أحفاد يلعنون أجدادهم! ما الذي خرب القرية ودمّر أخلاق جيلها الجديد؟

عربي بوست
تم النشر: 2019/11/11 الساعة 13:34 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/11/22 الساعة 16:16 بتوقيت غرينتش
فلاح مصري

كانت القرية مضرب الأمثال في الأخلاق والتلاحم والأمان والكرم واحترام الكبير والعطف على الصغير وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، لكنها لم تنجُ كغيرها من تشويه كل ما هو جميل. وإذا طالعت أخبار الحوادث ستجد حضوراً مؤثراً للقرية فيها، فما من يوم يمر دون حادث كبير بإحدى القرى يزيل كلَّ ما عُرف عنها من أخلاق وتمسُّك بالقيم النبيلة، والعادات الأصيلة، ويجعلها تتفوق أحياناً على المدن في الإجرام وقلة الضمير.

تردّد على مسامع أبناء جيلي حكايات كثيرة تعبِّر عن علاقات "الود والحب والوئام" التي كانت تسود بين أهالينا من أبناء القرى الطيبين، بل وعايشت بنفسى حكايات كهذه، فما زالت جلسات الصيف والسمر والشاي بيننا وبين جيراننا حاضرة في مخيلتي، يتشاركون الهموم والأفراح معاً.. وما يحز في النفس ويوجع القلب والأعصاب، أنك لا تجد شيئاً من هذا إلا القليل النادر، إن وُجد من الأساس.

رحم الله أخلاق القرية.. ورحم الله أجدادنا -الذين باتوا يُلعنون من أحفادهم الآن- بل هم "سفهاء أحفادهم"، فكم كانت علاقات الناس فى زمانهم مثالاً للطهر والنقاء والصفاء والمحبة، يتقاسمون الطعام والشراب، كل يرسل لجاره ما يطبخه في بيته، ولا يمانع في أخذ شيء من طعامه، بحبٍّ وإخلاص، دون مَنٍّ أو أذى، فلا تجد بينهم جائعاً أو محروماً.. فالجميع وقتها كانوا "أصحاب بيوت"، كما نقول في أمثالنا العامية.

أما في واقعنا المتردي، الذي نفتش فيه عن هذه الأخلاق، وكأننا نبحث عن إبرة في كومة من القش، لا نجد إلا انعدام الضمير وانتكاس الفِطرة، وغياب الوعي والصدق، وانتشار الكذب، فربما بسبب خصومةٍ بسيطة، أو مشاجرة عابرة بين جارَين، يتطور الأمر فتجد مَن يرفع سلاحاً وربما فأساً، أو يفتعل جريمة بـ"التلفيق والتزوير"، دون خجل أو مواربة، وكلّ همه أن يُلحق أكبر ضرر بخصمه الذي هو جاره، الذي نزل فيه جبريل -عليه السلام- بحقه موصياً النبيَّ صلى الله عليه وسلم "حتى ظننتُ أنه سيوِّرثه"، على لسان نبينا مقرِّراً ما قاله المَلَك الكريم.

"الحقد والغل والحسد والبغضاء" صارت تملأ قلوب الكثيرين من أبناء القرى، خاصة بين جيران "الحيط في الحيط"، كما نصف، فأصبحت نفوسهم مريضة، تحتاج إلى إعادة تأهيل، كي تندمج وتنسجم في المجتمع من جديد، وحتى لا تصير كالعضو الفاسد داخل الجسد.. ربما أفسد الجسد كله، ربما بسبب أمهات فقدن معنى الأمومة، من احتضان للأولاد، وتنشئتهم على المحبة وعدم الكراهية والنظر لما في أيدي الناس.. أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله!

 وفي النهاية.. لابدَّ من محاربة هذا الخراب والدمار الأخلاقي في قُرانا، والقضاء على هذه الظواهر الجديدة على مجتمعاتنا، فما الذي يمنع المصلحين، وخطباء المساجد، ورجال الدين، بل والمعلمين، والآباء من غرس قيم الحب والصفاء والتسامح في نفوس الأبناء مرة أخرى، حتى تعود "أخلاق القرية" التي نترحم عليها الآن، وينعم أهلها ببركات من السماء والأرض.. قبل فوات الأوان!

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
رزق عبدالمنعم
كاتب صحفي ومدقق لغوي
تحميل المزيد