2021 وتغير المناخ.. فيضانات أوروبا وحرائق الغابات وعواصف أمريكا وموجات طقس قاتل لم ينجُ منها أحد

عربي بوست
تم النشر: 2021/12/30 الساعة 15:43 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/07/20 الساعة 13:56 بتوقيت غرينتش
هل كانت قمة المناخ في علاسكو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الكوكب/ رويترز

كان 2021 عام الطقس المتطرف وسماه الأمين العام للأمم المتحدة بعام "تغير المناخ"، فالسيول ودرجات الحرارة المرتفعة والفيضانات والعواصف وحرائق الغابات من أستراليا لأوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا لم ينجُ منها أحد.

وبعد أن أصبحت صور الفيضانات والحرائق تتصدر عناوين الصحف حول العالم، سارع خبراء المناخ في الهيئة التابعة للأمم المتحدة بإصدار توقعاتهم الجديدة بشأن مستقبل الكوكب، وهي التوقعات التي مثلت "جرس إنذار للجميع"، بحسب وصف ألوك شارما، الوزير البريطاني، رئيس مؤتمر المناخ الذي استضافته غلاسكو.

وبدأ العام بحرائق الغابات في أستراليا، مروراً بسيل من الكوارث المناخية في أنحاء العالم، من الفيضانات في ألمانيا والصين إلى الحرائق الهائلة في أوروبا وأمريكا الشمالية، مروراً بموجات القيظ في كندا، ورغم ذلك يبدو أن زعماء الدول الصناعية قد فشلوا في الاتفاق على ما يحقق تخفيض الانبعاثات الكربونية قبل فوات الأوان.

ويرصد هذا التقرير أبرز كوارث الطقس المتطرف حول العالم وتكلفتها البشرية والمادية غير المسبوقة.

إعصار آيدا المدمر في الولايات المتحدة

كان إعصار آيدا، الذي ضرب عدداً من الولايات والمدن الأمريكية، في أغسطس/آب الماضي، واحداً من أسوأ 10 كوارث مناخية شهدها العالم في 2021، بحسب تقرير صادر عن منظمة كريستيان إيد، إذ تسبب في مقتل حوالي 95 شخصاً، وقُدرت الخسائر الاقتصادية بنحو 65 مليار دولار، بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC.

ولا تعتبر كل موجة طقس سيئ مرتبطة بالتغير المناخي أو ناتجة عنه فالعواصف والأعاصير والسيول والفيضانات وحرائق الغابات هي ظواهر طبيعية تشهدها الكرة الأرضية بشكل طبيعي، لكن العلماء أصبحوا أكثر قدرة على اكتشاف موجات الطقس المتطرف التي يتسبب فيها أو يزيد من حدتها العامل البشري أو التغير المناخي.

ولاية كنتاكي الأمريكية إعصار
دمار هائل خلفه الإعصار في ولاية كنتاكي الأمريكية/ رويترز

والمقصود بمصطلح التغير المناخي هو التغييرات طويلة المدى في الأحوال الجوية لكوكب الأرض، وتتمثل هذه التغييرات في الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة وهطول الأمطار بغزارة مسببة فيضانات قاتلة، ويحدث هذا التطرف في الطقس بصورة متسارعة وربما في نفس الأماكن، ما يؤدي إلى موجات طقس حار وعواصف، وارتفاع منسوب المياه، والنتيجة باختصار هي نقص الغذاء.

وحتى تكون الصورة الكبرى أقرب لنا جميعاً، فقد ارتفعت درجة حرارة كوكب الأرض نحو 1.2 درجة مئوية منذ بداية الثورة الصناعية وإنشاء المصانع. ويؤدي كل ارتفاع في درجة حرارة الكوكب بجزء واحد من الدرجة المئوية إلى ازدياد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة.

