نصائح غالية للنخبة التونسية.. كيف تصبح طاغية؟!

عربي بوست
تم النشر: 2022/04/01 الساعة 14:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/01 الساعة 14:27 بتوقيت غرينتش
الرئيس التونسي قيس سعيّد (الرئاسة التونسية)

"عندما تنظر إلى التاريخ البشري تجد أن الحرية ليست هي القاعدة: نحن نحب أن نُحكم".

  • أندري سوليفان، مؤرخ ومحلل سياسي

إن الأزمات العظيمة والحادة التي تمر بها الشعوب تدفعها للبحث عن منقذ، عن ذلك الشخص الذي يتجلى لها فجأة في خِضم تلك الأحداث الأليمة ليقول لها: أنا وحدي أستطيع إصلاح كل شيء. شخص يمتلك ثقة كبرى في القدرة على إحداث التغيير، ثقة في أنه المحرر المنتظر بل ثقة في كونه لا يمتلك القدرة على أن ينقذ شعبه فقط؛ بل في امتلاكه القدرة على إنقاذ العالم وتحويله لعالم أفضل.

وأنت تتابع ما ينشر يومياً في مواقع التواصل الاجتماعي وفي صفحات الصحف والمواقع الإخبارية من مقالات، وأنت تشاهد ما يقال يومياً وعلى مدار الساعة في تونس تلاحظ أن الكل يقدم نفسه على أنه ذلك المنقذ الذي ينتظره الشعب ولكن يبدو أنهم ضلوا الطريق ولم يدركوه بعد؛ لذلك تيسيراً على هؤلاء الذين يعدون أنفسهم الأقدر والأجدر على القيام بمهمة الإنقاذ ويتهمون غيرهم بالعجز ومحدودية التفكير والقدرة. ولأنهم جميعاً يمتلكون إحساساً بالعظمة تحول لنرجسية جعلتهم يؤمنون أشد الإيمان أنهم مركز الكون وأن كل شيء يجب أن يحدث في تونس طبقاً لإرادتهم. أقدم لهم هذه النصائح إجابة عن سؤال يخامرهم جميعاً ألا وهو: كيف أصبح طاغية؟ (في النهاية لا يمكن أن يكونوا إلا مشاريع طغاة).

وهذا السؤال ينتج عنه سؤال آخر طرحه ميكيافيلي سلفاً وهو: هل من الأفضل أن يخاف الشعب من الحاكم أم يحبه؟ ولعلنا نسبق الإجابة عن السؤال الأول بالإجابة عن الثاني بإجابة مكيافيلي نفسها: إن الشعب يحكم من خلال الإرهاب.

إن أولى النصائح لمشروع طاغية يريد أن يقود الشعب باقتدار؛ هي أن يستغل الغضب العارم للشعب في وضع الأزمة الخانقة وأن يشاركهم ذلك الغضب وأن يكون واحداً منهم فيجوع بجوعهم ويضحك لضحكهم ويحزن لحزنهم وأن يركز على الشباب خاصةً فيلقنهم مشروعه للإنقاذ ويحوله لديهم لرؤية مقدسة لا يأتيها الباطل من أي جهة كانت.

ذلك أن الشباب هو وقود الثورة القادمة ودونه لا يمكن لأي تغيير ثوري أن ينجح. لذلك وجب أن يكون لك وسم خاص في اللباس (الابتعاد عن البهرج فيه واختيار ما يرتديه عامة الناس كأن يلبس لباس شبيه بما يرتديه العمال مثلاً) والحركة (شعار الحركة يجب أن يستجيب لرغبات الشعب) والرمز (اختيار رمز بسيط غير معقد حتى يسهل حمله من الكل ومن المستحسن أن يكون مستوحى من الماضي).

وعليك أن تقنع الشباب ومن خلفه بقية الشعب أن الوسم ليس امتثالاً بل تعبيراً عن الوحدة، وحدة المجموعة التي تبحث عن الإنقاذ وأنه تعبير عن الرغبة في تحقيق ذلك التغيير المنشود.

إنه بداية تشكيل الجماعة الخاصة؛ ذلك أنه لا يمكن لأي شخص أن يحكم وحده. فمن هؤلاء ستختار من يمتلكون المهارات المختلفة التي أنت بحاجة إليها لإدارة الدولة المنشودة بعد تحقيق الإنقاذ المطلوب، وعليك أن تختار أكثرهم إخلاصاً لشخصك وتذكر أن هتلر ما كان له أن ينجح لولا إخلاص بول جوزاف جوبلز. 

