روسيا وأوكرانيا تدفعان بـ”المرتزقة” إلى الصفوف الأمامية، فكيف يكون تأثير هؤلاء على مسار الحرب؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/03/13 الساعة 08:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/03/13 الساعة 08:50 بتوقيت غرينتش
قوات تابعة لروسيا في أوكرانيا - رويترز

فتحت أوكرانيا الباب لتشكيل "الفيلق الدولي" للمتطوعين، ثم أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الموافقة على جلب "المتطوعين" الراغبين في القتال إلى جانب موسكو، فهل يكون للمرتزقة دور مؤثر فعلاً؟

دخل الهجوم الروسي على أوكرانيا أسبوعه الثالث دون وجود مؤشرات على قرب نهاية تلك الحرب، التي تصفها روسيا بأنها "عملية عسكرية خاصة"، بينما تصفها أوكرانيا والغرب بأنها "غزو". وما بين التوصيفين يكمن جوهر الأزمة الأوكرانية التي هي بالأساس أزمة جيوسياسية.

وأعلن بوتين الخميس، 24 فبراير/شباط 2022، بدء "العملية العسكرية الخاصة لمنع عسكرة أوكرانيا"، على خلفية الصراع مع الغرب الراغب في ضم الجمهورية السوفييتية السابقة إلى حلف الناتو، وكانت التوقعات بأن الجيش الروسي سيستولي على أوكرانيا في وقت قصير؛ نظراً للفروقات الضخمة بين جيشي البلدين، لكن بعد الدخول إلى الأسبوع الثالث يبدو أنه لن تكون هناك نهاية سريعة للحرب.

بوتين يعلن قبول "المتطوعين" في أوكرانيا

خلال الأسبوع الأول من الهجوم الروسي، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن فتح بلاده البابَ أمام "من يريد القتال للدفاع عن أوكرانيا"، مضيفاً أنه سيتم تشكيل "الفيلق الدولي"، وعلى الفور بدأ تدفق مئات "المتطوعين" من أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى حول العالم.

في ذلك الوقت أكد بوتين أن موسكو لن تعتمد على "جنود الاحتياط أو المتطوعين" للقتال في أوكرانيا، مضيفاً أن بلاده حشدت ما يكفي من "الجنود المحترفين" ضمن القوات الروسية "لإنجاز المهمة".

لكن الجمعة 11 مارس/آذار تغيّر الموقف، وقال بوتين موجهاً حديثه لوزير دفاعه شويغو إنه يجب الموافقة على "إعطاء الفرصة للمتطوعين الراغبين في القتال إلى جانب المدافعين عن الحرية في إقليم دونباس"، في إشارة إلى الانفصاليين الذين تدعمهم روسيا في لوغانسك ودونيتسك، ليرد شويغو بأن هناك بالفعل 16 ألف "متطوع" من الشرق الأوسط قد تقدموا بطلبات للتطوع بالفعل.

كانت مصادر مطلعة فضلت عدم الكشف عن هويتها لمراسل وكالة الأناضول، قد أفادت قبل أيام من حديث بوتين بأن "روسيا افتتحت منذ بدء عملياتها العسكرية بأوكرانيا، في 24 فبراير/شباط الماضي، 14 مركزاً في مناطق سيطرة قوات النظام السوري، لجذب مرتزقة بغية إرسالهم إلى أوكرانيا". وذكرت أن المراكز توزعت على محافظات دمشق وحلب وحماة ودير الزور والرقة.

روسيا بوتين العقوبات الأمريكية
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/ رويترز

وبحسب المصدر ذاته، فإن مسلحين من "ميليشيا الدفاع الوطني" التابعة للنظام السوري و"الفيلق الخامس" الذي أسسته روسيا خلال تدخّلها العسكري في سوريا، يشكلون غالبية المرتزقة الذي تم تجنيدهم للقتال في أوكرانيا. واشترطت روسيا التمرس في القتال والقدرة على استخدام الأسلحة الثقيلة وبنادق القنص لقبول طلبات المرتزقة، كما تعهّدت بدفع رواتب شهرية تتراوح بين 300 إلى 600 دولار لكل مرتزق يتم قبوله.

