كيف غيّر ماكرون عقيدة فرنسا السياسية وأفقدها دورها المحوري في المنطقة العربية؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/11/16 الساعة 13:09 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/11/16 الساعة 13:09 بتوقيت غرينتش
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون/ عربي بوست

تشهد سياسة فرنسا العربية منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإيليزيه عام 2017 نوعاً من الارتباك في المواقف والتراجع في رسم سياسة عربية معمقة في العمق العربي، حيث حاول الرئيس إيمانويل ماكرون أن يعيد تموضع فرنسا في العالم العربي كطرف موثوق به بحكم الإرث التاريخي لفرنسا في العالم العربي، في ظل أوضاع سياسية وجيوسياسية يسودها عدم الاستقرار السياسي والأمني بسبب الصراعات الداخلية والإقليمية. ظناً منه أن فرنسا لا تزال تلك الدولة المحورية التي كانت تلعب دور الوسيط في الأزمات العربية-العربية والحروب الأهلية والقضية الفلسطينية.

علماً بأن عقيدة السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العالم العربي، أو ما يعرف بالفرنسية La politique arabe de la France التي وضع محددّاتها الجنرال شارل ديغول منذ عام 1965، كانت تمنح اهتماماً خاصاً في العلاقات الفرنسية-العربية عبر محاولة طي صفحة الاستعمار الفرنسي للدول المغاربية، وخاصة الجزائر التي كان استقلالها عن فرنسا المستعمرة ضربة موجعة لسمعة فرنسا الدولية والإقليمية والعربية. كان الجنرال شارل ديغول يحاول جعل فرنسا الدولة التي تلعب دور الحياد الإيجابي تجاه القوى الكبرى أيام الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، في حين كانت الدول العربية منقسمة بين الأقطاب.

نهج عقيدة الجنرال ديغول لسياسة فرنسا العربية 

دعت فرنسا في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1967 بين الجيوش العربية (مصر وسوريا) وجيش الاحتلال الإسرائيلي، للانسحاب الكلي لجيش الاحتلال من الأراضي العربية، وأدان الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول إسرائيل لمبادرتها بالهجوم. هذا الموقف الذي كان مخالفاً لمواقف أغلب المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام والرأي العام في فرنسا، وقد كلّف ديغول انتقادات عدّة من بينها اتهامات بمعاداة الساميّة.

ماكرون
الجنرال ديغول

كما واصل كل من الرئيس فاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران من الحزب الاشتراكي غريم الجنرال شارل ديغول نهج العقيدة الديغولية، واستمر في هذا الخط الرئيس جاك شيراك، مؤكداً في خطاب القاهرة عام 1996 موقفه المشرف من المأساة الفلسطينية في زيارته للقدس المحتلة، عندما دخل في مشادة كلامية مع أفراد شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وموقف فرنسا من غزو العراق عام 2003، مؤكداً على هذه العقيدة للسياسة العربية لباريس القائمة على مبدأ التوازن في إدارة سياستها العربية.

عندها عرفت العلاقات الفرنسية-العربية حراكاً دبلوماسياً نشطاً بدأ في تشكيل تحالفات ومحاور أفرزتها متغيرات داخلية وإقليمية كانت نتيجة الانعكاسات السلبية للغزو الأمريكي على العراق، وموجات الثورات الشعبية السلمية العربية من المحيط إلى الخليج، حيث تميّز هذا الحراك الدبلوماسي الفرنسي بالنشاط المباشر في الملفات الشائكة في ليبيا مع الرئيس نيكولا ساركوزي، وسوريا مع الرئيس فرانسوا هولاند التي لم يتمكن كل من الرئيسين ساركوزي وهولاند أن يجدا سياسة تحكمها الواقعية الديغولية والبراغماتية الميترانية بسبب نقص الحنكة السياسية والكاريزما التى كان يتمتع بها كل من الجنرال شارل ديغول والرئيس فرانسوا ميتران على الساحة الإقليمية والدولية.

