زامورا، كرويف، مودريتش، شاكيري، تشاكا.. من أطلق الرصاص على كرة القدم؟

عدد القراءات
515
عربي بوست
تم النشر: 2022/02/26 الساعة 10:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/02/26 الساعة 10:01 بتوقيت غرينتش
اللاعب ألباني الأصل شاكيري محتفلاً بهدفه مشيراً إلى رمز النسر خلال مشاركته في مباراة منتخبه السويسري أمام صربيا بكأس العالم روسيا 2018/ رويترز

متى بدأت النزاعات في إسبانيا؟

ظل الكتَلان طوال الوقت يشعرون بأن لهم فضلاً على إسبانيا، خاصة في فترة الحروب الأهلية، وشعورهم هذا كان متعززاً بامتلاكهم أعظم حارس وقتها، ريكاردو زامورا، الذي بسببه، نشأت جائزة مخصصة لحارس المرمى القادر على أن يخرج بأكبر عدد من الشباك النظيفة في الليجا.

وزامورا كان مقدساً، مقدساً بالمعنى الحرفي للكلمة، قبل حتى انتشار علم التسويق وانتشار أي شيء.

كان الإسبان يستخدمون صوره على قطع الشيكولاتة، والملصقات وأي منتج يريدون له أن ينتشر بين الناس، ومن شدة تقديسهم له ظهر مصطلح "لدينا حارسان: سان بيدرو في الجنة وزامورا على الأرض".

زامورا بصفته حارساً، كان عبقرياً بدرجة لا توصف، خصوصاً حينما نتحدث عن فترة كانت الكرة في مهدها، والتشكيلات الهجومية كانت مكثفة، والأفكار الدفاعية أقل تطوراً، فالحارس كان يوضع في العديد من المواجهات، تثبت براعته من عدمها.

شهرة زامورا فاقت كونه مجرد حارس عظيم، فخلال تنصيب نيكيتو ألكالا زامورا رئيساً للجمهورية الثانية لإسبانيا، ذاع صيت الأمر حتى وصل إلى ستالين، فاستنكره وقال: "من؟ حارس المرمى؟".

مقتنيات ريكاردو زامورا/  Wikimedia Commons

خلال الأيام الأولى من الحرب الأهلية الإسبانية، في يوليو 1936، نشرت صحيفة ABC خبراً يفيد بقتل زامورا على يد الجمهوريين! حاول القوميون استغلال خبر مقتل زامورا كدعاية، لكن مع ذلك كله، كان زامورا حياً، وبأحسن حال، ومع انتشار الشائعات، استطاعت الميليشيات الجمهورية العثور عليه وإيداعه سجن موديلو.

بعد ذلك لم شمله مع جوسيب ساميتير، الذي كان لاعباً موهوباً آنذاك، لبرشلونة وللكتلان، والذي ظهر مع الفريق وهو عمره 17 سنة، وبوصوله لسن 25 كان من قامات الفريق واللاعب الأعلى أجراً في إسبانيا كلها.

كان ساميتير يسكر ويسهر بشدة، بالنسبة للكتلان لم يكن الأمر بالمشكلة الكبيرة، فالمشكلة الأكبر هي تعبيره الدائم عن إعجابه بالجنرال فرانكو.

ومع ذلك، كانت المفاجأة في الميدان، حيث كان ساميتير ثورياً. لقد كان أحد لاعبي خط الوسط الأوائل الذين لعبوا الكرة من الخلف، وتبنى مزيجاً من الدور الكاسح والمحور الذي كان ضرورياً جداً لبيب جوارديولا فيما بعد، بعد زمان طويل.

شكراً لكرويف على قبلة الحياة

في عام 1974 بدأت كتالونيا تنتصر، والسبب كان يوهان كرويف، ولم يكن يعرف يوهان أي شيء سوى كرة القدم، فلذلك، حينما فاز برشلونة في كلاسيكو البيرنابيو بخماسية نظيفة، تحول يوهان إلى رمز للقضية الكتالونية.

وقالت عنه "نيويورك تايمز" وقتها إن يوهان، في الملعب؛ فعل ما لم يفعله سياسيون كتلان عظماء للقضية الكتالونية على امتداد ثلاثة عقود ونصف ماضية.

الأسطورة الهولندية كرويف/ Flickr- Creative Commons licences
الأسطورة الهولندية كرويف/ Flickr- Creative Commons licences

وهذا ما جعل يوهان كرويف بالنسبة لهم أكثر من مجرد كونه لاعباً عظيماً، يوهان كان بالنسبة لهم رمزاً حقيقياً في وجه الحكومة وحتى ريال مدريد منافسهم التقليدي.

