استقطاب شعبي ومعارضة سياسية.. هل يتخلى قيس سعيّد عن مشروعه السياسي؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/10/24 الساعة 14:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/10/26 الساعة 09:49 بتوقيت غرينتش
صورة من المظاهرات بتونس - رويترز

بدأ قيس سعيّد ينعزل سياسيّاً  شيئاً فشيئاً، بعد أن كان رصيد مشجعيه منذ 25 يوليو/تموز الماضي عالياً وأغلب اللاعبين في الساحة السياسية والمنظمات الاجتماعية تسانده مع شرط تقديم خارطة طريق واضحة للعمل. لكن بعد خطاب 20 سبتمبر/أيلول الماضي ثم الإعلان عن الأمر 117 بشكل أحادي، انسحب الكثير من اللاعبين السياسيين بل واعتبروا أنّه استغل الوضع السياسي ليستولي على كافة السلطات.

سعيّد الذي أعلن الخميس الماضي، عن إمكانية إجراء حوار سياسي حول تعديل الدستور والنظام السياسي عبر تطبيقات إلكترونية دون مشاركة أحزاب(!)، وجد أمامه اتحاد الشغل أكبر منظمة شغيلة في البلاد، التي رفضت على لسان أمينها العام نور الدين الطبوبي "ديمقراطية دون أحزاب وبلجان شعبية"، في إشارة إلى مشروع الرئيس المجالسي.

وصارت الفقاعة السياسية التي شكلها سعيّد حوله منحصرة وقابلة للانفجار، بداية لأنّها حادت عن أولويات الوضع الراهن، وثانياً لأنّ الرئيس استأثر بالقرار لنفسه وعزل كل منتقديه فانعزل بدوره.

قلقٌ شعبي

في الأثناء، نشرت مؤسستا سبر آراء، في فترة متقاربة، استطلاعاً للرأي حول نسبة الرضا عن الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد منذ 25 يوليو/تموز الماضي.

وأظهر استطلاع الرأي الأول الذي أجرته مؤسسة "خدمات زغبي للأبحاث" في الفترة المتراوحة ما بين 15 أغسطس/آب و5 سبتمبر/أيلول 2021، وشمل 1551 تونسياً، أنّ 51% من التونسيين يرفضون التدابير التي أعلن عنها سعيّد (18% منهم يرفض بشدة)، فيما وافق عليها 49% من المستجوبين (35% منهم يساند بشدة).

تونس
الرئيس التونسي قيس سعيّد (مواقع التواصل الاجتماعي)

فيما كشف استطلاع للرأي نشرته مؤسسة سيغما كونساي المحلية بالتعاون مع صحيفة المغرب، نُشر بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أنّ 77% من التونسيين يساندون بشكل تام تدابير يوم 25 يوليو.

ووفق مؤسسة زغبي، فإن التفاؤل بالمستقبل منخفض لدى التونسيين، إذ إن 30% من المستجوبين فقط قالوا إنهم يتوقعون أن حياتهم ستكون أفضل بعد خمس سنوات، ويقول 33% إنهم يتوقعون أن يكون حالهم أسوأ، بينما يتوقع 37% أن تبقى الأمور على حالها.

فيما تبدو نسبة ثقة التونسيين في المستقبل مرتفعة للغاية، وفق البارومتر السياسي لصحيفة المغرب، إذ يعتبر 74.3% من المستجوبين أن البلاد تسير في الطريق الصحيح.

وفق مسح مؤسسة زغبي، فإنّ 41% من التونسيين مع النظام الرئاسي في البلاد، أما في البارومتر السياسي لصحيفة المغرب فيساند 71% هذا النظام.

كما أظهر استطلاع زغبي أنّ 71% من المستجوبين يرون أنّ الحياة في تونس قبل ثورة 2010 أفضل، ويرى 61% من المستجوبين من قبل سيغما كونساي أنّ الوضع العام كان أفضل قبل 2010.

اختلاف النسب التي قدمتها شركتا سبر الآراء يظهر فجوة عميقة بينهما، في الإحصائيات المقدمة وطريقة العرض. وهو ما يطرح تساؤلات حول دور المؤسسات المحلية لاستطلاع الرأي في تغليب جهة سياسية على أخرى، خاصة أنّ قطاع سبر الآراء في البلاد غير منظم بقانون، ما يجعلها قادرة على التلاعب بالرأي العام دون مراقبة قبلية أو محاسبة بعدية.

