينكن خلال زيارته النادرة إلى الصين؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/06/20 الساعة 10:52 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/06/20 الساعة 10:52 بتوقيت غرينتش
رئيسة تايوان تساي إنغ/ رويترز

"واشنطن لا تدعم استقلال تايوان"، هذا ما أعلنه وزير الخارجية أنتوني بلينكن في بكين، فهل يكون هذا التصريح بدايةً لتحول فعلي في سياسة أمريكا، يؤدي إلى التراجع عن حافة الهاوية؟ أم أنه "فخ" قد تقع فيه الصين ويدفع العالم ثمنه كما حدث في أزمة أوكرانيا؟

زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى بكين هي الأولى على هذا المستوى الرفيع منذ عام 2018، حيث شهدت العلاقات بين الصين والولايات المتحدة تدهوراً غير مسبوق، ووضعت العالم كله على أطراف أصابعه في أكثر من مناسبة، كان آخرها قضية منطاد التجسس الصيني قبل أشهر قليلة، إذ كانت تلك القضية قد تسببت في تأجيل زيارة بلينكن إلى بكين، والتي كانت مقررة في فبراير/شباط الماضي.

ولا شك أن الصراع المحموم بين القوتين الأعظم حالياً يضع العالم بأسره في حالة من الترقب، فالصين وأمريكا تمتلكان أكبر اقتصادين، وهما قوتان نوويتان، رغم الفارق الكبير بينهما في عدد الرؤوس النووية، وتوتر العلاقات بينهما ليس خافياً أو مستتراً، وأي صدام مسلح ستكون له تداعيات لا أحد يعلم مداها.

ماذا قال بلينكن بشأن تايوان؟

الملف الرئيسي وسبب التوتر بين واشنطن وبكين هو قضية تايوان، وكانت الصين وتايوان قد انفصلتا خلال حرب أهلية في الأربعينيات، وتعتبر تايوان نفسها دولة ذات سيادة، وتحظى بدعم أمريكي وغربي، لكن بكين لا تزال تصرُّ على أنه ستتم استعادة الجزيرة في وقت ما، وبالقوة إذا لزم الأمر. ولا يعترف بتايوان سوى عدد قليل من الدول؛ إذ تعترف معظم الدول بالحكومة الصينية في بكين بدلاً عن ذلك. ولا توجد علاقات رسمية بين الولايات المتحدة وتايوان، ولكن لدى واشنطن قانون يُلزمها بتزويد الجزيرة بوسائل الدفاع عن نفسها.

وبالتالي فإن موقف إدارة الرئيس جو بايدن من سعي تايوان للاستقلال يمثل حجر الزاوية في علاقات بكين وواشنطن. وفي هذا السياق أكد بلينكن على سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في "الصين الواحدة"، قائلاً إن واشنطن "لا تدعم استقلال تايوان"، وذلك بعد اجتماع الوزير الأمريكي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، بحسب تقرير لشبكة Foxnews الأمريكية.

وقال الوزير خلال مؤتمر صحفي قبيل مغادرته بكين: "نحن لا نؤيد استقلال تايوان، ما زلنا نعارض أي تغييرات أحادية الجانب على الوضع الراهن من قبل أي من الطرفين، وما زلنا نتوقع حلاً سلمياً للخلافات حول مضيق تايوان، لا نزال ملتزمين بمسؤوليتنا بموجب قانون العلاقات مع تايوان، بما في ذلك التأكد من أن الجزيرة لديها القدرة على الدفاع عن نفسها".

ربما تبدو كلمات بلينكن في حد ذاتها ليست جديدة، لكن تأكيده على أن الولايات المتحدة تدعم سياسة "الصين الواحدة" ولا تدعم استقلال تايوان، يعتبر المرة الأولى، منذ بداية رئاسة جو بايدن، التي يتم فيها مثل هذا الإعلان وعلى لسان رأس الدبلوماسية الأمريكية، على عكس تصريحات بايدن نفسه المتكررة والتي وصفتها بكين بأنها "لعب بالنار".

بلينكن شي جين بينغ
شي جين بينغ استقبل بلينكن/ رويترز

إذ كان بايدن قد أكد في أكثر من مناسبة على أن واشنطن "ستدافع عن تايبيه إذا ما غزتها بكين"، وهو ما أثار غضباً شديداً لدى القيادة الصينية، التي تعتبر مسألة إعادة توحيد تايوان مع بر الصين الرئيسي مسألة محسومة مهما طال الزمان.