لماذا تدخل خير الدين في أمور لا تخصه؟

لم يوافق يورجن كلوب على أخذ خير الدين شاكيري معه إلى صربيا قبل ثلاثة أعوام، ويورجن كان يرى أنهم ذاهبون للعب كرة القدم، كرة القدم فقط.

بالنسبة لخير الدين، لم تكن كرة القدم كرة قدم فقط، بل كانت مساحة للتعبير عن آرائه السياسية والتنديد بالماضي المؤلم الذي عايشه في طفولته.

في جنييلان، وُلد خير الدين، وهي إحدى المناطق المتنازع عليها في الصراع الألباني الصربي في إقليم كوسوفو.

لذا، في كأس العالم 2018 في روسيا؛ كانت فرصته سانحة للانتقام من الصربيين، حتى وإن كانت المناسبة هي مباراة لكرة القدم، وحتى وإن كان الميدان روسياً.

حينما سجل خير الدين هدف الفوز، في الدقيقة الأخيرة، عقد يديه راسماً بهما نسراً، وهذا النسر، هو النسر الألباني على العلم.

كلوب وشاكيري

وليس هناك أسوأ من إدخال مثل هذه الأفكار إلى كرة القدم، بالنسبة لمن يعاديهم، فالأمر أصبح حديث العالم حينها، واستنكرت صربيا ما فعله خير الدين حقاً؛ لأنه أخذ بثأره وثأر عائلته، حتى وإن كانت المناسبة في كرة القدم، وحتى وإن كان الميدان روسياً، كما قلنا.

لهذه الأسباب وأكثر، خشي يورجن كلوب أن يصطحب خير الدين معه إلى بلجراد، لمواجهة النجم الأحمر في دوري أبطال أوروبا موسم 2018/2019.

لماذا حكم رجب تشاكا على ولديه بأن ينفصلا؟

وحينما تُذكر بلجراد، فلابد أن نذكر جرانيت تشاكا، لاعب أرسنال، وزميل خير الدين في المنتخب السويسري، وأحد المهاجرين من ألبانيا.

لو لم تقم الحروب بدورها، كان على الأقل هناك خمسة لاعبين من سويسرا سيقفون في صفوف المنتخب الألباني في يورو 2016.

لكن الأقدار شاءت ألا يحدث ذلك، بل وشاءت أيضاً أن يتواجه الأشقاء، وجهاً لوجه، بألوان ودوافع مختلفة، وإن كانوا من نفس العرق والدم.

فجرانيت وقف مُعادياً شقيقه تولانت، والسبب يعود إلى عام 1986، حينما خرج رجب تشاكا في مظاهرات مناهضة للحكومة في بلجراد؛ ما أدى إلى سجنه في يوغوسلافيا.

رجب، الذي كان عمره 22 عاماً حينها، حُبس في زنزانة رفقة أربعة رجال آخرين، يُسمح لهم بأن يخرجوا منها للهواء الطلق لمدة لا تتجاوز العشرة دقائق على مدار اليوم كله.

ولم يكن رجب يمتلك أية وسيلة للتواصل مع إلماظ، وإلماظ هي الفتاة التي كان يواعدها آنذاك، منذ ثلاثة أشهر إذا أردنا سرد القصة بتفاصيلها الكاملة.

انتظرت إلماظ ما يقارب ثلاث سنوات ونصف، حتى خرج لها رجب، خرج لها من زنزانته، ورآها تنتظره على أحر من الجمر.

وبعد حوالي 20 عاماً، جلست إلماظ في المدرجات الفرنسية عام 2016، مرتدية قميصاً مُقسوماً إلى نصفين، نصف ألباني، ونصف سويسري.

الأخوان تولانت تشاكا وجرانيت تشاكا في كل من منتخبَي ألبانيا وسويسرا، بلقاء المنتخبين في 2016/ رويترز
الأخوان تولانت تشاكا وجرانيت تشاكا في كل من منتخبَي ألبانيا وسويسرا، بلقاء المنتخبين في 2016/ رويترز

النصف الألباني يعود إلى زوجها وابنها الأكبر تولانت، والنصف السويسري يُعبر عن جرانيت، الابن الأصغر.

بجوارها، كان رجب، الرجل الذي، لم يكن يعلم أن احتجاجاته المستمرة، ستقود ابنيها إلى اختيار دولتين لا تتشابهان في أي شيء، ويتقابلان كغريمين، ويُدافعان عن تُراث وبيئات مختلفة.