وفي عام 2015، توصلت الدول الكبرى إلى "اتفاقية باريس للمناخ" التي وضعت عتبة 1.5 درجة مئوية بنهاية القرن الجاري (القرن الحادي والعشرين) هدفاً ذا أولوية قصوى للعديد من الناشطين والقادة السياسيين. لكن الظواهر المناخية المتطرفة وارتفاع وتيرتها في السنوات الثلاث الأخيرة جعلت هناك حاجة مُلحة لإعادة النظر في التقديرات المتوقعة في هذا الشأن.

فيضانات أوروبا

كان ثاني أكبر حدث من حيث التكلفة البشرية والمالية هو الفيضانات واسعة النطاق، في ألمانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى في يوليو/تموز. وتغلبت سرعة وكثافة المياه على الدفاعات وقتل 240 شخصاً. وبلغت الأضرار المعلنة نحو 43 مليار دولار.

كانت الصور القادمة من ألمانيا مُروِّعة ومُرعِبة، حيث المنازل والمتاجر والشوارع في المدن والقرى الخلَّابة على طول نهر أهر وغيره من الأنهار، تجرفهم مياه الفيضانات المتدفِّقة.

وكانت الفيضانات قد نتجت عن عاصفةٍ تباطأت إلى أن زحفت فوق أجزاءٍ من أوروبا منتصف يوليو/تموز، وألقت أمطاراً وصل ارتفاعها عن الأرض إلى 6 بوصات على المنطقة القريبة من كولونيا وبون، وكانت هناك فيضاناتٌ أيضاً في بلجيكا وهولندا وسويسرا، لكن أسوأ الفيضانات كانت في ألمانيا.

وارتفع عدد قتلى الفيضانات المدمرة في غرب ألمانيا وبلجيكا قد ارتفع اليوم الأحد إلى نحو 240 قتيلاً بعد فيضان الأنهار وحدوث سيول، ما أدى إلى انهيار منازل وتدمير طرق وخطوط كهرباء، في أسوأ كارثة طبيعية تشهدها ألمانيا منذ ما يربو على نصف قرن.

الفيضانات في أوروبا
حصيلة مرتفعة لضحايا الفيضانات في أوروبا- رويترز

وقالت السلطات الألمانية وقتها إنها أجلت نحو 700 من السكان، بعد انهيار سد في مدينة فاسنبرج قرب كولونيا. وفي بلجيكا، أدت الفيضانات، التي اجتاحت ولايتي راينلاند بالاتينات ونورد راين فستفاليا وشرق بلجيكا، إلى قطع الكهرباء والاتصالات عن مناطق سكنية بأكملها، كما ظلت خدمات الطوارئ في هولندا في حالة تأهب قصوى، إذ هدد فيضان الأنهار البلدات والقرى في جميع أنحاء مقاطعة ليمبورج بجنوب البلاد.

وكانت العاصمة الألمانية نموذجاً مخيفاً للطقس شديد القسوة، حيث سقطت في بعض المناطق ما يعادل شهراً من الأمطار في اليوم الواحد، ولكن في عصر تغيُّر المناخ، أصبحت الظواهر الجوية القاسية أكثر شيوعاً. وأثبت التحليلات، التي أجريت بدقة نظراً لحجم الكارثة، أن تغيُّر المناخ قد جعل تلك العاصفة أكثر احتمالية. قال دونالد ويبلز، أستاذ علوم الغلاف الجوي في جامعة إلينوي الأمريكية: "الإجابة هي نعم، كلُّ الأحوال الجوية السائدة هذه الأيام تتأثَّر بتغيُّر المناخ".

فيضانات السودان والهند

وتسببت الفيضانات في جنوب السودان في نزوح أكثر من 800 ألف شخص، بينما اضطر 200 ألف شخص إلى النزوح هرباً من إعصار تاوكتاي، الذي ضرب الهند وسريلانكا وجزر المالديف في مايو/أيار.