ولأنك تبشر بمجتمع جديد؛ فإنك مطالب في هذه المرحلة بإخفاء وحشيتك التي إن ظهرت قد تكون عائقاً أمام تحقيق هدفك في الوصول للسلطة. ففي هذه المرحلة استغل الغضب وكن واحداً من الشعب واختر جماعتك المخلصة ومعهم افتعل مزيداً من الأزمات وانتظر التوقيت المناسب للهجوم؛ لأن سوء اختيار الوقت قد يؤدي للفشل، ولا تنسَ أن محاولة هتلر الأولى كادت تفشل مشروعه كاملاً.

إن النصيحة الأولى ستحقق لك الاستيلاء على الحكم وتمكنك من قوة مطلقة بفضل الدعم الكلي للشعب الذي ستصبح في نظره بفضل الدعاية الموجهة والذكية (اعتمد على كلاب حراسة النظام السابق فهم بلا مبادئ ومع من في السلطة وسيقنعون العامة أنه من اليسير تحويل الحجر بين يديك إلى ذهب) الزعيم المنقذ والمرشد الملهم وسيرفعونك إلى درجة الصالحين ويعدونك مبعوث العناية الإلهية.

إن الاستيلاء على الحكم ليس كافياً ذلك أن الطامعين فيه كثر، وربما يوجدون حتى فيمن قاموا معك بالثورة، ولذلك وجب التحول للنصيحة الثانية وهي كيف تحافظ على هذه السلطة المطلقة؟ أول ما تقوم به بعد السيطرة الكاملة على الحكم هو تأميم ثروات أعداء الشعب وهم كل من يملك الثروات الطبيعية ويسيطر على توزيعها من النافذين في الداخل أو الشركات العابرة للقارات فذلك سيزيد من شعبيتك خاصة (تصبح رمزاً لمقاومة العولمة والاستعمار الجديد وهيمنة الرأسمالية المتوحشة) أن الهدف المعلن مشاركة الشعب في تلك الثروة التي ستعود كلها للدولة التي في النهاية ستصبح أنت. فمشاركة الثروة مع الشعب أمر مهم لديمومة الحكم ولكن هذه المشاركة ستشرف عليها أنت؛ لأنك من يثق فيه الشعب بوصفه منقذاً وستحقق ذلك عبر وضع أتباعك في مؤسسات الدولة التي تشرف على التصرف في الثروة الطبيعية وفي التجارة الداخلية والخارجية أيضاً.

عليك أن تُحكم السيطرة والتحكم في كامل الثروة فهذا أمر مهم لدوام السلطة المطلقة. ولكن إياك أن تبعد الشعب عن نصيبه منها مهما كان ذلك النصيب؛ لأن الشعب حين يشبع لن يفكر في الانقلاب عمن يحكم. ولا تنسَط أن الجزء الذي ستخصصه للأتباع والجشعين من النخب الإعلامية والثقافية سيضمن لك هيمنة ثقافة الاستهلاك على الشعب. في هذه اللحظة لن يهتم الشعب إلا بما يحققه من مكاسب مادية (تصبح السيارة والمنزل والزوجة الجميلة والسفر للخارج والملاهي أهم من الحرية) ولن يهتم كثيراً بما ستقوم به لاحقاً من تثبيت للسلطة عبر التخلص من الأعداء والموالين الطامعين في السلطة. فكلما أغرقت الشعب في الرفاه المادي أبعد عنك خطر الثورة، واحذر أن يقوم أتباعك بالمس من مجال الشعب؛ فذلك سيؤدي للثورة ولا تنسَ ما حدث لزين العابدين بن علي وجماعته حين احتكوا بمجال الشعب في الثروة (حاولوا السيطرة على التجارة الموازية).

الآن بعد أن حيدت الشعب ورميت العظام لكلاب الحراسة، فإن الخطر لا يزال موجوداً خاصةً أنك في البداية حكمت طبقاً للدستور؛ ولذلك وجب القيام بحدث إرهابي يمس من شخصك بوصفك رمزاً للأمة مما يبرر لك تعطيل الدستور وإعلان قانون الطوارئ الذي سيمكنك من التخلص من كافة الأعداء في الداخل والخارج. ذلك أن مرحلة الحكم بالحب قد حققت أهدافها ومرحلة تثبيت الحكم وتحقيق أهداف الثورة تتطلب الحكم من خلال الإرهاب. إرهاب أعداء الشعب طبعاً ففي النهاية أنت لست إلا خادماً للشعب وستبقى دوماً كذلك، ولأنك خادم للشعب فمن واجبك ترهيب أعدائه. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون في كل مكان.

