تعتقد العديد من الأطراف السياسية أن أزمة الرئيس سعد الحريري السياسية في لبنان هي أزمة تيار ومشروع سياسي محلي، افتقد منذ سنوات لدعم خارجي وإقليمي كان يحظى به الرجل منذ توليه زعامة السنة في العام 2005، أي في لحظة إقليمية ودولية أعادت الصراع اللبناني إلى نقطة تحول كبيرة، واستمرت إلى العام 2016، حيث عقد الحريري التسوية الرئاسية في تلاقي سياسي هجين يضمه إلى جبران باسيل وحزب الله والقوات اللبنانية، ويحيطهم رجال أعمال ومستثمرون ومحظيون ومقاولون.
ويعاني الرجل -أي سعد الحريري- منذ صعود نجم الأمير محمد بن سلمان في الحكم السعودي من تراجع دراماتيكي في الديوان الملكي، والرجل منذ وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز بات عارياً من دعم المملكة وصدرها الرحب، مع هذا التاريخ انتهت عملياً مرحلة أبناء عبد العزيز وبدأت مرحلة "بن سلمان".
محاصرة الحريري سعودياً
لنبدأ من البداية، أي منذ أن سيطر الأمير الشاب على العرش فعلياً، بتعيينه على ولاية العهد في رمضان من العام 2017، وإحالة محمد بن نايف إلى التقاعد، ومن ثم الإقامة الجبرية، لبنانياً كان لا بد من معاقبة سعد الحريري، فهو متهم بتهريب أموال لأسرتَي فهد وعبدالله وغيرهما الكثير، إلى أن اعتقل الرجل في خريف 2017 في "الريتز كارلتون" مع العشرات من الأمراء، بينهم عدد من أبناء الملوك السابقين، حينها شكل نادر الحريري خلية بيت الوسط، لولا تدخل ماكرون وبوتين وأردوغان ووزير الخارجية الأمريكي (الذي اصطدم مع ترامب بعدها).
وعقب عودة الحريري من الأسر السعودي سعى الرجل لترميم علاقته مع بن سلمان، ونجح جزئياً بذلك، وقررت المملكة دعمه بانتخابات 2018، شريطة أن يتحول بعد الانتخابات إلى مناوئ لحزب الله، لكن الرجل كان مدركاً بعد تجربة 7 مايو/أيار 2008، والحرب السورية، أن الصدام مع الحزب خيار خاطئ، إلى أن تكررت أزمته مع المملكة، عقب ثورة 17 تشرين دفعته المملكة للاستقالة، وكان خيار المملكة الذي أبلغ به الحريري "نواف سلام"، أدرك الحريري أن الاسم عنوانٌ لتفجير أزمة داخلية، خاصة أن الثنائي الشيعي يعتبر سلام مرشح تيار بن سلمان-كوشنر، لذا التفّ الحريري على الخيار السعودي بالذهاب نحو الخروج من رئاسة الحكومة، وشعور الرجل أن نواف سلام سيكون رأس حربة مشروع يستهدفه شخصياً في بيئته مُستقبلاً، ومن هنا بدأت المعركة بينه وبين بن سلمان.
عقب فشل تجربة حسان دياب وقبيل انفجار مرفأ بيروت، وصل لمسامع الحريري أن جبران باسيل عرض على نادر الحريري رئاسة الحكومة، استشاط سعد غضباً، وأعاد تحريك مروحته السياسية، وكان انفجار المرفأ بوابة العودة، وسقطت حكومة دياب، وجرت مناورة بمصطفى أديب ليعود سعد الحريري على حصان السُّنة الأبيض، لم يكن يدري الحريري أن فخاً نُصب له من ميشال عون، حيث خاض الحريري حرباً مع عون، انتهت باعتذار الحريري وتكليف نجيب ميقاتي، الذي كان حكماً مرشح الفرنسيين، منذ ما قبل انفجار مرفأ بيروت.
التجربة الثانية مع عون.. خسائر في كل الاتجاهات
عقب تجربة الحريري الأخيرة مع ميشال عون وأزمته الأكبر مع السعودية، التي أغلقت الأبواب في وجهه، بات لزاماً على الرجل إعادة التفكير في مسارات جديدة، خرج الرجل إلى موطنه الجديد في أبوظبي، حيث باتت إقامته برعاية فرنسية وتفاهم سعودي ورضا أمريكي، والمطلعون على مواقف الإمارات من لبنان يؤكدون أن أبوظبي أبلغت سعد الحريري منذ اختياره لها عاصمة لأعماله وحضوره التجاري، عدم قبولها بممارسة الأخير أي نشاط سياسي في الوقت الحالي، وخاصة أنها حريصة على عدم استفزاز السعوديين، وإعادة الحريري لممارسة نشاط سياسي في لبنان، تحت أي مسمى كان سيجد الإماراتي نفسه مضطراً للتصرف كما تصرف السعوديون معه، أي حرمانه من كل استثماراته الجديدة التي ممرها الإلزامي شركة "دبي القابضة".
