دي كابريو سافر لقبيلة هندية للانعزال فوجدهم يشاهدون “تايتانيك”.. كيف تمكنت الرأسمالية من البشرية؟

عدد القراءات
3,193
عربي بوست
تم النشر: 2022/06/14 الساعة 09:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/06/14 الساعة 09:49 بتوقيت غرينتش

يؤكد لنا التاريخ كيف أن مختلف القبائل والتجمعات البشرية، الوثنية منها على الخصوص، والتي ظهرت قبل نزول الديانات السماوية الثلاث، وحتى في زمن نزولها وبعده، كانت تؤمن بقوى خفية تمنحها التقديس والإجلال، وعبرت عن تلك القوى برموز نباتية أو حيوانية، وجسدتها في شكل نصب وتماثيل، ومنها من عد نفسه منحدراً من تلك القوى ونتاجاً لها، وقد عرف التجسيد الرمزي لتلك القوى في علم الأنثروبولوجيا والأديان بمصطلح "الطوطم" الذي يؤسس للمقدس والمبجل عند شعب أو قبيلة ما في إطار ما يعرف بـ"الطوطمية" (Totemism)، وتقدم لذلك الطوطم القرابين المختلفة حتى البشرية منها، ويشكل القائمون عليه مصدر التشريع والتعاليم، وبالتالي يمتلكون مقاليد التحكم في الناس وتوجيههم، بصفتهم خدام الطوطم أو خلفاءه، أو الوسطاء بينه وبين البقية والناطقين باسمه.

رغم مرور قرون وتطور الحياة البشرية، سواء في ظل سيادة الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية الإسلامية)، أو في زمن التقدم العلمي والتكنولوجي، فإن فكرة الطوطم ما تزال مستمرة وسائدة، ليس فقط لدى المجتمعات الموصوفة بالبدائية في أستراليا وغابات الأمازون وأدغال أفريقيا، ولدى بعض الطوائف الصغيرة المتفرقة في أوروبا وأمريكا، ولكن على نطاق واسع وعالمي وحتى من دون أن ندري، قد تكون طبيعة وشكل الطوطم خفية وغير محددة وغير مجسدة في قالب مادي نباتي أو حيواني معين، ولكن رمزيته وقدسيته وسلطته موجودة ومؤثرة حتى لدى الكثير من المثقفين والمتعلمين والمتدينين، ناهيك عن العامة من الناس، فطوطم عالم اليوم يتجسد في صور متعددة ومنمقة، وعلى رأسها الاستهلاك أو النزعة الاستهلاكية التي تطورت في سياق الرأسمالية منذ الثورة الصناعية، وأسست لما يعرف بالمجتمع الاستهلاكي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، والذي يعيش ذروته في وقتنا الحالي في خضم العولمة الاستهلاكية التي عمت العالم، ولم تسلم منها ولا بقعة واحدة على هذا العالم، سواء كان هذا الاستهلاك للسلع المادية أو مواد الاستهلاك غير المادية كالأفلام والأغاني وبعض الأفكار وغيرها.

يروي الممثل الأمريكي، ليوناردو ديكابريو، أنه أراد أن يقضي عطلة بعيداً عن الحضارة وتأثيراتها في الدول السياحية المعروفة والمدن العالمية الكبرى، ولذلك سافر إلى الهند وسأل عن أكثر القبائل بدائية فدلوه على قبيلة قديمة في مكان منعزل، فذهب إليها ليقابل زعيمها العاري المغطي لجسده بألوان طبيعية، مما أدهش ديكابريو الذي قال أخيراً في أحضان الطبيعة بعيداً عن زيف الحضارة المعاصرة، ليفاجأ بأحد شباب القبيلة يسأله: "أنت ليوناردو ديكابريو؟"، فأجابه نعم، ثم سأله مرة أخرى "من فيلم تايتانيك؟"، فرد ديكابريو مذهولاً "أجل"، ثم التفت إلى تلفاز ملون صغير وطبق لاقط، وتبين له أن كل القبيلة شاهدت فيلم "تايتانيك"، واندهش كيف وصل فيلمه لقبيلة بكل هذا الانعزال، وأيقن أنه لم يعد هنالك من مكان محافظ على فطرته الطبيعية في ظل التكنولوجيا وثقافة الاستهلاك المنتشرة.