 ولا يتحقق ذلك إلا عبر جهاز أمن سري قوي وفاعل يستعين بالمخبرين ويبث الرعب بالإشاعات حول ما ينتظر الجميع لو وقعوا في يده من تنكيل إذا ما هددوا مصالح الشعب طبعاً (مصالح الشعب هي مصالحك الخاصة في النهاية فهناك تماهٍ بينك وبين الشعب فأنت الشعب والشعب أنت). احذر أن تستعين بالجيش، فإن ذلك يفتح له شهية الانقلابات ولا تنسَ أن زين العابدين بن علي وطد حكمه بضرب المؤسسة العسكرية ودعم المؤسسة الأمنية. فمن الغباء أن يستعين المدني في طريقه للطغيان بالجيش.

فباستخدام الألم (التعذيب) تتخلص من الأعداء ومن كل مَن تسول له نفسه المساس بمصلحة الشعب. ويجب أن يشتغل هذا الجهاز طبقاً للقانون الذي ستضعه بنفسك في غياب الدستور المعطل. وعليك أن تكون مستعداً للتضحية بأقرب الموالين لك حفاظاً على مصالح الشعب وردعاً للمعارضين في الداخل والخارج حتى يدركوا أنك من أجل مصلحة الشعب ستضحي حتى بأقرب الناس إليك ولا تنسَ أن قيصر ساهم في قتله أقرب الناس إليه؛ ومنهم مَن كان يعده ابنه (بروتوس) ولا تنس أيضاً أن السلطان سليمان القانوني قتل ابنه حين شك في وفائه. فتعميم الخوف والقضاء على الثقة بين المواطنين أمر مهم لضمان السلطة المطلقة.

أخيراً بعد أن تم تثبيت السلطة تبدأ المرحلة الأخيرة وهي مرحلة بناء مجتمع جديد وصنع إرثك الخاص ولتحقيق ذلك فعليك إعادة كتابة التاريخ، فالتحكم في الماضي يُمكِّنك من التحكم في المستقبل. وليبدأ التاريخ من لحظة ظهورك فيه ولتنظر الأجيال القادمة للتاريخ البائد أنه كان سلبياً وأنه كان محكوماً باستغلال كل فئات الشعب، وخاصةً المرأة التي يجب أن توضع في مكانة خاصة، وأن تصبح الأكثر حرصاً على بقاء النظام الجديد حتى لا تهدد مكاسبها التي تحققت بفضله وألا تسمح للماضويين بالعودة وتهديد حياتها الجديدة. وعليك إعادة تشكيل عقول الأجيال القادمة بإصلاح التربية والتعليم حسب مشروعك الخاص، وأن تستعين في تجميل ذلك بكبار المثقفين في الداخل والخارج.

ذلك أن في الخارج من المثقفين والفنانين والكتاب والصحفيين من هو مستعد لأخذ الثمن المناسب فادفعه له وهكذا تصبح رمزاً عالمياً للتغيير ويصبح طغيانك ديمقراطية خالدة؛ بل ينظر إليها أنها الديمقراطية الوحيدة في محيط مستبد وستسند لك مئات الجوائز وشهادات الدكتوراه الشرفية (لا تنسَ نصيب زوجتك من ذلك فهي أم الأمة وسيدتها الأولى وبذلك ترضى النساء)، ويصبح كلاب حراستك الجدد مثقفين عالميين تكرمهم الدول الغربية من أجل مصالحها التي لا تنسى ضمانها طبعاً وتكرمهم أيضاً الأنظمة الشبيهة. ولا تنسَ في الأخير أن تحارب الدين وتفسد العلم. بحيث لا يكون إله غيرك ولا عالم سوى كلاب حراستك.

تلك هي النصائح للنخب التونسية التي تتبارز اليوم في كل الفضاءات من أجل إثبات فكرها الذي يقوم على الخلاف والإقصاء وتنعدم فيه كل روح ديمقراطية؛ وهو الفكر الذي أوصل البلاد للأزمة التي تعيشها على كل المستويات: السياسية والصحية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية. إنها نخبة عاجزة عن تقديم حلول ولذلك تستثمر في تعميق الأزمات على حساب مصلحة الشعب الذي وثق بها ذات شتاء في 2019 ليكتشف أنها ليست على مستوى الأمانة، وأنهم في النهاية مشاريع طغاة.

