«غايتهم المتعة وهدفهم النشوة».. رحلة في عقل مدمني المخدرات

عربي بوست
تم النشر: 2019/12/10 الساعة 17:33 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/12/10 الساعة 17:33 بتوقيت غرينتش
مدمن مخدرات

سم المخدرات ليست بالأمر الجديد ولا الغريب على مجتمعنا العربي، فمنذ لحظة اكتشاف المخدرات المصنعة كيميائياً، بدأ يتسارع معدل انتشارها في بلداننا. أما متعاطوها فمعظمهم في البداية كانوا من الفقراء مادياً وجسدياً ونفسياً (لم يشعروا بالسعادة في حياتهم الطبيعية). وجهلاء عقلياً لإدراك مساوئ ومصائب تعاطي المخدرات، لكن في هذا العصر لا يقتصر ذلك على هذه الحفنة، إذ أصبحوا الأغلبية بعد أن كانوا الأقلية، وأمسى جزء منهم أبناءنا, آباءنا, أخواننا وأخواتنا, ثم صاروا يشغرون مناصب راقية، فهم الأطباء, الممرضات, المهندسون, المحامون, وغيرهم (لا حاجة لذكر السياسيين).

وكم من أصدقاء لي فارقوا الحياة من جراء تعاطي المخدرات، وكم من أصحاب اعتزلتهم لتصرفاتهم غير اللائقة والمؤذية للنفس من وراء هذه السموم. وكم من أناس كنت أحسبهم ذوي مراتب ومكانة ومن مستحقي الاحترام، تبين لاحقاً بأنهم لا يعرفون حتى الطريق إلى بيوتهم.

المهم، جرت الأمور كما جرت وتعودنا على فقدان هؤلاء الناس مع مرور السنين وأخذهم بنظر الاعتبار عند إحصاء أعداد الوفيات في المستشفيات والمقابر مثلما نعد أعداد الموتى في الكبار العمر. لكني مررت بتجربة غيرت تفكيري تجاههم وأعطتني إحساساً بفقدان الأمل أكثر في هؤلاء المرضى.

كنت أتمشى في منطقة عامة وخلال زقاق أمر به يومياً في طريقي إلى الكلية. فإذا بي أرى طالباً وطالبة تقريباً أصغر بقليل من عمري (22 عاماً)، الفتاة كانت محجبة ومرتبة اللباس وكذلك الشاب كان يلبس قميصاً أبيض وبنطالاً أسود، بدوا مستعدين للذهاب إلى دراسة في أحد مؤسسات التعليمية (تبين لاحقاً بأنهما طلاب في كليتي). من خلال مروري من الشارع، تحسست بأنهما لاحظاني ولم أهتم بذلك، وواصلت المشي إلى أن اقتربت مسافة قريبة منهما. وهنا رأيت ورقة بيضاء على يد شاب ملفوفة بشكل مربع ومنتفخ كأنها مليئة بالحصى، عرفت مباشرة أنه الميث (المخدر متصنع كيميائياً)، وهو يراقبني وينتظر حتى أقترب منه لأعلم المسألة!

وهو يسلمه للفتاة ويقول لها بصوت مسموع "لا تعطي هذا لأحد". صدمني الموقف، كنت أعلم بالطبع أن هناك مخدرات تتوزع يميناً ويساراً في كليتي، في الأزقة، وفي المدينة التي أعيش فيها، لا غرابة في هذا الأمر، ولكن صدمت لأنني لم أر أشخاصاً مثل هؤلاء يريدون أن يتظاهروا في العلن بتعاطيهم للمخدرات ويتفاخروا بعملية التبادل بينهم (رغم أني لم أر المال يعطى من قبل الفتاة ويمكن أن يستنتج القارئ كيف تدفع الفتاة المادة بدل المال). 