وكانت رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، نانسي بيلوسي، قد تسببت في دفع الأمور إلى حافة الهاوية، عندما زارت تايوان أوائل أغسطس/آب الماضي، فحاصرت الصين الجزيرة تماماً، وأجرت تدريبات عسكرية شاملة بالذخيرة الحية، وبدت الأمور في طريقها إلى الانفجار، قبل أن يتم تفادي الاشتعال الكبير.

ثم استقبل رئيس مجلس النواب الحالي، كيفين مكارثي، رئيسة تايوان تسي تاي أونغ، وهي من دعاة الاستقلال والانفصال عن الصين، ما أثار أزمة أخرى كبرى، قبل أيضاً أن يتم تفادي الانفجار.

ما رد فعل الصين على زيارة بلينكن؟

في هذا السياق، يتابع العالم بأسره تطورات العلاقات المتدهورة بين التنين والعم سام، والتي تحمل تذكيراً مخيفاً بفترات الحرب الباردة السابقة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، قبل أن تنتهي بتفكك الأول وانتصار المعسكر الغربي. فالصين الآن تحمل لواء الشيوعية مرة أخرى كما كان الحال مع الاتحاد السوفييتي السابق، بينما تحمل واشنطن لواء "الليبرالية"، ولا تريد أن تفقد هيمنتها على العالم.

وتناولت وسائل الإعلام الصينية تصريحات بلينكن بشأن "عدم دعم استقلال تايوان" بكثير من التشكك، مؤكدة على ضرورة أن تقرن واشنطن "الأقوال بالأفعال"، بحسب تحليل لصحيفة Global Times الصينية شبه الرسمية، تحدث عن حتمية تغيير "المفاهيم الخاطئة عن الصين التي تبني عليها الولايات المتحدة مواقفها".

ومن وجهة النظر الصينية، هناك تناقض صارخ في الموقف الأمريكي بشأن تايوان، فمن ناحية تعلن واشنطن أنها ملتزمة بسياسة "الصين الواحدة"، والتي تعني بشكل واضح أن تايوان جزء من الصين، لكن من ناحية أخرى تزود واشنطن تايبيه الجزيرة بالأسلحة، وتقيم علاقات قوية مع من تصفهم بكين بالانفصاليين في تايوان.

وحتى تتضح الصورة كاملة، لا بد من العودة إلى أصل القضية التايوانية أو الأزمة الصينية مع تايوان، إذ كانت تايوان تاريخياً جزءاً من الصين، لكن عندما اندلعت الحرب الأهلية في البلاد خلال أربعينيات القرن الماضي، بدأت القصة تأخذ منحى تاريخياً مغايراً لما كانت عليه الأمور وقتها.

الحرب الأهلية اندلعت بين الحزب القومي الحاكم في الصين وقتها وبين الحزب الشيوعي الصيني، بزعامة ماو تسي تونغ. وعندما انتصر الشيوعيون فرّ أعضاء الحكومة والحزب الحاكم، وعبروا مضيق تايوان ومعهم احتياطي الصين من الذهب بالكامل، ليستقروا على الجزيرة ويعلنوا قيام جمهورية الصين وعاصمتها تايبيه.

الصين أمريكا
سفن حربية أمريكية في بحر الصين الجنوبي – رويترز

وبطبيعة الحال ظل العالم يعترف بجمهورية الصين كممثل للشعب الصيني، بينما لم يعترف العالم بجمهورية الصين الشعبية التي أقامها الحزب الشيوعي الصيني في البر الرئيسي وعاصمتها بكين.

ذلك الفصل من تاريخ الصين بشقيها الصين الشعبية (بكين)، وجمهورية الصين (تايبيه) وقعت أحداثه عام 1949، وأصبحت جمهورية الصين (تايوان) تشغل مقعد الصين الدائم في مجلس الأمن الدولي، بعد أن اعترفت بها الولايات المتحدة والدول الغربية، بينما لم يعترف أحد تقريباً بجمهورية الصين الشعبية.

واستمرت الأمور على هذا النحو حتى عام 1971، عندما انقلبت الأمور واعترف الغرب، بقيادة واشنطن، بأن جمهورية الصين الشعبية وعاصمتها بكين هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصيني، وتم نقل مقعد العضوية الدائمة من تايوان إلى الصين، لتبدأ دول العالم تباعاً في سحب اعترافها بتايوان وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الصين.

