عاشور العاشر.. الملك الذي أضحك الجزائريين في رمضان

عربي بوست
تم النشر: 2021/04/28 الساعة 10:40 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/04/28 الساعة 10:40 بتوقيت غرينتش

بمحاكاته للواقع الجزائري، وما قدّم من إيحاءات سيّاسية واجتماعية بنكهة ساخرة، شكّلت متنفّساً لمجتمع ضاق ذرعاً بالرداءة والإهمال السياسي، استطاع مسلسل "عاشور العاشر" الدرامي، ذو الحسّ الفكاهي، أن يلاقي استحسان العائلة الجزائريّة، ويتميّز من بين الأعمال الفنّية، منذ بثّ موسمه الأول سنة 2015.

"عاشور العاشر"، هو اسم لسلطان يتربّع على عرش مملكة وافرة الموارد، ضعيفة الوجود، لما أصابها من فساد ومحسوبية. يعيش السلطان وحاشيته في مملكته (العاشورية)، حياة البذخ والترف، على أعقاب ما تجنيه المملكة من أموال طائلة للزيوت (البترول)، ممّا يدفعه إلى ممارسة كلّ أنواع الديكتاتورية والاحتكار على شعبه الذي يتخبّط وسط أزمات اقتصادية واجتماعية معقّدة، خوفاً من زوال سلطانه.

بين الفينة والأخرى، تُحدث قرارات السلطان الاعتباطيّة شرارات لاحتجاجات وسط المجتمع العاشوري، يتمّ إخمادها بتوزيع بعض الزيوت على سكّان المملكة، أو الاستجابة على مضض، لبعض المطالب الرمزيّة، دون التمحيص في عمق الأزمات.

في موسمه الثالث، الذي يبثّ خلال شهر رمضان، بقي جعفر قاسم المخرج وفيّاً لتطلّعات المشاهد، يقارب الواقع بكلّ ما يحمل من تناقضات، يواكب التغيير المنشود، ويتطلّع مثل الشعب الجزائري لبزوغ شمس الجزائر الجديدة.

فلم تخلُ مشاهد المسلسل في حلقاته الأولى من لمسات فنّية ذات دلالات سياسية، رأى فيها البعض إسقاطات لتغيير واجهة النظام، من شخص الرئيس الأسبق عبدالعزيز بوتفليقة، إلى شخص الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون، مثلما أشار إلى ذلك الصحفي إبراهيم قرعلي، في مقال له نُشر في موقع زاد دي زاد. ذلك أنّ بطل المسلسل السابق "صالح أقروت" الذي لعب دور السلطان "عاشور" في الموسمين الأول والثاني، تمّ استبداله من قبل المخرج بقالب ذكيّ، بعد إصابته برمية سهم أفسدت ملامح وجهه، بممثل آخر "حكيم زلّوم"، الذي ظهر بوجه جديد بعد عملية تجميل، وهو ينتهج نفس النّهج في تسيير المملكة، دون تغيير ملموس.

يضاف إلى ذلك إشكالية التكتّم على الحالة الصحيّة للرؤساء في الجزائر، الّتي تمّ توظيفها ببراعة، بعد هلع السكّان عند إصابة وغياب سلطانهم، دون أن يكون لهم الحقّ في فهم ما يجري داخل القصر، أو حتّى الاطّلاع على وضعه الصحي، الحالة التي تتقارب مع ما عرفه الجزائريون عند مرض رئيسهم مؤخّراً.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنّها بالغة الأهميّة، لإحالتنا إلى واقع مرير، أضحت تتخبّط فيه الجزائر بين القديم المتجدّد.

من زاوية أخرى، يحاول المسلسل في جزئه الثالث، إعطاء صورة مغايرة للمملكة، بعد تهاوي شعبيّة السلطان، واستبدال حاشيته، ليظهر فجأة برلمان شرعيّ يترصّد الفساد، نصّ للنظام جديد يحدّ من حكم السلطان وتأثير عائلته، وصحافة مستقلّة تمارس الرّقابة وتنير الرأي العام، كما لو أنّها صورة لامعة لبلد جديد، يداعب بها المخرج مخيّلة الجزائري، الذي يحلم بدولة معاصرة منذ أمد بعيد.   

أمّا المثير في هذا العمل، فهو مشاركة الممثّلة المغربية "نادية كوندا"، المعروفة بحسّها الفنّي العالي، في دور بطوليّ، يُعدّ سابقة للدراما الكوميديّة الجزائرية، ومعه الكثير من علامات الاستفهام.