تجاهلت الأمر ذلك اليوم وواصلت يومي عادياً وقد حسبت بأن الشاب قد أخطأ في التفكير والتحليل (وهي العادة عند المتعاطين) في إجراء الصفقة بسرية. وفي الأسبوع التالي، رأيت نفس هذين الشخصين في نفس الوضع، في إحدى زوايا حديقة الكلية، وشاءت الأقدار أن أمشي نحوهما مثل اليوم السابق. هذه المرة بدأت بالمشي بطيئاً لأفكر في الموقف، فهما كذلك بدأا بالانتظار حتى آتي بالقرب منهما ليبدأا العملية مجدداً، عندها أدركت بأنهما يفعلان ذلك عن قصد ليثبتا شخصيتهما المنحرفة ونسيت بأن المتاجرين والمتعاطين قد أصبحوا شخصيات نبيلة في هذا الزمن. رمقتهما بنظرة ليعلما بوجودي، وهما بادلاني النظرة الباردة، تخيلت فقط كيف سيجري الحديث بينهما وبيني إذا باشرتهما بالكلام. وعلمت أن مبادرتي لن تكون ذات فائدة لهما. ولم أستطع أن أعبر عن الأمر من الناحية الدينية، فالمدينة التي أعيش فيها مليئة بالمواعظ والبوسترات الإسلامية وخطب الجمعة الرنانة لا تتوقف. إذاً هما أدركا ذلك وعلما بحرمته، ولن أقدر أن أكلمهما من ناحية العلم عن أضرار المخدرات وكيف تؤدي إلى هلاك متعاطيها وانطوائه حول نفسه ليترك المجتمع نفسياً ويفارقه جسدياً. إذ أنهما طالبان في كلية الصحة ومحاضراتنا مليئة بالمعلومات الطبية عن مضار المخدرات بأنواعها. هم هؤلاء (متعاطي المخدرات) عادة يتبعون فلسفة عدمية أو وجودية في حياتهم بحيث ينظرون إلى الحياة كأنها مشاعر فقط وهي الغاية عندهم (الهروب من مشاعرهم السيئة إلى مشاعر ممتعة) وهدفهم الرئيسي من العيش.

فكرت طويلاً في هذا الموقف، إلى أن جرى بي خط تفكيري إلى المسلسلات والأفلام التي تفخم وتكرم من تجار المخدرات ومتعاطيها تجسداً فخماً، ليرى فيه شبابنا قدوة ينبغي تقليدها. حتى أدى بهم الأمر إلى عدم الخوف من نظرة المجتمع وعقوبة الحكومة القائمة. هؤلاء طبعاً لا شك أنهم يظنون في هذا السن أن التهور والانحراف هو عنوان المسيرة، والتعنت والمتعة السلبية هي جزء من انفتاح المجتمع العربي للأفكار عالمية الغربية. لا بل أصبح من واجب المجتمع أن يضمهم ويحسبهم قطعة منه من دون انتقاد ولا تدخل. فالنصح أصبح تدخلاً في شأن ما لا يعني والعبرة أصبحت أخطاء الأغبياء من قبلهم وهم بالتأكيد أذكى من الذين ماتوا جراء زيادة الجرعة والعدوى القاتلة.

هذه الأفلام والمسلسلات التي يكون أبطالها والشخصيات المؤثرة فيها متعاطي ومتاجري مخدرات قد تركت أثراً مطبوعاً عند صغار مجتمعنا فردياً وغير منظور المجتمع نحوهم. نعلم تمام العلم بأن أغلبية هؤلاء المتعاطين هم أشخاص عاديون لا يعانون من أمراض نفسية ولا جسدية (قبل التعاطي) وإنما يريدون الوصول إلى النشوة طوال فترة وعيهم. لكن المعرفة يا أخي القارئ هي أن تعلم بأنهم يأخذون شهوة ثانية منه وهو نظرة المجتمع لهم نظرة التهور والمرونة، نظرة الشجاعة والقوة، ونظرة العناد والمواجهة أمام الحكومة والنظام. أو على الأقل نظرة التمييز والاختلاف عن عادات المجتمع وأفراده العاديين. أنا أعلم بأنه من حقهم أن يفكروا بذلك النحو، الأفلام التي نتحدث عنها عليها إقبال كبير عند الجماهير ولها معجبون أكثر ومقلدون أوسع، فلا شك بأن المتعاطي يستنتج من هذا أن المجتمع يتقبل مثل هذه التصرفات ويحرض عليها.

هل يا ترى يتقبل المجتمع فعلاً مثل السلوكيات السلبية المضرة له؟ لماذا لا، ما المجتمع سوى مجموعة من أناس يتشاركون نفس الأهداف ويفكرون بنفس الأفكار ويتأثرون لأشخاص حولهم. المغزى الذي أريد أن أوصله هو أن هؤلاء المتعاطين قد تجاوزوا مرحلة التعاطي والنشوة وصاروا يبحثون عن الشهوة والشهرة الاجتماعية، من خلال تظاهرهم علناً بالتعاطي يحسبون أنهم أصبحوا فوق مستوى البشر ويظنون بأنهم أمتلكوا شيئاً من الشجاعة التي لا يوجد في مجتمعهم الحاضر، وسوف يكافئهم الناس على هذا باحترامهم لهم وبالنظر إليهم نظرة العبيد لأسيادهم.

الأمر أصبح خارجاً عن السيطرة. 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
محمد إبراهيم
كاتب ومدون
كاتب ومدون
تحميل المزيد