وسط القنابل وُلد!

بينما كان رجب حبيس زنزانته، وكانت إلماظ تنتظره، كان هناك طفلٌ كرواتيٌّ يولد في رحم الحرب.

في زادار، وُلد لوكا، وفي السادسة من عمره، خسرت أسرته منزلها، ومات جده بالقرب من المنزل، في حرب البلقان، على أيدي القوات الصربية أيضاً.

وبسبب الحرب، وبسبب ما حدث لأسرته ولجده، اضطر لوكا أن يعمل في رعي الأغنام، حيث هناك لافتة مكتوب عليها: "خطر! ألغام!".

يعرفها لوكا جيداً، ويعرفها ماريان بوليات أيضاً، وهو صديق لوكا، صديقه الذي كانا يذهبان معاً إلى التدريبات في صغرهما.

أثناء الذهاب إلى التدريبات، كان لوكا وماريان يغوصان في أصوات الانفجارات والقنابل، ويهربان منها إلى أي ملجأ يمكنه أن يحمي خوفهما منها.

لوكا مودريتش في طفولته/ صورة متداولة عبر مواقع التواصل
لوكا مودريتش في طفولته/ صورة متداولة عبر مواقع التواصل

وماريان قال إن ما وصل إليه مودريتش يستحقه، لأن النجاح في ظروف كتلك هو أمر صعب للغاية، فالحرب بمثل ما تأخذ؛ فإنها تُعطي، ولعل أبرز ما تعطيه للمرء هو: الأمل.

"اليويفا" لن يستطيع التدخل أكثر من ذلك

لقد حاول "اليويفا" معاقبة موسكو على الهجوم الروسي على أوكرانيا، بكل ما أوتيت من قوة، ومنعت الفرق الأوكرانية من الدخول للأراضي الروسية، والعكس بالعكس.

لكنها اعترفت بأن الأمر لن يفلح في بطولة كاملة، يمكنهم فعل ذلك بصدد مباراة، دور إقصائي، لكن إذا حدث، واستطعت روسيا أن تقف في وجه أوكرانيا، أو استطعت أوكرانيا أن تطرق باب روسيا لمواجهة؛ فلن يمنعهما أحد.

وهو ما حدث منذ أسبوعين، في بطولة اليورو الخاصة بكرة الصالات، والتي أقيمت في أمستردام – هولندا.

لقد فهم بيتر شوتورما، قائد المنتخب الأوكراني، أن المواجهة الروسية هي الأصعب على الإطلاق، الأصعب في تاريخ منتخب، وحاول بيتر أن يُنحي الجانب السياسي بقدر الإمكان عن المواجهة، واللعبة بشكل عام.

ومدربه، أوليكساندر كوسينكو، اعترف كذلك بصعوبة المواجهة، وصعوبة إدراكها، وصعوبة السيطرة على المشاعر التي تتحكم في اللاعبين، والأجهزة الفنية، حينما يتعلق الأمر بالسياسة، ويتعلق أكثر بصراع بين دولتين.

أوليسكاندر حصل على الدعم، وعرف من أين يأتي، وعرف أن الغالبية العظمى يتعاطفون مع أوكرانيا على حساب روسيا؛ لأنهم، حسب ما قال، لا يعيشون في جزيرة منعزلة عن العالم، بل يشعرون بكل شاردة وواردة.

ومن الطرف الروسي، كان إيفان شيشكالا يحاول ما استطاع أن يُلطف من نيران الحرب النفسية بين المنتخبين، إذ قال إنهم على تواصل مع لاعبين من المنتخب الأوكراني والأمر يبدو عادياً بالنسبة لهم.

لكن ها هي الحرب أطلت علينا بما لا نحمده.

الاتحاد الأوروبي
فيدور سمولوف لاعب منتخب روسيا يرفض الهجوم على أوكرانيا (رويترز)

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية قصة طويلة، قد تكون رائعة، وقد تكون مملة، والمغزى منها أن الحرب تخطف كل شيء يُقابلها، وتُهدد البشر، طبيبهم وراعيهم، وحتى من لديه أحلامه سيشهد العالم بأكمله عليها.

فكل قنبلة تسقط، يُدفن على إثرها حلم، ويُهجر طفلٌ يريد أن يكون، وكل صراع ينشأ يُهدد بالمقابل أشياء أخرى لا تفهمها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر إبراهيم
كاتب في المجال الرياضي وكرة القدم
كاتب في المجال الرياضي وكرة القدم
تحميل المزيد