لكن حتى في تحقيق الطغيان فاشلون؛ لأنهم بلا مشاريع ورؤى ولن يدوم حكم أي طاغية منهم إلا بضعة شهور. عليهم أن يدركوا أنه فاتهم قطار الطغيان كما فاتهم قطار بناء دولة ديمقراطية دائمة بأيديهم ولا ينتظر الشعب إلا انتخابات جديدة (الشعب مُصرٌّ على حريته وعدم الانجرار لحرب أهلية يسعون هم ومن خلفهم إليها بكل الطرق) حتى يتحرر منهم جميعاً، ذلك أنه يعلم أن كلفة أي ثورة جديدة ستكون على حسابه وقد تسمح لمغامر تافه أن يملك الرقاب دون مشروع؛ فيزيد المعاناة معاناةً مضاعفة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

الصحبي الماجري
أستاذ فلسفة ومدوّن تونسي
أستاذ فلسفة ومدوّن تونسي

قيس سعيّد يحل البرلمان استناداً إلى الفصل 72 من الدستور، فما هو مستقبل البلاد بعد هذه الخطوة؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/03/31 الساعة 12:44 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/02 الساعة 11:06 بتوقيت غرينتش
الرئيس التونسي قيس سعيّد (صفحة الرئاسة التونسية فيسبوك)

ألقى قرار الرئيس التونسي قيس سعيد بحل البرلمان وملاحقة نوابه قضائياً مزيداً من الضبابية والتوتر على المشهد المتأزم بالفعل في تونس، فماذا يقول الفصل 72 من الدستور، وإلى أين تتجه الأوضاع في تونس؟

كان نحو 124 من إجمالي 217 عضواً في البرلمان التونسي قد حضروا جلسة افتراضية هي الأولى للبرلمان، منذ 25 يوليو/تموز 2021، عندما أصدر قيس سعيد قراراته الاستثنائية التي انفرد من خلالها بالسلطة، بعد أن جمّد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً وأقال الحكومة.

ما سمّاها الرئيس إجراءات استثنائية، استناداً إلى الفصل 80 من الدستور، وصفها معارضوه وأغلب الأحزاب السياسية بأنها انقلاب، لكن سعيد قام بتمديد إجراءاته بشأن تعليق عمل البرلمان وتجميد العمل بالدستور إلى أجل غير مسمى.

جلسة البرلمان المجمد شهدت التصويت لصالح إلغاء المراسيم الرئاسية التي تمنح سعيد صلاحيات شبه مطلقة، لكن الرئيس اعتبرها تحدياً لسلطاته، وأصدر مرسوماً بحل البرلمان، مستنداً إلى المادة 72 من الدستور، ووصف اجتماع البرلمان بأنه "تآمر على الدولة"، وأمر بإجراء تحقيقات بشأن النواب.

ماذا يقول الفصل 72 من دستور تونس؟

ينصّ الفصل 72 من دستور 2014 على أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور". واستناداً إلى هذا النص برَّر سعيد قرار حل البرلمان، بعد أن وصف جلسة الأربعاء بأنها "محاولة انقلابية".

يقول سعيد، أستاذ القانون الدستوري السابق، إن أفعاله دستورية وضرورية لإنقاذ تونس من سنوات الشلل السياسي والركود الاقتصادي الذي تسببت فيه نخبة فاسدة تخدم مصالحها الخاصة. ويقول إنه سيشكل لجنة لإعادة صياغة دستور سيتم طرحه للاستفتاء، في يوليو/تموز، ثم سيجري انتخابات برلمانية، في ديسمبر/كانون الأول.

لكن الدستور التونسي، الذي يقول سعيد إنه ملتزم بفصوله، ينص على أن البرلمان يجب أن يظل منعقداً خلال أي فترة استثنائية من النوع الذي أعلنه سعيد، الصيف الماضي، وأن حل المجلس يجب أن يؤدي إلى انتخابات جديدة.