مخزون جاهز من المقاتلين "السوريين"

صحيفة The Washington Post الأمريكية نشرت تقريراً تناول ما تعنيه موافقة بوتين العلنية على جلب مقاتلين متطوعين من الشرق الأوسط، وخاصة سوريا. لكن الأمر الأقل وضوحاً هو مدى الأهمية أو الضخامة أو الفاعلية التي قد تكون لنشر مقاتلين سوريين.

تحدث وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن "أكثر من 16000 طلب" بالفعل من الشرق الأوسط، على الرغم أنه لم يحدد أية دولة. ويقول نشطاء المعارضة السورية إنَّ روسيا بدأت مؤخراً جهود التجنيد في سوريا للعملية العسكرية في أوكرانيا، لكنها قدّرت حجم هذه الجهود حتى الآن بأعداد أقل بكثير.

إذن من هم هؤلاء المتطوعون المحتملون المؤيدون لروسيا؟ أدت الحرب الطويلة والشاقة في سوريا إلى ظهور عدد كبير من الفصائل المسلحة والميليشيات والمرتزقة من جميع أطراف النزاع.

تضم صفوف الجماعات شبه العسكرية الموالية للحكومة في سوريا عشرات الآلاف مما تسمى قوات الدفاع الوطني ومقاتلي الميليشيات المسيحية والمنشقين عن الجيش الماهرين في حرب المدن وحرب العصابات. وتشمل أيضاً وحدات وميليشيات رديفة أخرى مدعومة من روسيا قاتلت إلى جانب الجيش السوري.

وبحسب داني مكي، محلل الشؤون السورية: "إذا لزم الأمر يمكن لروسيا تجنيد أعضاء هذه الجماعات بسرعة للقتال في أوكرانيا".

الإنتربول
رئيس النظام في سوريا بشار الأسد – رويترز

لم تقتصر هذه القوات، التي انضم إليها مقاتلون مدعومون من إيران من العراق ولبنان وأماكن أخرى في المنطقة، على قتال المتمردين السوريين فحسب، بل ساعدت أيضاً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بعد أن اجتاح أجزاء كبيرة من العراق وسوريا في عام 2014.

وانتشر كذلك الآلاف من المرتزقة من شركة المقاولات الخاصة الروسية فاغنر في سوريا. وكتب داني مكي، في تحليل لمعهد الشرق الأوسط، يقول: "نظراً للوضع المؤسف للاقتصاد السوري، لن يكون هناك نقص في الرجال المتمرسين في القتال ممن هم في سن الخدمة العسكرية على استعداد لوضع حياتهم على المحك من أجل قدر ضئيل من المكاسب المادية".

لن تكون هذه هي المرة الأولى التي يُجنّد فيها مقاتلون سوريون للصراعات في الخارج. فقد جندت تركيا، وهي لاعب رئيسي آخر في سوريا، مرتزقة سوريين لتعزيز مقاتليها في حروب أخرى، ومنها أذربيجان وليبيا، حيث لا يزال يوجد الآلاف من المقاتلين الأجانب.

جهود التجنيد الحالية

بدأت الأدلة تظهر حول تجنيد المقاتلين السوريين، لا سيما في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وقال عمر أبو ليلى، الناشط المقيم في أوروبا، الذي يدير شبكة "دير الزور 24″، وهي مرصد لمراقبة الحرب في سوريا، إنَّ حملة التجنيد التي تديرها مجموعة فاغنر استمرت لعدة أيام في محافظة دير الزور الشرقية بالقرب من الحدود مع العراق.

وتابع أبو ليلى أنَّ عشرات الرجال في المحافظة سجلوا حتى الآن. وزعم أنَّ روسيا كانت تعرض على متطوعين من البلاد ما بين 200 دولار و300 دولار للعمل حراس أمن في أوكرانيا لمدة ستة أشهر لكل مرة.

ومع ذلك، يشير بعض المراقبين والنشطاء السوريين إلى أنَّ أي تجنيد جارٍ هو رمزي إلى حد كبير حتى الآن ولا يزال في مراحله الأولى.

ونُشِر يوم الجمعة 11 مارس/آذار، إعلان عن "دور قتالي" في أوكرانيا على مجموعة مغلقة على فيسبوك لجنود الفرقة الرابعة مدرعات، إحدى أكبر المجموعات في الجيش السوري. وعرض الإعلان مقابل مالي قدره 3000 دولار اعتماداً على خبرة مقدم الطلب.

