أبو سفيان المفترى عليه!

عربي بوست
تم النشر: 2018/01/12 الساعة 02:51 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/10/06 الساعة 12:10 بتوقيت غرينتش

أنت كقارئ للتاريخ لا تحتاج أن تلمّ بمناهج كتابة التاريخ كي تفهمه، ولكن تحتاج فقط أن تكون منتبهاً واعياً وتجيد الربط بين الأحداث.
وإذا فعلت هذا ستفهم التاريخ بطريقة أفضل، بل ويمكنك تبيّن فساد وتزوير الأخبار والروايات لأسباب مختلفة لا داعي للخوض فيها هنا.
على سبيل المثال كنت أراجع شيئاً في كتب الإخباريين العرب يخص بني أمية فشعرت أن هناك نوعاً من الروايات تتعمد تشويه أبي سفيان، وتشكك في إسلامه سأذكر لك منها خبرين:

الأول: عن عبدالله بن الزبير، وتجده في الطبري وابن الأثير وعند العسقلاني في الإصابة وعند الأصفهاني في الأغاني.

وفي الخبر يقول ابن الزبير: "كنت مع أبي باليرموك، وأنا صبي لا أقاتل، فلما اقتتل الناس نظرت إلى ناس على تل لا يقاتلون، فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح، فرأوني حدثاً، فلم يتّقوني، قال: فجعلوا والله إذا مالت المسلمون وركبتهم الروم يقولون: "إيه بني الأصفر" فإذا مالت الروم وركبتهم المسلمون قالوا: "ويح بني الأصفر" فلما هزم الله الروم أخبرت أبي، فضحك، فقال: قاتلهم الله أبَوا إلا ضغنا، لنحن خير لهم من الروم".

وفي الأغاني، قال الزبير حسب الخبر: "قاتله الله يأبى إلا نفاقاً، أوَلسنا خير له من بني الأصفر؟ ثم كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول الله (ص) يقول: حدثهم. فأحدثهم فيعجبون من نفاقه".

حاول أنت أن تضع الخبر في سياقه لتقدره، فأبو سفيان أسلم وهو في السبعين من عمره وقاتل مع النبي يوم حنين، ورغم أنه كان في السبعين من عمره فقد ثبت إلى جوار النبي ولم يفر مع مَن فروا.

وفي يوم الطائف فقئت عينه فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك، وكان قد أصبح في السادسة والسبعين من عمره، وعندما وجه أبو بكر (رضي الله عنه) أربعة جيوش لفتح الشام، جعل الأول بقيادة يزيد بن أبي سفيان فخرج أبو سفيان في جيش ابنه.

ومما جاء في الطبري أن المسلمين استخدموا لأول مرة نظام الكراديس في الحرب، وأن أبا سفيان كان يسير فيقف على الكراديس ويحمس الجند قائلاً: "الله الله! إنكم ذادة العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك! اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك".
فأي نفاق في هذا والرجل منذ أن كان مشركاً كان يكره الكذب ويأنف منه؟!

وفي اليوم الرابع من القتال هاجم الروم جيوش المسلمين بموجة عارمة من الرمي بالنبال فقد فيها كثير من المسلمين عيونهم، كان منهم أبو سفيان نفسه، أي أنه قاتل حتى عمي، وكان في السادسة والسبعين من عمره، فأين هو هذا النفاق؟!

ثم لاحظ أنه إذا كان عبدالله بن الزبير ولد في السنة الهجرية الأولى، وكانت اليرموك في سنة 15 هـ فإنه لم يكن صبياً، وأنا لأسباب إيمانية سأتوقف هنا وأقول فقط إن الخبر مدسوس على الاثنين بغرض تشويه أبي سفيان.