مواطنون ضد الانقلاب

في سياق متصل، تواصل حملة "مواطنون ضد الانقلاب" أبرز جسم مدني دعواتها لإسقاط هذه الإجراءات التي ترى أنّها بصدد تحقيق مشروع سياسي أحادي لا يمثل ضرورة تصور الشعب التونسي.

 بدأت الحملة نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، وانضم إلى صفحتها على فيسبوك آلاف المواطنين الرافضين لما اعتبروه انقلاباً على الدستور في تونس.

واختار نشطاء سياسيون أيضاً الانضمام إليها على غرار جوهر بن مبارك، أستاذ القانون الدستوري، الذي يُعد منسق الحملة وأحد أبرز الوجوه الداعية للتظاهر لإسقاط "مشروع سعيّد"، خاصة بعد إصدار الأخير الأمر الرئاسي عدد 117، الذي وصفه بن مبارك بأنه "أمر فرعوني" وأشبه "بعملية سطو على السلطات" أعطى فيها سعيّد لنفسه مجالات واسعة، يصدر من خلالها المراسيم كمشرع، بشكل منفرد ودون رقابة.

شبح النظام الاستبدادي عاد من جديد

المرسوم 117 خول لقيس سعيّد صلاحيات تنفيذية واسعة ومخيفة، لأنّها تعيد شبح النظام الرئاسي الاستبدادي في أذهان التونسي، فالرئيس لم يكتفِ باحتكار السلطة التنفيذية وتعيين حكومة تعمل وفق خياراته وتوجهاته، بل احتكر ممارسة السلطة التشريعيّة، عبر إصدار نصوص في شكل مراسيم يختمها ويأذن بنشرها في الرائد الرسمي بعد مداولة مجلس الوزراء. كما ألغى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، أي أنّ قراراته غير قابلة للطعن أمام أي هيئة. وهو ما يعني أن الرئيس هو الحاكم صاحب السلطات، وهو الخصم والحكم. واختصر الرئيس الشعب بذلك في أناه.

ومع تعاظم صلاحيات سعيّد، قادت حملة مواطنون ضد الانقلاب وقفات احتجاجية أمام المسرح البلدي ضد قراراته، كما انتقدت الحملة ما سمّته "محاولات هرسلة وترهيب عدد من النشطاء المشاركين في التحركات الاحتجاجية الأخيرة التي دعت لها".

تخوفات المشاركين في حملة "مواطنون ضد الانقلاب" يشاركها قضاة وإعلاميون، عبَّروا صراحة عن استيائهم من تجميع الرئيس للسلطات وتخوفهم على الحريات؛ إذ بدت الضغوطات جلية على القطاعين، مع إحالة مدنيين على القضاء العسكري، عوض المدني، وتتبع الصحفيين على خلفية إبداء مواقفهم الرافضة لقرارات الرئيس أو المنتقدة له بشكل مباشر.

يوم 3 أكتوبر الجاري، اعتقل الصحفي في قناة الزيتونة الخاصة، عامر عياد، بعد بث حصة انتقد فيها قيس سعيّد ورئيسة الحكومة المكلفة نجلاء بودن وتلا قصيدة لأحمد مطر يبدو أنّها أثارت حفيظة القصر، الذي هزته قصيدة. فوجهت للصحفي تهمة "التآمر المقصود به تبديل هيئة الدولة".

واعتقال عامر عياد ليس حالة معزولة، إذ أذنت السلطات التونسية في سبتمبر/أيلول الماضي، بإلقاء القبض على ستة أشخاص، من بينهم صحفيون، في "شبهة الاعتداء على أمن الدولة الداخلي وتلقي أموال مشبوهة من الخارج". وما زالت القضية طور التحقيق بعد إفراج مؤقت عن المشتبه بهم الستة، ثم إصدار بطاقة احتفاظ في حق بعضهم مجدداً.

ونشرت نقابة الصحفيين التونسيين بياناً بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أكدت فيه أنها  تتابع بانشغال كبير "تردي وضع الحريات في البلاد وتصاعد وتيرة الاعتداءات والملاحقات".

واستنكرت "الإحالات الأخيرة على القضاء العسكري على خلفية الآراء والأفكار، ما من شأنه أن ينسف مكتسبات الثورة وأسس مدنية الدولة وقيم الديمقراطية والتعدد والتنوع".

