كما تحمي المكسيك عصابات المخدرات وتتجاهل إيطاليا مافيا الكامورا.. لماذا تطبع الدول العربية مع إسرائيل؟

عدد القراءات
702
عربي بوست
تم النشر: 2020/12/12 الساعة 14:08 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/12/12 الساعة 14:08 بتوقيت غرينتش
نتنياهو يبحث عن صفقة لضمان تطبيع العلاقات مع المغرب/ رويترز

"الولايات المتحدة وإسرائيل دولتان قامتا بأعمال عنيفة ووحشية ضد الشعوب التي انتزعت منها الأراضي. واضطر القادة والزعماء إلى صُنع أساطير لتبييض تاريخهم. لكن الفرق بينهما هو أن الأمريكيين حتى لو افتضحت أكاذيبهم فإن أعمالهم تلك تبدو وكأنها موغلة في التاريخ، عكس الإسرائيليين الذين تظهر أعمالهم ولا تزال وحشية ضد الفلسطينيين. لهذا هناك عمل دؤوب لخلق أساطير وتسطيرها". (الفصل السادس "الأساطير القومية"، كتاب "لماذا يكذب القادة والزعماء"- جون جي. ميرشايمر، ترجمة عبدالفتاح عمورة ص 130). 

من هذه الفقرة التي تعكس رؤية ثاقبة، يتضح أن تقييم الأعمال على أنها لاإنسانية، لهو أمر يمكن تجاوزه كلما كانت الدولة قوية وذات قدرة على ترسيخ أركانها، فلا يهم كم تقتل من البشر، ما يُهم هو أن تستطيع الاستمرار والتطور وأن تمد جذورها في الواقع حتى يتأكد وجودها ويعترف بها كل العالم، وبذلك سينسى الجميع جرائمها. 

التاريخ يكتبه المنتصر 

الواقعية السياسية تعتبر الإنسان مجرد "بيدق" في رقعة العلاقات الدولية، بيدق يُمكن التضحية به للحفاظ على الدولة. فتعريف الإنسان العملي عندها هو "الكائن الذي يجب أن يكون جسده أو دمه أو عقله مجرد وسيلة لإقامة الدولة و استمرارها".. أي أن الدولة هي الهدف والإنسان هو الوسيلة.

إن كان الأمر هكذا، فلماذا تم وصم جرائم هتلر بأنها ضد الإنسانية مع أنه كان يفعل أي شيء ليُحافظ على استمرار الدولة الألمانية وبقائها في قمة الهرم الإنساني والحضاري؟ 

الإجابة ببساطة هي أن المنتصر يكتب التاريخ، والمجرم الذي انتصر هو المتحدث الأخير باسم الإنسانية، فكما قال الفيلسوف كارل ياسبرز "من يتحدث أخيراً هو من يكون على حق". 

الحلفاء مجرمون ضد الإنسانية استطاعوا أن ينتصروا على مجرم آخر هو هتلر، لهذا صاروا هم من في إمكانهم أن يصنعوا ويصيغوا الأسطورة التي تصور هتلر كوحش بينما تشرشل وروزفلت وديغول كما الأبطال. 

إن الخطاب الإنساني الذي تستخدمه الدول في العالم هو مجرد وسيلة للاستمرار وتقييد وجودها بالشرعية الإنسانية، مع أنها لا يمكن أن تبقى على قيد الحياة دون القتل والتشريد. 

يقول رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون "لن ندع أية ادعاءات زائفة بخصوص حقوق الإنسان أن تقف في طريقنا"، ورغم أن الخارجية البريطانية، حاولت أن تنفي قول كاميرون هذا، إلا أننا نعلم بأن هذا التصريح ليس مجرد قولة سياسية وإنما هو استراتيجية مهمة في العلاقات الدولية مفادها "اقتل الإنسان لتبقى الدولة". 

بهذا المنطق تحترم الدولة اليابانية مافيا الياكوزا، لأنها تعلم بأنها تستفيد من أموالهم، ومحاولة محاربتهم ستهدد وجود الدولة، لهذا لا بأس بجرائم هذه المافيا مادام أن الدولة تستفيد منها. وبهذا المنطق أيضاً تُحافظ الدولة الإيطالية على مافيا الكامورا، وبهذا المنطق تحافظ المكسيك على عصابات المخدرات، وبهذا المنطق تسارع الدول العربية إلى التطبيع. 

ما الفرق بين داعش وإسرائيل؟ 

لماذا إذاً يتم اعتبار داعش تنظيماً إرهابياً مجرماً؟ الأمر الواقعي هو أن داعش تنظيم إجرامي لم يستطع أن يقيم دولته الخاصة، لأنه لو أقام دولته لتسارعت الدول إلى نسج العلاقات معه، حتى تُحافظ على مصالحها داخل الشرق الأوسط حيث يوجد البترول. إذاً داعش إرهابية لأنها فشلت في إقامة دولتها وليس لأنها تنظيم يقتل الأبرياء.

فالكيان الصهيوني الذي بدأ بتنظيمات إرهابية كـ "شتيرن" و"إرغون" وقتل الأبرياء في كل مكان، وقام بمجازر كثيرة كمذبحة دير ياسين الفظيعة، استطاع إقامة دولته الخاصة، فتسارعت الدول إلى الاعتراف به، بداية بالولايات المتحدة (اليميني) والاتحاد السوفييتي (اليساري)، وتتابعت الأمور وتوالت إلى أن تسارعت الدول الإسلامية والعربية إلى نسج العلاقات معها، لحماية مصالحها على ما يعتقد ذهنها المعاق. 

هذا هو التطبيع، أن تنسج دولة ما علاقة مع دولة أخرى، حتى تبدو أنها شرعية وأن وجودها هو وجود لا يتعارض والطبيعة الإنسانية. فأن تعترف دولة بدولة أخرى، هي أن تؤكد على نسيان كل الجرائم التي قامت بها سابقاً. ويُسمى هذا في "العلاقات الدولية" "اكتساب الشرعية الدولية".

خلال الحرب العالمية الثانية، كان الجنرال فرانكو يقتل معارضيه بكل بشاعة ويُعذِبهم، لكن لم يبالِ الأوربيون بذلك، بعد أن أكد لهم أنه لن يُساعد هتلر ولن يتحالف معه، وهكذا حافظ فرانكو على سمعته، بينما تشوهت سمعة هتلر، فليس من يقتل هو الذي يبدو بشعاً في العالم، بل من يفشل في تغطية جرائمه فقط، ولا يستطيع إقامة العلاقات مع الأقوى. فالمجرم القوي يستطيع أن ينشر أسطورته، بينما الضعيف سيموت بدون أن يترك أسطورة تُمجِّده. 

الثابت في العلاقات الدولية، ليس حياة الإنسان أو الحق، وإنما بقاء الدولة التي تستفيد منها أقلية أوليغارشية. 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد أمزيل
باحث وكاتب مستقل
تحميل المزيد