تتقمّص "نادية كوندا" دور الخادمة "مانينة"، الدخيلة على المملكة، ابنة الوزير قنديل، والمستشار الشخصي للسلطان، الذي رُمي به في السجن بعد ثبوت فساده ومحاولة الانقلاب على السلطان. تحاول هذه الأخيرة، القادمة من بعيد، إنقاذ والدها الذي تبيّن أنّه ليس عاشورياً خالص الانتماء، عبر زرع حالة من فوضى وسط المملكة، يستفيد منها الوزير، الذي سبق أن طلب مساعدة أطراف أجنبية، ليستعيد نفوذه وسلطته المفقودة.

تساؤلات كثيرة تُطرح حول اختيار ممثلة تحمل جنسيّة مغربية لهذا الدور على وجه التحديد، رغم أنّ الكثير من الممثّلات الجزائريّات يستطعن تقمّص الدور بكلّ أريحيّة، فهل جنح المخرج إلى هذه الوسيلة ليغازل بعض الأطراف السياسية، متبنّياً طرح النظام الجزائري تجاه نظيره المغربي، كما ذهب إلى ذلك الناقد السينمائي محمد علال، ويرجّح بذلك فرضيّة قائمة، تتّهم المغرب الجار بمحاولة زرع حالة من عدم الاستقرار في الجزائر، أمّ على نقيض ذلك، هي مجرد إيماءة مفادها طيّ صفحة الخلافات، وإعادة إحياء لبوادر مغرب كبير، شكّل حلم الأجداد، لاسيما أن الطرف التونسي ممثّل في دور طبّاخة السلطان المطيعة "نورية" الذي تجسّده الممثّلة التونسية "كوثر الباردي". 

كغيره من الفنون الأخرى، يبقى الفنّ الدرامي الكوميدي حمّال أوجه،  والحلقات المتبقّية وحدها هي التي ستميط اللّثام عن التوجهات السياسية التي يتبنّاها المسلسل، وإلى ما يصبو إليه المخرج "جعفر قاسم"، كما ستبقى الأيام وحدها كفيلة بكشف ما تخفيه الأقدار للجزائر، إمّا جديدة متقدّمة، أو قديمة متجدّدة.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

العائش تركي
مدوّن جزائري وباحث في علم الاجتماع السياسي
مدوّن جزائري وباحث في علم الاجتماع السياسي

من "الهروب" إلى "الاختيار 2".. كيف أكل كريم عبدالعزيز على كل الموائد وقدم الضحية والجاني معاً؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/04/15 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/04/15 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
كريم عبدالعزيز بين بطولة مسلسل "الهروب" 2012، وبطولة مسلسل "الاختيار 2" 2021

قبل 10 سنوات من الآن  كانت ثورة يناير/كانون الثاني حديث العالم كله وحديث المصريين بشكل خاص، حيث يمكنك أن تراها في كل ملليمتر مربع من أرض الوطن، على الجدران في صورة عبارات عشوائية صاغها أحد الشباب المتحمسين للتغيير، أو على لافتة وضعت أعلى محل تجاري، غَيَّر مالكُه البسيطُ اسمَه من عصارة "سلسبيل" إلى عصارة "شهداء ثورة يناير".

الجميع متحمس للثورة إذاً ويسعى للحاق بركبها ولم تكن الأعمال الدرامية بكل تأكيد في معزل عن ذلك، فكان من الطبيعي أن نشاهد في أول موسم رمضاني بعد الثورة أعمالاً فنية تعبر عنها وتحاكي أيامها الخالدة في أذهان المصريين، وعلى رأس هذه الأعمال كان مسلسل "الهروب" الذي قام ببطولته الفنان كريم عبدالعزيز والذي نجح بجدارة من خلاله في تجسيد معاناة آلاف الشباب المصري الذين كانوا ولا يزالون ضحايا للتعذيب في غياهب الأمن الوطني.

لكن وبعد سنوات من عرض مسلسل الهروب عاد كريم بعد غياب إلى التلفزيون مجدداً، وهذه المرة ليس بدور الضحية بل الجاني، وليس في الموسم الثاني من مسلسل الهروب بل الموسم الثاني من مسلسل الاختيار!

والآن سنحاول أن نتذكر كيف داعب كريم الثورة في رمضان من العام 2012 قبل أن يحاول مداعبة الانقلاب العسكري الدموي في الموسم الرمضاني الحالي.

جسّد كريم في عصر الثورة دور شاب مصري بسيط يدعى محمود، ساقَه قدرُه إلى أحد مقار أمن الدولة لتلفق له قضية سياسية لم يكن له أي علاقة بها، وفي مقر أمن الدولة عانى أبشع أنواع التعذيب ومنها الصعق الكهربائي الذي أدى لوفاة أحد زملائه في القضية.