الحزب القومي الصيني أو حزب الكوميتانغ الذي تعرض للهزيمة في الحرب الأهلية، وفرّ إلى تايوان، هو الحزب المعارض في تايوان حالياً، ومعروف عنه أنه لا يميل إلى الاستقلال التام عن الصين، على عكس الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي تنتمي إليه الرئيسة الحالية تساي إنغ وين، حيث يسعى للاستقلال بتايوان عن البر الرئيسي.

هل هناك تحول في موقف أمريكا أم أنه "فخ"؟

إعلان بلينكن عدم دعم بلاده لاستقلال تايوان جاء متبوعاً بإصرار على استمرار الوضع القائم حالياً، وألا يقدم أي من الطرفين على اتخاذ خطوات أحادية لتغييره، لكن السؤال هنا: ماذا عن سعي الرئيسة الحالية تساي للانفصال عن الصين؟ هل تعتبر هذه المساعي تغييراً للوضع القائم؟ وماذا لو جاء الرد الصيني عسكرياً باجتياح تايوان؟ هل ستتدخل أمريكا وتشتعل الأمور؟

لا أحد يمتلك إجابات قاطعة بطبيعة الحال، لكن الشك في النوايا الأمريكية من جانب الحزب الشيوعي الصيني يبدو أنه سيد الموقف حالياً. فالقصة لم تعد فقط تايوان واستقلالها أو توحيدها مع البر الرئيسي، إنما الأمر يتعلق بصراع القوى الكبرى، وسعي واشنطن لاحتواء "التنين"، بحسب وجهة النظر الصينية.

ويمكن استقراء هذا بسهولة حتى من خلال التصريحات الرسمية من الجانبين. فبلينكن يقول: "في الوقت نفسه، لدينا نحن وكثيرون غيرنا مخاوف عميقة بشأن بعض الإجراءات الاستفزازية التي اتخذتها الصين في السنوات الأخيرة منذ عام 2016، والسبب وراء قلق العديد من الدول، وليس الولايات المتحدة فقط، هو أنه إذا كان هناك خلاف بشأن تايوان فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى أزمة اقتصادية قد تؤثر على العالم بأسره".

وتابع وزير الخارجية الأمريكي أن "50% من حركة سفن الحاويات التجارية تمر عبر مضيق تايوان يومياً، كما يتم تصنيع 70% من أشباه الموصلات في تايوان، وإذا كانت هناك أزمة سينتج عنها توقف ذلك فسيكون لهذا عواقب وخيمة على كل دولة تقريباً في جميع أنحاء العالم".

بايدن
بايدن أكد من قبل أن بلاده ستدافع عن تايوان- رويترز

وبالتالي فإن اتفاق الصين والولايات المتحدة على تحقيق الاستقرار في التنافس المحتدم بينهما حتى لا يتحول إلى صراع، يعتبر خطوة مهمة، لكنهما أخفقتا في إحداث أي انفراجة كبيرة خلال زيارة بلينكن النادرة إلى بكين.

فالرئيس الصيني شي جين بينغ رحب "بالتقدم"، بعدما صافح بلينكن في قاعة الشعب الكبرى، وهي قاعة كبيرة مخصصة في العادة لاستقبال رؤساء الدول، وشددا معاً على أهمية وجود علاقات أكثر استقراراً بين البلدين، إذ من شأن أي صراع بين أكبر اقتصادين في العالم أن يؤدي إلى حدوث اضطرابات عالمية.

لكن الصين رفضت بحث عرض واشنطن استئناف قنوات الاتصال العسكري، وأشارت إلى أن العقوبات الأمريكية هي العقبة أمام هذه الخطوة، وهو مؤشر واضح على تشكك الصين في النوايا الأمريكية.

الخلاصة هنا هي أنه خلال أحد أبرز الاتصالات بين الولايات المتحدة والصين، منذ تولي الرئيس جو بايدن منصبه، لم يتضح كيف سيتغلب البلدان على خلافاتهما، كما لم يتضح إذا ما كان هناك تغيّر في الموقف الأمريكي من قضية تايوان، التي يعتبرها شي "خطاً أحمر".

تحميل المزيد