وقالت معدة التقرير الدكتورة كات كرامر من مؤسسة "كريستيان ايد" لبي بي سي: "هذا تأثير بشري هائل". وأضافت: "من الواضح أن فقدان منزلك وسبل عيشك وكل شيء وعدم امتلاك الموارد لإعادة البناء يعد أمراً صعباً للغاية. في حين أنه على الأقل إذا كان لديك تأمين، فلديك بعض الآليات لإعادة بناء ذلك".

ويسلط التقرير الضوء على الحاجة إلى زيادة الجهود للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لتقليل الآثار المستقبلية المرتبطة بالطقس. كما يطالب التقرير الدبلوماسيين العالميين المعنيين بالمناخ بمساعدة الدول الفقيرة التي تعاني من خسائر اقتصادية فادحة.

أضرار كبيرة جراء الفيضانات في السودان – رويترز

ووفقاً لشركة التأمين "Aon"، من المرجح أن يكون عام 2021 هو المرة الرابعة خلال خمس سنوات التي تكلف فيها الكوارث الطبيعية العالمية أكثر من 100 مليار دولار. ويوثق التقرير أيضاً العديد من الأحداث الأخرى التي يصعب التحقق من تأثيرها المالي، لكن التأثير على الناس يكون كبيراً.

حرائق الغابات

كانت أستراليا قد عانت من حرائق غابات مدمرة استمرت نحو خمسة أشهر متواصلة مطلع عام 2020، ثم عانت القارة من فيضانات لم تشهدها منذ عقود خلال مارس/آذار 2021. المنطقة التي شهدت الفيضانات الأسوأ منذ أكثر من نصف قرن، وهي ولاية نورث ساوث ويلز، كانت قد شهدت قبل نحو عام واحد حرائق غابات غير مسبوقة، أتت على بلدات بأكملها، وقتلت مليارات الحيوانات البرية.

وكان التفسير الذي قدّمه مكتب الأرصاد الجوية في أستراليا لموجة الفيضانات هو تجمع ثلاثة أنظمة مناخية معاً، الأول منخفض مداري فوق سواحل كيمبرلي غرب أستراليا، تسبب في انتشار الرطوبة عبر القارة، والثاني رياح مدارية من الساحل الشرقي، وفي أقصى الشرق في بحر تسمان تسببت موجة من الضغط الجوي في تركيز الأمطار في منطقة نورث ساوث ويلز.

وقال وقتها خبير الأرصاد في المكتب الدكتور بلير تريوين للغارديان، إنه رغم عدم اكتمال بيانات حجم الأمطار التي تهطل حتى الآن، فإن هناك معلومتين واضحتين الأولى هي أن سقوط أمطار غزيرة في إحدى المناطق في أستراليا ليس أمراً شاذاً في حد ذاته، إلا أن الشاذ هو هطول الأمطار بتلك الغزارة في مناطق متعددة تغطي مساحة شاسعة من القارة بتلك الصورة التي تحدث حالياً.

حرائق الغابات في تركيا والجزائر هذا الصيف كانت إحدى نتائج التغير المناخي/رويترز

لكن بعض خبراء المناخ يؤمنون أن ما شهدته أستراليا من ظواهر مناخية متطرفة مثل الفيضانات هذا العام وحرائق الغابات العام السابق سببها الرئيسي هو التغير المناخي، الذي لم يعد فرضية علمية يمتلك السياسيون رفاهية تجاهلها، بل أصبح واقعاً وليس قاصراً على أستراليا، بل يشعر به جميع سكان الكوكب.

فعندما كانت أستراليا تصارع ألسنة اللهب التي التهمت الأخضر واليابس في جنوب شرق القارة، منذ سبتمبر/أيلول 2019، وحتى منتصف يناير/كانون الثاني 2020، أعيد نشر تقرير يحذر من تلك الحرائق كانت مجموعة من خبراء المناخ قد قدمته للحكومة قبل اشتعال الحرائق بأكثر من 12 عاماً، ولكن تم تجاهله.