وأكدت "رفضها المطلق للمحاكمات العسكرية للمدنيين على خلفية آرائهم ومواقفهم ومنشوراتهم، وتعتبر ذلك انتكاسة لحرية التعبير وضرباً للديمقراطية وحق الاختلاف".

الاتحاد الدولي للصحفيين الدوليين، بدوره، نشر بياناً على خلفية الاعتقال، أكد فيه أنتوني بيلانجي، أمين عام الاتحاد، ضرورة الإفراج عن الصحفي المعتقل، وقال "إننا قلقون جداً بشأن الطريقة التي يتم بها اعتقال الصحفيين الذين ينتقدون السلطة ونطالب بالإفراج الفوري عن عامر عياد".

بعد الثورة التونسية أُصدرت مراسيم تعديلية في مجال الصحافة، تتمثل في المرسومين 115 و116. أي أنّ الأخطاء المهنية وقضايا النشر مجالها الهيئات التعديلية للمهنة وليس القضاء. وهو ما أغفله رئيس الجمهورية في ظل نسفه للترسانة القانونية والدستورية السابقة واعتماده على أمر منظم.

القضاء في مرمى نيران سعيد

ويبدو أنّ الضغوطات ذاتها تمارس على القضاء في تونس، قد يراد منها تصفية حسابات سياسية، شملت سجن البعض ومنع آخرين من السفر ووضع سياسيين في الإقامة الجبرية دون مبررات.

وهو ما أكده أحمد صواب، المحامي والقاضي السابق بالمحكمة الإدارية، في مداخلات إعلامية، بأن هناك ضغطاً سياسيّاً رهيباً مسلطاً على القضاء، وما أشارت إليه حركة أمل وعمل في بيان نشرته في سبتمبر/أيلول الماضي، وقالت فيه إنّ "رئيس الجمهورية بعد استئثاره بالسلطة، يحاول ترهيب القضاة وتدجينهم".

ورغم تأكيد المجلس الأعلى للقضاء في تونس، خلال لقائه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بعد الإجراءات التي أعلن عنها في يوليو/تموز الماضي، استقلالية السلطة القضائية، أكدت رفقة مباركي، رئيسة اتحاد القضاة الإداريين، أنّ هناك "ضغوطات من قِبَل أطراف (تجنبت ذكرها) على القضاء الإداري في ملف منع السفر والإقامة الجبرية". في إشارة إلى الإجراءات التي اتخذت بعد 25 يوليو المتعلقة بوضع عدد من الشخصيات السياسية والقضائية تحت الإقامة الجبرية أو في قائمة الممنوعين من السفر.

واعتبرت مباركي، وفق ما نقلته وكالة الأناضول بتاريخ 10 سبتمبر المنقضي، أن هذه الضغوطات "تهدف إلى إضعاف مؤسسة المحكمة الإدارية كي تحكم في اتجاه رفض مطالب معينة".​​​​​​​

رُفعت الإقامة الجبرية عن بعض الشخصيات، بعد إعلامهم بذلك، منذ 10 أكتوبر الجاري، دون تبريرات لسبب اتخاذ الإجراء أو إلغائه، ما يرجح كفة تدخل السلطة السياسية في عمل القضاء.

الخلاصة 

باتت السلطة السياسية اليوم تهدد الحريات، من خلال ضغوطات موجهة لمنتقدي حاكم قصر قرطاج، وانحسر مشروع الرئيس في نواة صغيرة فشلت في الإقناع بنجاحه في البلاد، مع كشف أغلب الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية عن موقفها الرافض له، موقف يشاركه بعض الخبراء المساندين له، على غرار صغير الزكراوي، الذي أبدى رفضه لفكرة البناء القاعدي ووصفها بالطوباوية، التي ستفضي إلى تفكيك الدولة ترابياً.

ولم يبقَ لقيس سعيّد إلا أن يخرج من فقاعته من أجل حوار بنَّاء يجمع مختلف الفاعلين السياسيين في البلاد والمنظمات الاجتماعية، وعلى رأسها اتحاد الشغل، أو أن يبقى فيها منتشياً بجماهيرية لن تدوم في ظل وضع اقتصادي واجتماعي صعب، ستكون نهايتها انهياراً سياسياً غير مسبوق "للأوهام الشعبية وجنون الحشود"، على حد تعبير الكاتب الشهير، تشارلز ماكاي.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عائشة غربي
كاتبة تونسية
كاتبة تونسية
تحميل المزيد