عفا عنه عمر رغم غدره بالمسلمين وعينه مستشاراً.. من هو قائد كسرى الذي اتهم بقتل الفاروق مع المجوسي؟

عدد القراءات
2,804
عربي بوست
تم النشر: 2022/04/24 الساعة 12:53 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/24 الساعة 12:53 بتوقيت غرينتش
صورة تعبيرية / الشبكات الاجتماعية

يحتلُّ القائد العسكري الفارسي الهرمزان مكانة كُبرى في التاريخ الإسلامي. كيف لا، وهو شاهد حيٌّ على تفوّق متأخر حقّقه العرب على الفرس بعد مئات الأعوام من ارتجاف قادة قبائل العرب لمجرد سماعهم اسم كِسرى.

أعوام اعتبروا فيها الثقافة الفارسية هي المرجع الأبرز للتحضُّر الإنساني، فكان المكّي النضر بن الحارث يُخاطب قومه قائلاً: "هلمّوا أحدّثكم بأخبار رستم واسفنديار والأكاسرة"، واعتبروا أن المجوسية الفارسية هي الدين الحقُّ فانتشرت عبادة النار في أصقاع الجزيرة ولم تبطل إلا مع ذيوع أمر الإسلام.

قلَب الإسلام ذلك التفوّق الفارسي الساحق، وما إن شدّت دولته عُودها حتى بدأت مناوشات عسكرية مع جيوش الأكاسرة، بعضها وقعت في أواخر عهد الرسول، وفي عهد أبي بكر جَرَتْ حروب -بالوكالة في بداية الأمر- بين الطرفين، بعدما دعّم الفرس حركات التمرّد ضد الخلافة في عددٍ من بقاع الجزيرة أنهاها أبو بكر سريعاً، وبعدها اخترقت جيوش المسلمين أراضي تابعة للفُرس لأول مرة.

انتزع خالد بن الوليد ثم سعد بن أبي وقاص، العراق من أيدي الفرس، ثم تطوّر الهجوم الإسلامي ليشمل التراب الفارسي ذاته، وهي الهجمات التي لم تنتهِ إلا بالقضاء على الإمبراطورية الساسانية وتحويل فارس إلى ولاية إسلامية يُقاد قادتها العسكريون أسرى إلى المدينة بعدما كان زعماء العرب يتكالبون على نيل رضاهم قديماً ويقفون طوابير أمام إيوانهم طلباً للحاجة.

الهرمزان أسيراً لدينا

من هُنا يُمكن فهم حالة الاحتفاء التي قدّمتها المرويّات الإسلامية لعملية أسر القائد الهرمزان ثم نقله إلى المدينة المنوّرة حيث جرى استخدامه كوسيلة للتفريق بين فلسفتي العرب والفرس، والحُكم من خلال لقائه الشهير بالخليفة الفاروق عمر بن الخطاب الذي وجده نائماً متجرداً من الحُلل الفاخرة وهو ما يتناقض بشدة مع ما شاهَده الهرمزان نفسه في بلاط كسرى الأسطوري من فخامة لا تزال مضرب الأمثال حتى اليوم.

عكس ما كان متوقّعاً، عفا عمر بن الخطاب عن الهرمزان وأبقاه بجواره في المدينة، بل بعض المرويات تحدّثت عن تعيين الخليفة له مستشاراً في الشؤون الفارسية، وظلَّ الهرمزان بالمدينة حتى قُتل عُمر فقتله عبيد الله بن عُمر -بالشُّبهة- بعدما أخبره عبد الرحمن بن أبي بكر بأنه رأَى الخنجر الذي طعن به أبو لؤلؤة المجوسي عُمر مع الهرمزان في ليلة سابقة.  

تسبّبت هذه الواقعة في جدٍل كبير ببداية خلافة عثمان بن عفان؛ هل يُقتل عبيد الله ودم أبيه لم يبرد بعد؟ أم يُظهر عثمان جَلَداً يُعينه على تنفيذ الحدود ولو على ابن أعظم خلفاء دولة الرسول؟

انحاز عثمان إلى الاختيار الأول، فيما فضّل عليّ بن أبي طالب الاختيار الثاني، لذا ما إن تولّى علي الحُكم بعد وفاة عثمان حتى هرب عبيد الله إلى الشام والتحق بجيش معاوية ومات دفاعاً عنه في معركة صفين.

 الهُرمزان: قائد الفرس المُحنّك

في التاريخ الفارسي، امتلك الهرمزان مكانةً كبرى بعدما قُدِّم باعتباره أحد العسكريين المنحدرين من الطبقة الأرستقراطية الإيرانية، التي لعبت دوراً كبيراً في تثبيت عرش كسرى خلال مرحلة ما قبل الإسلام.