شركات الأمن الخاص في سوريا
شركات الأمن الخاص في سوريا

بدوره، قال أحمد الأحمد، ناشط معارض في شمال غرب سوريا، إنَّ بلدة إثرايا الشمالية التي تسيطر عليها الحكومة شهدت طلب الروس من كبار الضباط في الفيلق الخامس، وهو قوة من الجيش السوري تدعمه روسيا، تجنيد شبان من ذوي الخبرة في القتال في المناطق الحضرية الذين هم على استعداد للذهاب إلى أوكرانيا.

وأوضح أنَّ ما يصل إلى 3000 شخص سجلوا في جنوب سوريا. لكن لم يتسنَّ على الفور لوكالة Associated Press تأكيد هذه التقارير.

ما الذي قد يقدمه المقاتلون المجندون؟

المقاتلون المتمرسون في القتال من ذوي الخبرة في حروب المدن في سوريا ليس لديهم في بعض الحالات الكثير ليخسروه. ومع ذلك، برغم مرور عقد من الزمن على حرب سوريا، فإنَّ المقاتلين هناك ليسوا معروفين بتمتعهم بكفاءة قتالية.

وتساءل الخبراء في الشأن السوري عن فائدة المجندين من الشرق الأوسط في أوكرانيا، حيث لا يتحدثون اللغة ولا يعرفون التضاريس ولا الظروف الجوية القاسية.

ومع ذلك، إذا طالت الحرب وتعثرت القوات الروسية فسيصبح المقاتلون الأجانب خياراً أكثر جاذبية. وقال المحلل مكي إنَّ التقارير التي تتحدث عن قتال سوريين مع روسيا سابقة لأوانها.

وأردف: "مع ذلك، بالنظر إلى الخسائر المتزايدة لموسكو، فإنَّ السوريين يمثلون مرتزقة جذابين ومنخفضي التكلفة في نظر روسيا".

عناصر من جماعة "القطاع الأيمن" القوميين في أوكرانيا والذي تحويلهم إلى ميليشيات مسلحة قوية ضمن "كتيبة المتطوعين"، رويترز

ومن المنتظر أن يتم إرسال المرتزقة إلى أوكرانيا عبر قاعدة "حميميم" الروسية الواقعة غربي سوريا، بعد خضوعهم لتدريب عسكري قصير.

وكان لافتاً أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي قد هاجم ما وصفه بأنه قرار روسي بنشر مرتزقة سوريين، وقال في خطاب وجهه لشعبه في اليوم السادس عشر للتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا إن بلاده تقاتل من أجل حريتها، لافتاً إلى أن الجنود الروس "عاملوا المواطنين الأوكرانيين الناطقين بالروسية معاملة سيئة للغاية".

"رأيتم كيف عامل الجنود الروس شعبنا الناطق بالروسية، تعاملوا بالصواريخ والقنابل والمدافع، الآن المرتزقة السوريون الذين لا يميزون بين من يتحدث أي لغة ومن يرتاد أي كنيسة ومن يؤيد أي حزب، يأتون إلى بلد أجنبي فقط ليَقتلوا"، على حد قول الرئيس الأوكراني.

زيلينسكي نفسه كان قد قال، الأحد 27 فبراير/شباط، إن أوكرانيا ستنشئ فيلقاً "دولياً" أجنبياً للمتطوعين من الخارج، معتبراً أنه "سيكون الدليلَ الرئيسي على دعمكم لبلدنا"، في حديث وجهه إلى مواطني دول العالم الحريصين على "القيم الديمقراطية"، بحسب تعبيره. كما قدمت كييف إغراءات عديدة لجلب "المتطوعين" للقتال في صفها، مثل الوعد بمنح الجنسية الأوكرانية والرواتب المجزية.

الخلاصة هنا أن روسيا وأوكرانيا فتحتا الباب أمام المرتزقة من جميع أنحاء العالم للتوجه إلى الأراضي الأوكرانية والمشاركة في الحرب، لكن مدى تأثير هؤلاء على مسار الحرب لا يزال أمراً غامضاً ستكشفه الأيام والأسابيع القادمة.

تحميل المزيد