وقال بعض خبراء المناخ إن الفيضانات في أستراليا سببها الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة البشرية الصناعية والتجارية، والتي تعتمد على الوقود الأحفوري، ما زاد من نسبة تلك الانبعاثات بنحو 50% منذ الثورة الصناعية.

الصين وأمريكا أبرز المتهمين

أحد الباحثين البارزين، الدكتور فريدريك أوتو، كان قد غرد في وقت سابق من العام الحالي قائلاً إن كل موجة حر تحدث في العالم الآن "أصبحت أكثر احتمالية وأكثر حدة" بسبب تغير المناخ الذي يسببه الإنسان. وبالنسبة للعواصف والأعاصير، هناك أدلة متزايدة على أن تغير المناخ يؤثر أيضاً على هذه الأحداث.

وفي تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، جاء بخصوص الأعاصير والأعاصير المدارية، قال المؤلفون إن لديهم "ثقة كبيرة" في تكاثر الأدلة على دور البشر في ذلك. وقالت الدراسة إن "نسبة الأعاصير المدارية الشديدة، ومتوسط ذروة سرعات رياح المصاحبة لتلك الأعاصير ستزداد على النطاق العالمي مع زيادة الاحتباس الحراري".

وتعتبر الصين الدولةَ الأولى عالمياً من حيث الانبعاثات الكربونية المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، تليها الولايات المتحدة في المرتبة الثانية. ويمثل البلدانِ معاً نحو 40% من إجمالي التلوث بالكربون الذي يؤدي إلى التغير المناخي وتوابعه الكارثية على الطقس حول العالم، ويليهما الاتحاد الأوروبي ثم الهند وروسيا.

ورغم الوعود المتكررة من جانب بكين وواشنطن، وغيرهما من الدول الكبرى، بالعمل على تخفيض تلك الانبعاثات الكربونية وغيرها مثل غاز الميثان، فإن تلك الدول الصناعية لا تلتزم بتطبيق تلك الوعود في نهاية المطاف، لأسباب متنوعة، أبرزها التنافس الاقتصادي والاعتماد على الوقود الأحفوري من نفط وغاز وفحم أيضاً، إلى جانب التعقيدات السياسية التي يخشاها قادة تلك الدول وأبرزها الصدام مع الشركات الكبرى.

فيضانات ألمانيا أوروبا
عشرات القتلى ومئات المفقودين جراء فيضانات بألمانيا/رويترز

ورغم أن الولايات المتحدة والصين، خلال مؤتمر المناخ في غلاسكو، قد كشفتا النقاب عن اتفاق لزيادة التعاون بينهما؛ لعلاج آثار التغير المناخي، بما يشمل خفض انبعاثات الميثان، والتخلص التدريجي من استهلاك الفحم، وحماية الغابات، فإن خبراء المناخ ما زالوا غير متفائلين باتخاذ واشنطن وبكين الإجراءات المطلوبة في الوقت المناسب.

إذ شهدت محادثات المناخ العالمية في مؤتمر "COP26" في غلاسكو، خلافاً كبيراً بين الدول بشأن قضية تمويل الخسائر والأضرار الناجمة عن الأحداث المتعلقة بالمناخ، وأرادت الدول النامية السيولة، بينما قالت الدول الأكثر ثراءً إنها بحاجة إلى مزيد من المحادثات حول هذه المسألة.

وقالت نوشرات تشودري، مستشارة العدالة المناخية لمنظمة "كريستيان آيد" في بنغلاديش: "على الرغم من أنه كان من الجيد أن نرى قضية الخسائر والأضرار أصبحت قضية رئيسية في مؤتمر COP26، فإنه كان من المحبط أن نغادر بدون صندوق تم إنشاؤه، لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من خسائر دائمة بسبب تغير المناخ". "يجب أن يكون إنشاء هذا الصندوق أولوية عالمية في عام 2022".

تحميل المزيد