تحول العالم حالياً إلى مركز تجاري كبير ومفتوح تسود فيه السلع والأنماط الاستهلاكية في مدينة إفريقية كما في مانهاتن، وفي ضاحية مدينة لاتينية كما في لندن، وحتى وإن كانت قدرة الاستهلاك تختلف بحسب المكان والاستطاعة، فإن الحلم والرغبة في ذلك هي نفسها، بل قد تكون أكثر لدى المحرومين منها، وهذا هو الهدف الأسمى من الإعلان التجاري، وهو أن تجعل من لا يستطيع الشراء أن يتمنى لو أنه يستطيع ذلك، لتكسب زبوناً مستقبليًّا في حال تحسن حالته المادية، وهذا ما أغرق عالمنا في حمى استهلاك مجنونة، فهي لم تعد مرتبطة بالاحتياجات بل بالنزوات والتطلع لما هو أفضل وأحدث، وهو النمط الذي زرعته الشركات الكبرى في عقول المستهلكين، فلم يعد يكفي أن تمتلك هاتفاً قادراً على أداء مختلف وظائفه باقتدار، بل أن تمتلك واحداً من السلسلة الجديدة وتستغني عن هاتفك وإن كان لا يزال بحال جيدة، والأمر نفسه لشاشات التلفاز والسيارات والأجهزة المختلفة، وحتى بالنسبة للألبسة حيث تنتشر ظاهرة ارتداء اللباس لمرة واحدة ورميه في عدد من الدول الموصوفة بالمتقدمة، حتى وإن كانت ملابس رخيصة الثمن؛ لأن مصدرها مصانع الكادحين والمهضومة حقوقهم في بنغلاديش والصين والهند وغيرها.

يستتبع تلك الشراهة الاستهلاكية في جميع المجالات، استنزاف كبير وغير مسبوق للموارد والثروات الطبيعية، من معادن ومصادر طاقة وثروة نباتية وحيوانية، وهو ما أصاب البيئة في مقتل يهددنا جميعاً بالزوال والحياة الضنك، فمع تزايد الطلب الأعمى وغير المدروس على السلع والخدمات لإشباع النزوات وليس الحاجات، تضررت الطبيعة ومواردها، وازدادت وتيرة التصنيع مع ما تخلفه من انبعاثات مضرة بالبيئة ومسببة للتغيرات المناخية، مدفوعة بالجشع المادي اللامتناهي لأرباب المال والصناعة، المدعومين بترسانة الإعلام وقدرتها الكبيرة على نشر ثقافة استهلاكية رأسمالية جامحة، وتغيير أنماط السلوك والاستهلاك لدى مختلف شعوب العالم، ومحاولة جعلها مواكبة للتفكير والأسلوب الغربي الرأسمالي؛ لأن السبيل للولوج للجيو هو عبر كسب معركة العقول والقلوب، وإن كان ذلك يتعارض مع ثقافات عريقة لمجتمعات عرفت بنمطها الاستهلاكي المعتدل والمتوازن عموماً، فقد جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية النهي عن التبذير والإسراف في الملذات، وأوضح الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام للمسلمين أن يخشوشنوا لأن النعمة أو الحضارة لا تدوم، وأنهم قوم لا يأكلون حتى يجوعوا وإذا أكلوا لا يشبعون، وأن لا يسرفوا في الماء وإن كانوا على نهر جارٍ، وفي الثقافة الآسيوية تسود فكرة الادخار، حتى أن أكبر معدلات الادخار في العالم تسجل في دول من آسيا، وهناك دول أخرى تسود في دياناتها المحلية ثقافة التقشف والابتعاد عن زخرف الحياة ورونقها.

تقف اليوم معتقدات وأنماط الاستهلاك لدى تلك الشعوب والمجتمعات في مواجهة مد جارف للنمط الاستهلاكي الرأسمالي الغربي المعولم، حيث الربح والمال هما الهدف، والاستهلاك هو الطوطم المقدس الذي يبعث على السعادة والراحة ويشكل منطلقاً وهدفاً للحياة، لذلك كانت العديد من الومضات الإشهارية لعلامات تجارية كبرى، توظف في إعلاناتها عبارات من قبيل "الحياة تحياها مرة واحدة فاغتنمها"، أو "السعادة في استهلاك كذا وكذا"، وتوهم الإنسان أن لا قيمة لحياته إن لم يجرب منتجاً معيناً أو يستمتع باستهلاك سلعة ما، سواء كانت مادية أو غير مادية، وهذا ما يؤسس لإنسان الاستهلاك الجامح واللاعقلاني الذي قد يضطر للاستدانة والغرق في الديون لمجرد إشباع نزواته التي أيقظتها العولمة، ومن وراء ذلك ضرر كبير للطبيعة والبيئة وصحة الإنسان وثقافات الشعوب، لمجرد إرضاء الطوطم الجديد لأزمنتنا المعاصرة، الذي يقوم على خدمته كهان المال والأعمال، مستندين إلى سلطة الإعلام والكلمة والصورة لتوجيه أتباعهم الجدد نحو الدرب الذي يرضي الطوطمية الجديدة، حيث لا شيء يعلو على زيف المظاهر وقوة الدفع والشراء بلا حدود.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عبدالقادر دندن
مؤلف وأستاذ جامعي من الجزائر
تحميل المزيد