كما كان لسياسة تدوير الزوايا للدول العظمى وسياسة المحاور التي فرضتها معادلة سياسات القوى الإقليمية الصاعدة في المنطقة، حينئذ دخلت سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون العربية قطيعة مع عقيدة السياسة الفرنسية العربية التقليدية. الرئيس إيمانويل ماكرون اتبع سياسة خارجية يحكمها مبدأ إدارة الصراعات وتسيير الأزمات، وهذا ما حدث مع سياسته في ليبيا وسوريا، وتوترت العلاقات الجزائرية-الفرنسية منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون للحكم في نهاية عام 2019، ومع المغرب وتونس ومع حكومة الوحدة الوطنية بليبيا عندها كانت تتغير أهداف وغايات سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون العربية، وهذا ما جعل سياسته الخارجية عموماً توصف بسياسة خارجية مترددة، أو ما تعرف في الأوساط الإعلامية والفرنسية بـ"Le en même temps" في نفس الوقت، وهي تفسّر عقيدة سياسته المرتبكة؛ ما دفع مؤخراً بعشر سفراء فرنسيين في الدول العربية، رافضين سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون المؤيدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي في حربها على الفلسطينيين في قطاع غزّة.

عقيدة الارتباك.. "وفي الوقت نفسه!" 

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد صرّح من تلّ أبيب، بمساندة فرنسا اللا مشروطة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ودعا إلى تشكيل تحالف إقليمي ودولي لمكافحة حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد عملية طوفان الأقصى في فجر يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول على غرار التحالف الدولي الذي "حارب" داعش في سوريا والعراق. وقد تحول هذا الموقف إلى غاية في الارتباك، عندما نظّم الرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي في العاصمة الفرنسية باريس مؤتمراً إنسانياً، كأن غزّة ضربها إعصار مادلين! وتحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن هدنة إنسانية، ومن ثم العمل على وقف إطلاق النار.

ماكرون
نتنياهو وماكرون / الأناضول

وفي مقابلة مع الإذاعة البريطانية BBC دعا الرئيس الفرنسي لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين في قطاع غزّة.

وتراجع بعد هذا التصريح بعد ساعات في مكالمة هاتفية مع رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أنه لا يحمّل تلّ أبيب المسؤولية عن إيذاء المدنيين عمداً، ويشددّ على دعمه اللا مشروط في حق دولة الاحتلال الإسرائيلي في الدفاع عن نفسها. 

هذا الموقف المرتبك لسياسة فرنسا العربية خصوصاً والدبلوماسية الفرنسية عموماً يجعل الدبلوماسية الفرنسية تدخل في إطار ما يعرف بممارسة دبلوماسية من دون دبلوماسيين، يرسم سياسة البلاد الخارجية الرئيس إيمانويل ماكرون وحده بقرار منفرد أو مع فريق ضيق في قصر الإليزيه، ما جعل الدبلوماسية الفرنسية تفقد مكانتها الإقليمية والدولية. فأصبح المتابع للسياسة الخارجية الفرنسية عموماً والعربية خصوصاً يلاحظ كأن السياسة الخارجية الفرنسية تفتقر لاستراتيجية شاملة مع تعاطيها مع الملفات الساخنة، بسبب انشغال الرئيس إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته السابق جون إيف لودريان المدافع عن المدرسة الأيديولوجية في محدّدات سياسة فرنسا العربية القائمة على الشراكة التجارية مع دول الخليج، والأمنية مع مصر على سبيل المثال.

أمّا الوزيرة الحالية كاثرين كولونا التي لا أحد يعرفها سواء في فرنسا أم في العالم العربي، في حين كانت فرنسا تُعرف بأسماء وزراء خارجيتها على غرار رولان دوما في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، ودومينيك دوفيلبان في عهد الرئيس جاك شيراك، صاحب الخطاب البلاغي الناري الشهير في وجه الإدارة الأمريكية أمام أعضاء مجلس الأمن، والتي كانت تمهّد لشن غزو على العراق عام 2003.

سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون الضبابية 

اليوم سياسة باريس في تعاطيها مع الصراعات العربية-العربية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي باتت ضعيفة بسبب سياسة خارجية الرئيس إيمانويل ماكرون الضبابية المبنية على مبدأ الأيديولوجيا الذي هو مبدأ مرتبك منغلق تسعى رؤيته إلى المصالح الأحادية والمواجهة، بعبارة أخرى عسكرة السياسة الخارجية على النمط الذي سطرته مدرسة المحافظين الجدد في واشنطن، أصحاب مفهوم أن مربط الفرس هو التفكير والتحرُّك بشكل وقائي، هذا ما تطبقه دولة الكيان مع الفلسطينيين منذ ثلاثة عقود، أي منذ اتفاق الاستسلام/أوسلو بين منظمة التحرير ودولة الكيان عام 1993.