تونس
البرلمان التونسي – صورة أرشيفية – رويترز

أستاذ القانون العام الصغير الزكراوي، أحد المؤيدين لقرارات قيس سعيد، قال لإذاعة شمس التونسية، إن "قرار حل البرلمان لا يمكن تأسيسه على الدستور.. هذا القرار صائب لعدة اعتبارات سياسية واجتماعية، ولكن الدستور لا يُبرره، لأن الفصل 72 من الدستور تم تعليقه ضمن بقية أحكام الدستور، حيث تم الإبقاء فقط على الباب الأول والثاني".

لكن سعيد لم يكتفِ بقرار حل البرلمان، بل أمر بإجراء تحقيقات بشأن النواب، وقالت وزيرة العدل إنها طلبت من وكيل الدولة بمحكمة الاستئناف فتح تحقيق ضد نواب البرلمان المعلق، بتهمة التآمر على أمن الدولة، وتكوين وفاق إجرامي بعد عقدهم الجلسة.

ماذا يقول نواب البرلمان التونسي؟

قال نائب رئيس البرلمان طارق الفتيتي إن 116 عضواً صوّتوا ضد "الإجراءات الاستثنائية" التي لجأ إليها سعيد، منذ يوليو/تموز، لإلغاء دستور 2014 الديمقراطي، بحسب رويترز.

بينما قالت يمينة الزغلامي، وهي عضو في البرلمان المجمد من حركة النهضة الإسلامية المعتدلة، "لسنا خائفين من الدفاع عن مؤسسة شرعية". وأضافت "لم يسحب الناس ثقتهم منا، الرئيس أغلق البرلمان بدبابة".

المجلس الأعلى للقضاء في تونس
أعضاء المجلس الأعلى للقضاء مع الرئيس التونسي (الرئاسة التونسية في فيسبوك)

وبالتالي فإنه من شأن أي تحرك لاعتقال أعضاء البرلمان الذين شاركوا في جلسة الأربعاء أن يمثل تصعيداً كبيراً في المواجهة بين سعيد وخصومه. ويقول خصوم سعيد إنه قام بانقلاب عندما علق عمل البرلمان، الصيف الماضي، ونحّى جانباً معظم دستور 2014، وانتقل إلى حكم البلاد عبر مراسيم.

الخلاصة هنا أن جلسة البرلمان ورد سعيد قد أديا إلى سكب مزيد من الوقود على الأزمة السياسية المشتعلة بالفعل في تونس، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان هذا سيؤدي إلى تغيير فوري في سيطرة سعيد على مقاليد السلطة.

ردود الأفعال على التطورات الخطيرة

حزب "العمال التونسي"، من جانبه، اعتبر أن حل مجلس نواب الشعب من قبل الرئيس قيس سعيد خطوة ستغرق البلاد في طور جديد من النزاع على السلطة، بحسب تقرير لوكالة الأناضول.

جاء ذلك في بيان للحزب عقب إعلان سعيد حل البرلمان (المجمد)، جاء فيه أن "سعيد أغرق البلاد في المجهول، وعمّق تبعيتها، ودفع بها بخطى أسرع نحو الإفلاس، كما دفع بالشعب نحو مزيد من البؤس منذ إعلانه الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/تموز الماضي".

كما انتقد الحزب في بيانه عقد جلسة افتراضية للبرلمان المجمد اليوم، معتبراً أن ذلك بمثابة "دخول في طور جديد من النزاع مع قيس سعيد". وأضاف أن ما حدث اليوم "مرشح ليكون أخطر من سابقه، وقد يؤدي إلى انقسامات مريعة، وربما إلى احتراب داخلي تغذّيه قوى خارجية تقف وراء مختلف الأطراف المتنازعة منذ مدة غير قصيرة".

اعتداءات من الأمن التونسي على المحتجين/الأناضول

وشدّد الحزب على أن "هذا الصراع لا مصلحة للشعب فيه، لأنه صراع على حساب مصالحه الأساسية، وسيُستعمل فيه حطباً، ويدفع في النهاية الثمن باهظاً".

وحمّل الحزب "منظومة الحكم بأسرها المسؤولية"، معتبراً أنها "أدارت ظهرها لثورة الشعب ومطالبه الأساسية".

الثقة المتزايدة للبرلمان وعقد الجلسة يعكس اتساع حجم المعارضة الواسعة لسعيد بينما يحاول إعادة كتابة الدستور والسيطرة على القضاء وفرض قيود جديدة على المجتمع المدني. وحزب النهضة، أكبر حزب في البرلمان، إذ يستحوذ على ربع المقاعد، وزعيمه راشد الغنوشي رئيس البرلمان، من أشد المنتقدين لسعيد.