تلك الأساليب نفسها التي نفاها كريم عندما جسد دور الجاني في مسلسل الاختيار 2، وفي أحد مشاهد حلقته الأولى -والذي لم يشعر خلاله كريم بأي تناقض- وجّه حديثه لأحد الشباب المقبوض عليهم في مقر الأمن قائلاً "ده انت حتى من وقت ما أصحابك مسكوا مافيش كهربا ولا حتى مية!"، نافياً بجملته تلك كل الجرائم التي قام بها ضباط أمن الدولة بحق آلاف الشباب في عهد مبارك، والتي كانت سبباً في اندلاع ثورة.

لكن لنعُد ثانية لمسلسل الهروب حين قامت ثورة يناير، وتمكن محمود الشاب البسيط الذي يجسده كريم  من الهروب من السجن ليستمر لشهور بعدها في رحلة البحث عن ضابط أمن الدولة الذي أذاقه ويلات العذاب وتسبب في مقتل صاحبه، عاقداً العزم على الانتقام حتى تمكن منه في الحلقة الأخيرة من المسلسل ليدفعه كريم للانتحار بعد أن هدده بملاحقته قضائياً مقدماً له كل الدلائل التي تثبت تعذيبه لعشرات المواطنين.

قدم كريم دور الضحية إذاً التي تعاطف معها مئات الآلاف من المشاهدين وهم يرون كيف تفنن ضابط أمن الدولة في تعذيبه هو وزملاؤه بالكهرباء، وبالتأكيد فإن هؤلاء المشاهدين كانوا سعداء للغاية بنهاية المسلسل التي أقدم خلالها ضابط أمن الدولة على الانتحار.

هذا الضابط نفسه ربما ووفقاً للسياق الزمني قد يكون أحد زملاء الضابط هيثم الذي يقوم كريم بتجسيده في مسلسل الاختيار 2، الذي يحاول من خلاله إظهار الجاني في مسلسل الهروب على أنه الضحية الذي كان يملك الحق في تعذيب المواطنين وإيذائهم بحجة الدفاع عن الوطن من العمليات الإرهابية.

في الحلقة الأولى أيضاً من مسلسل الاختيار 2 وجه كريم خطابه للشاب ذاته قائلاً: "بص يا شاكر أنا عاوز أحكيلك حكاية في 2009 كنت لسه منقول، كان لسه اسمه أمن الدولة المهم كان في واد صغير عنده 16 سنة مسكناه في بيت راجل تكفيري حققت معاه، والواد قعد يعيط ويقول ماليش ذنب، سبته يا شاكر، بعدها بأسبوع فجر أتوبيس سياحي في الأزهر".

تحول كريم بنسبة 180 درجة إذاً ما بين الهروب في عصر الثورة إلى الاختيار 2 في عصر الحاكم العسكري الذي يسعى من خلال الأعمال الدرامية إلى غسل يديه من الدماء التي أزهقها على مرأى ومسمع العالم أجمع في مذبحتي رابعة والنهضة، والذي نجح أيضاً في استقطاب فنان ذي شعبية كبيرة بحجم كريم عبدالعزيز الذي أعتبره الممثل المفضل بالنسبة لي، والذي تحول فجأة إلى مجرد أداة يتم استخدامها في التأثير على عقل المشاهد والتلاعب به، وفقاً للحقبة الزمنية التي نعيشها ووفقاً للحاجة السياسية التي يفرضها الواقع بين ثورة يناير/كانون الثاني وانقلاب يوليو/تموز.

وذلك دون الاهتمام بنقل الحقيقة كما حدثت، ودون مراعاة لمشاعر الضحايا الذي يقدرون بالآلاف من أهالي الشهداء الذين قضوا لحظاتهم الأخيرة في مواجهة رصاص الأمن بصدورهم العارية، والذين سيجبرون على تقبل الحالة الشعبية الواقعة تحت تأثير كريم وأدائه الاستثنائي كالعادة، والمتباهية بقتل أبنائهم بدم بارد بعد أن نجح كريم ورفاقه في تشويه صورتهم وإظهار اعتصامهم السلمي على غير حقيقته، وبكل تأكيد فإن أهالي هؤلاء الضحايا وإن العديد من الضحايا أنفسهم كانوا من متابعي مسلسل الهروب، وكانوا من المعجبين بأداء كريم في المسلسل، بل وربما إن بعضهم رأى فيه أخيراً الفنان صاحب الرسالة الذي يجسد حياتهم ومعاناتهم اليومية مع بطش الأجهزة الأمنية.

 لكن ما غفل عنه فناني المفضل قبل أن يقوم بدور الجاني أن الضحية الذي نجح في تجسيد شخصيته من قبل لن ينسى يوماً ما يقوم به كريم الآن تماماً مثلما لم ينسَ محمود هذا الضابط الذي عذبه وأظهره كإرهابي في مسلسل الهروب.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر عادل
صحفي مصري
حاصل على بكالريوس الإعلام
تحميل المزيد