على عكس عقيدة استراتيجية الجنرال شارل ديغول وواقعية الرئيس فرانسوا ميتران وبراغماتية الرئيس جاك شيراك في العالم العربي، غيّر الرئيس إيمانويل ماكرون سياسة فرنسا العربية وحوّلها إلى سياسة تقوم على المصلحة الاقتصادية أولاً لا على حساب المصالح الاستراتيجية "المشتركة" مع دول المنطقة، وبالتالي فقدت باريس في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون مكانتها الإقليمية وهيبتها الدولية كطرف موثوق في حل الأزمات العربية-العربية، والقيام بأية وساطة على الأقل لحل هذه الأزمات. حيث سبّب هذا التغيير في سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون العربية تقلّص نفوذها في لبنان وسوريا والعراق، وحتى في اليمن، ناهيك عن المنطقة المغاربية، بل حتى مع دول القرن الإفريقي العربية مثل جيبوتي.

حالياً، سياسة فرنسا في المنطقة العربية جعلها الرئيس الفرنسي تلعب دوراً ثانوياً، الدور نفسه عرفته مدته الأولى، وهذا في غياب رؤية شاملة، وبات تموضع باريس على الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة معقداً يكاد يصبح بلا حدث. باريس هي اليوم أمام أزمة اقتصادية خانقة، وفرنسا تسير نحو مستقبل سياسي مجهول بسبب عدم حصول الرئيس إيمانويل ماكرون على الأغلبية اللازمة في الجمعية الوطنية (الغرفة السفلى) في البرلمان الفرنسي لإدارة شؤون البلاد منذ إعادة انتخابه في ربيع 2022. سوف يرى الرئيس إيمانويل ماكرون في الصراعات العربية-العربية سوى مزيد من المشاكل، وبالتالي هو يحاول اليوم أن يتبع سياسة التعاون الثنائي مع البلدان العربية، خاصة في ظل أزمة الغاز التي أصبح لها تأثير مباشر على القدرة الشرائية للفرنسيين.

معضلة ورقة الغاز

من المرجح أن تصبح ورقة الغاز كمحدّد مهم في سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون العربية لضمان استقرار القدرة الشرائية للفرنسيين من جهة، والبحث عن بديل للغاز الروسي على المدى المتوسط والبعيد، الذي كانت له انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الفرنسي.

سوف يحاول الرئيس إيمانويل ماكرون مرة أخرى الخوض في الملفات الكبرى المعقدة، والتي ليس لديه القدرة الدبلوماسية والمصداقية الكافية على حلها، بل أحياناً كان هو سبباً في تعقيد السلوك والعمل الدبلوماسي للدبلوماسيين الفرنسيين على غرار الملف الفلسطيني.

إن الرئيس الفرنسي هو حليف موثوق لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وداعم لسياستها الاستعمارية والاستيطانية والتمييز العنصري في فلسطين المحتلة، حيث صرّح في مأدبة عشاء المجلس اليهودي الفرنسي والمقرب من أصحاب القرار في فرنسا، في ليلة 24 فبراير/شباط 2022، أنه ينقل السفارة الفرنسية من تلّ أبيب إلى القدس المحتلة، هذا حسب موقع Orient XXI.

بناءً على ما تقدم، يبدو أن الرئيس إيمانويل ماكرون يرى في فرنسا دولة لم تعد ذات قوة استعمارية قديمة ذات نفوذ استراتيجي توسعي في العالم العربي، ولكن يريد أن تلعب فرنسا دور القوة الضاربة في عمق الأمن العربي واستقراره، في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية والأمنية لدول المنطقة وأمن فرنسا القومي، وبالمقابل لم يصبح لفرنسا من المصداقية لدى شعوب المنطقة، ولم يبق من سياسة فرنسا العربية التي سطّر محددّاتها الجنرال شارل ديغول سوى Barbès – Rochechouart (حي شعبي للجالية المغاربية في الدائرة 18 بباريس)، كما وصفها وزير خارجية فرنسا السابق ميشال غوبير في إدارة الرئيس جيسكار ديستان. وأضيف لم يبقَ من سياسة فرنسا العربية سوى معهد العالم العربي بباريس على ضفاف نهر السين.




مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عبدالنور تومي
كاتب وباحث جزائري
صحفي متخصص في شؤون دراسات شمال إفريقيا في مركز دراسات الشرق الأوسط (أورسام). حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة تولوز في فرنسا. له مقالات تنشر في صحيفة ديلي صباح اليومية التي تصدر باللغة الإنجليزية في تركيا. عمل محاضراً في قسم دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في كلية بورتلاند كوميونيتي. وفي الوقت نفسه كان عضواً في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة ولاية بورتلاند.
تحميل المزيد