يقول إيهاتسيك الباحث الهندي بالتاريخ الإسلامي، في أطروحته "إخضاع المسلمين لبلاد فارس"، إن سلالة الهرمزان المرموقة كانت من ضمن أكبر سبع عائلات في الإمبراطورية الفارسية بأسرها.

ويضيف الكاتب والمؤرّخ الأمريكي واشنطن ايرفينغ "Washington Irving"، أن عائلة الهرمزان سبق أن اعتلت عرش فارس من قبل، لذا نظر الأكاسرة إليهم دائماً باحترام وخشية؛ من فرط نفوذهم وقوة شوكتهم في الضِّياع الفارسية.

كفل هذا المجد أن تحكم عائلة الهرمزان مقاطعة خوزستان الضخمة المكوّنة من 70 مدينة، وتحظى باستقلالٍ نسبي عن كسرى، الذي منحهم صلاحيات أكبر في الإدارة المحلية دون الرجوع إليه في كل كبيرة وصغيرة.

وللدلالة على مدى المكانة المرموقة لأسرة الهرمزان، أن تيجانهم كانت تشبه كثيراً التيجان التي كانت تُصنع لكسرى، الاختلاف الوحيد أنها كانت تقلّ عنها في الحجم قليلاً.

في شبابه، شارك الهرمزان في معركة ذي قار عام 609م، والتي تلقّى فيها الساسانيون هزيمة مُذلة ونادرة على أيدي قبيلة بني بكر العربية.

وبعدما اكتسب مزيداً من الخبرة شغل منصب حاكم خوزستان "Khuzestan"، إحدى المحافظات الـ31 التي تُشكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية حالياً، وهي مسقط رأس أسرة الهرمزان، وترعرع فيها حتى امتلك نواصي أمورها مثله مثل باقي أفراد عائلته.

كما كان الهرمزان أحد أكبر أقطاب الجيش الفارسي خلال معركة القادسية، التي تعرض فيها الساسانيون لهزيمة تاريخية. وعقب الهزيمة عاد من جديد إلى خوزستان، حيث قاد جهود منع المسلمين من الاستيلاء على ما تبقى من بلاد فارس، وشنَّ الغارات على جيوش المسلمين، لكنه حقّق فشلاً تلو آخر.

وعزا إيرفينغ سبب الهزائم المتتالية التي تلقّاها الهرمزان أمام جيوش المسلمين إلى خلافه مع قادة المقاطعات الفارسية المجاورة له، ما منعهم من التعاون معاً ضد الجيوش الإسلامية، وهو ما أثبتته رسالة شديدة النقد وجّهها يزدجرد الثالث، آخر أكاسرة الساسانيين، إلى الهرمزان وبقية قادة المقاطعات.

حصار شوشتار

ازداد موقف الفُرس سوءاً إزاء تلقّيهم الهزيمة تلو الأخرى، فلم يجد الهرمزان بدّاً من الانسحاب إلى قلعة "شوشتر-Shushtar" الحصينة، التي تُحيط بها الأنهار، لعلّه يتمكّن من الصمود أمام العرب أو على الأقل يستسلم بشروط تحفظ له كرامته وحياته.

وفي الوقت ذاته علِم المسلمون أن أمرهم لن يترسّخ على تلك البلاد إلا بقطع شأفة الهرمزان للأبد، ففرضوا حصاراً على قلعته عام 642م. حينها كانت شوشتر مشهورة بجسورها الهيدروليكية التي تُنظم تدفُّق مياه النهر، والتي استعان الإمبراطور الساساني شابور الأول بمهندسين رومان لإتمام بنائها، وفور مشاهدة العرب لهذه الإنشاءات حتى اعتبروا السدود واحدة من "عجائب الدنيا".

لم يُثن هذا الانبهار المسلمين عن اقتحام القلعة وأسر الهرمزان ليتلقى القائد الفارسي هزيمة جديدة وأخيرة، فهذه المرَّة تقرّر إخراجه من فارس بأَسرها، حيث سيبقى في مستقرّه الأخير بعاصمة الخلافة؛ المدينة المنوّرة، التي عاش فيها حتى مات. لتنتهي سيرته كقائد فارسي مُظفّر أخلص لعرش كسرى أغلب فترات حياته، وعاش ما تبقّى من عُمره في الظل داخل عاصمة المسلمين حتى مات بدمِ عُمر الذي حفَظ له حياته سابقاً.

مصادر إضافية

بلاد فارس القديمة، جهانجير بارجورجي، ص 579

مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، فرع بومباي، المجلد 1875، ص 154

حوليات الخلافة المبكرة، المستشرق الهندي وليام موير، ص 15

تاريخ بلاد فارس، الدبلوماسي والمؤرخ الإنجليزي بيرسي سايكس، ص 568

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد متاريك
باحث في التاريخ وعلوم اللغة
باحث في التاريخ وعلوم اللغة، صحفي مصري، عمل محرراً في عدد من دور النشر.
تحميل المزيد