لذا فإن الحريري أبلغ الفرنسيين وبعض أصدقائه في واشنطن وموسكو، أنه بصدد الابتعاد التدريجي عن السياسة اللبنانية، والاهتمام بنشاطه المالي، لإعادة إحياء ثروته التي فقدها في السياسة اللبنانية، وأن الرجل يعيش حالة إحباط شديد من الوضع السياسي في لبنان، وخاصة بعد ما جرى معه خلال فترة تكليفه، بالإضافة لواقع تحالفاته السياسية والظروف الصعبة داخل تياره وما وصلت إليه الأمور، أدى به إلى فقدان الثقة بغالبية الحلفاء والأصدقاء والمقربين، الذين لم يعد ممكناً العمل معهم في الشأن العام.
وإذا امتنع الحريري عن خوض الانتخابات كمرشّح سيفتح الباب أمام تغييرٍ جذري في المشهد الانتخابي في الساحة السنية، فلن تكون فاعليّة تيّار المستقبل بغيابه هي نفسها بحضوره، أما إذا بقي الحريري في أبوظبي، ولم يترشّح أو يتعاطى بشكلٍ مباشر في الاستحقاق الانتخابي، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تشتّت قسم من أصوات تياره السياسي في دائرة بيروت الثانية وطرابلس، ما سيمنح الفرصة لسنة حزب الله وقوى أخرى لوراثة هذا الحضور السياسي.
الغياب أو الانسحاب؟
لذا ووفقاً للمطلعين فإن تصدع الواقع السنّي سيضرب جوهر الدولة، لأنّ الدولة هي الركيزة الأساس لدى السُّنّة، ورغم أن السنَّة الطائفة الأكبر عدداً، وأنّهم يحظون تقليدياً بدعم المحيط العربي الواسع، فإنّهم لم يُنشئوا ميليشيات خاصة بهم خلال الحرب، ومع أنّهم دعموا السلاح الفلسطيني في بدايات الحرب، لكنهم لم يؤسسوا فصائل مسلحة باستثناء بعض الحالات الإسلاموية الجهادية الشاذة عن القاعدة الأساسية.
فيما يقول مرجع سياسي من الصف الأول إن خيار الحريري بالابتعاد عن المشهد السياسي هو خيار تكتيكي وليس قراراً استراتيجياً، ربطاً بمجموعة عوامل، أهمها أن لا بيت سياسياً يغلق في لبنان، وأن تراجع طرف قوي في السياسة لا يعني انهياره واندثاره، وفقاً للمرجع السياسي فإن الحريري يسعى لتحسين شروطه، وجذب تعاطف حوله، عبر إشعار الجمهور السني المحبط بالفراغ.
يعتقد المرجع أن الحريري سيعود عقب انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، وربما تكون نضجت تسوية عودته للمشهد باتفاق سعودي-إماراتي، ورعاية مصرية للمشهد، وعن دور الرئيس نجيب ميقاتي في المرحلة الحالية، فيعتقد المرجع أن مرحلة ميقاتي هي مرحلة تمرير الوقت واللعب في الوقت الضائع، والرجل يسعى لتحسين شروطه وتعزيز مكانته، لكنها منوطة بنهاية المطاف بالتحولات الإقليمية والدولية الكبرى، يعلل المرجع كلامه أن ميقاتي في النهاية رجل أعمال، ويحسب الأمور وفق عقلية التاجر؛ لذا فالتردد سيد الموقف، ولن يقوم بتحقيق أي شرط وضعته الرياض، والأخيرة قد تستطيع وضع ميقاتي في مواجهة الحزب إذا قرر المغامرة في المساحات الخطرة.
يرفض المرجع في نهاية المطاف اعتبار ما يحدث مع سعد الحريري ضمن سياق لبناني، فالظروف المحيطة "بالسّنة" منذ ثلاثة عقود توحي بغياب المرجعية والزعامة والمشروع، وهذا الغياب معطوف عليه شراسة غير عادية من تحالف الأقليات، الذي استطاع تمزيق السنة وتهجيرهم وتحويلهم لأقلية سياسية وأكثرية عددية لا يُعتد بها، ويعتقد أن ما يحدث هو تقاسم طبيعي للمنطقة، عبر تلزيمها لإيران، وبالتالي تلزيم السنة لمشروع غير عربي، وأنه في أحسن الظروف سيجري توكيل الأتراك ببعض السنة، ووجودهم وحضورهم، فيما العرب ملحقون بين أنقرة وطهران وربما موسكو.
للحديث صلة!