لكن مَن يدسون مثل هذه الأخبار أغبياء بالفعل؛ لأنهم يتخيلون أبا سفيان كرجل سرمدي لا يشيخ ولا يتأثر بمرور الزمن ويستكثرون عليه إسلامه، وكانوا يتمنون لو مات وهو كافر، لكن الدساس غالباً خائب ويقع في مثل هذه الأخطاء الغبية، وأغلبنا يعرف ولا ريب دور الأحزاب السياسية خاصة الحزب الشيعي في تشويه روايات القرن الهجري الأول معروف ومشهور ومستمر حتى الآن.

أما الخبر الثاني ففي "تاريخ دمشق" لابن عساكر، وفي "كنز العمال" للمتقي الهندي، وهو يساق عادة لإظهار عدل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
وفي الخبر "أن عمر بن الخطاب قدم مكة فجعل يجتاز في سككها فيقول لأهل المنازل: "قُموا أفنيتكم"، أي نظفوها من القمامة، فمر بأبي سفيان فقال: "يا أبا سفيان قُموا فناءكم"، فقال: "نعم يا أمير المؤمنين [عندما] يجيء مُهاننا"، يعني خادمنا.

ثم إن عمر (رضي الله عنه) اجتاز بعد ذلك فرأى الفناء كما كان، فقال: "يا أبا سفيان ألم آمرك أن تقُموا فناءكم؟" قال: "بلى يا أمير المؤمنين، ونحن نفعل إذا جاء مُهاننا". قال الراوي: فعلاه بالدُرة بين أذنيه، فضربه فسمعت هند زوجته فقالت لعمر: "أتضربه، أما والله لربّ يومٍ لو ضربته لاقشعرّ بك بطن مكة". فقال عمر: "صدقتِ، ولكن الله رفع بالإسلام أقواماً ووضع به آخرين".

ومرة أخرى ضع أنت الخبر في سياقه لتقيمه، أبو سفيان ذهب في الجيش لفتح الشام عام 13 هـ، وكان أبو بكر هو الخليفة ثم أصبح عمر الخليفة، وفي بداية عصره كانت موقعة اليرموك التي عمي فيها أبو سفيان، فلما عاد أبو سفيان إلى مكة وهو أعمى وفي السابعة والسبعين من عمره، جاء عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لزيارة مكة، وأمر المكيين أن ينظفوا أفنيتهم.

ثم إن عمر مر من أمام بيت أبي سفيان مرة أخرى فرأى الفناء كما هو، وبعد سؤال من عمر وجواب من أبي سفيان جاء عمر إلى حيث يجلس أبو سفيان وضربه بالدرة بين أذنيه، وهو كما سبق أعمى وفي السابعة والسبعين من عمره.

فأي عدل هذا؟! وأي تكريم لرجل في السابعة والسبعين من عمره، فقد عينيه في الدفاع عن الإسلام، ثم يضرب ويهان؛ لأن خادمه تأخر في تنظيف الفناء؟!
زد على ذلك أن هند كانت قد ماتت منذ عام على الأرجح؛ لأنها كما قيل ماتت في اليوم نفسه الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، وأبو قحافة كما في طبقات ابن سعد مات في مكة سنة 14 هـ، ومعنى هذا أن هند قد ماتت بينما كان زوجها يحارب في الشام، وقبل أن يعود لمكة، وبالتالي قبل زيارة عمر بن الخطاب لمكة.

فكيف الحال؟! وهل فهمت أن الخبر غير معقول وأنه على الأرجح مدسوس عليهما؟
إذا كانت الإجابة نعم فأنت فهمت هذا دون أن تحتاج لمعرفة مذاهب التاريخ، أو أن تكون متبحراً في علم الرجال أو في علم الجرح والتعديل.
أنت فقط تحتاج لعقلك، وأن تكون منتبهاً وأنت تقرأ، وإياك أن تأخذ تاريخك عن الشيعة أو عن السلفيين، والله أعلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
عبد السلام حيدر
أستاذ جامعي متخصص في التاريخ
أستاذ جامعي متخصص في التاريخ
تحميل المزيد