فرغم أن الأحزاب السياسية منقسمة بشدة على بعضها البعض، يحتشد المزيد منها الآن علانية ضد سعيد، ويطالبه بتبنّي نهج شامل لأي جهود لإعادة هيكلة سياسات البلاد، إذ نبذت تونس الحكم الاستبدادي في ثورة 2011، وتبنت نهجاً ديمقراطياً، لكن نظامها الذي يتقاسم السلطة بين الرئيس والبرلمان لم يجتذب تأييداً شعبياً.

وانتُخب سعيد، الوافد الجديد في المجال السياسي، في عام 2019، في فوز ساحق خلال جولة ثانية أمام قطب إعلامي كان يواجه تهماً بالفساد. وتعهَّد سعيد آنذاك بتطهير الساحة السياسية.

ومع اتجاه الاقتصاد نحو كارثة، وسعي الحكومة إلى إنقاذ دولي، وتلويح الاتحاد العام التونسي للشغل ذي التأثير القوي بإضراب في القطاع العام رفضاً للإصلاحات الاقتصادية، يقول العديد من التونسيين إنهم أصيبوا بخيبة أمل من تركيز الرئيس على التغيير الدستوري وحسب، بحسب رويترز.

مزيد من الضغوط على اقتصاد تونس؟

عندما اتخذ الرئيس قيس سعيد إجراءاته الاستثنائية، في 25 يوليو/تموز 2021، أيّده قطاع عريض من التونسيين، الذين يدفعون ثمن السجالات السياسية في البلاد ويعانون من التدهور الاقتصادي تحت وطأة تداعيات الجائحة والتأثيرات السلبية للمشهد السياسي المتعثر في تفسيرات كل طرف للدستور.

لكن مع مرور الوقت وعدم اتخاذ الرئيس قرارات فعلية لإنقاذ الاقتصاد وتركيزه، عوضاً عن ملاحقة المعارضين، وتصفية من يراهم خصوماً، وتتويج ذلك بحل المجلس الأعلى للقضاء، بدأ المؤيدون لسعيد ينفضون من حوله واتسعت رقعة المعارضة له، ورفع شعار "الشعب يريد عزل الرئيس" خلال مظاهرات حاشدة، في تذكير بالربيع التونسي، الذي أطاح بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وازدادت الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التونسي بتردد المانحين الغربيين الرئيسيين، الذين تعتمد عليهم تونس في دعم الميزانية، في تقديم تلك المساعدات قبل أن يعود الرئيس إلى المسار الديمقراطي والحكم الدستوري الطبيعي.

وفي هذا السياق، كان أكثر من 50 مشرعاً سابقاً وناشطاً حقوقياً أمريكياً قد وجهوا خطاباً مفتوحاً إلى إدارة الرئيس جو بايدن، مناشدين فيها أن تبذل الإدارة مزيداً من الضغوط، وأن تربط بين أي مساعدات لتونس وبين العودة للمسار الديمقراطي، بحسب تقرير لموقع المونيتور الأمريكي.

تونس شح المواد الغذائية أزمة اقتصادية
شح المواد الغذائية يؤرق التونسيين/صورة تعبيرية_Getty Images

"نخشى أن يكون غياب رد فعل قوي من الولايات المتحدة على اعتداءات قيس سعيد المتكررة على الديمقراطية قد شجَّع الرئيس التونسي على التمادي في مساره الهادف إلى تدمير المسار الديمقراطي تماماً"، بحسب ما جاء في الرسالة المفتوحة، التي شارك في التوقيع عليها عدد من سفراء واشنطن السابقين لدى تونس.

الرسالة طالبت الإدارة بالعمل مع الكونغرس لوضع شروط محددة لأي مساعدات تقدمها واشنطن لتونس، تنص على حتمية احترام المسار الديمقراطي.

ولا شك أن قرار قيس سعيد حل البرلمان (المجمد أصلاً) لن يكون إيجابياً لدى الإدارة الأمريكية أو المانحين الغربيين الرئيسيين، ما يعني مزيداً من الضغوط على الاقتصاد التونسي المنهك أصلاً، وهو ما يزيد من حدة الغضب تجاه سعيد، ويُقلص من قدرته على حكم البلاد، فإلى أين تتجه تونس؟

تحميل المزيد