دور التدبير بالمشاريع في ترشيد النفقات العمومية وتحسين التواصل مع المواطنين

إن تطلعنا لبناء نموذج مغربي أصيل في بناء العلاقة "الزبونية" بين الإدارة والمواطن، ينجم أولاً من تساؤلات علمية عديدة، وأعمال أكاديمية متعددة أنجزناها في مناسبات مختلفة، وخصوصاً بعد أول حكومة مغربية عُينت بعد دستور 2011، وبعد تراكمات الربيع العربي (دور الشبكات الاجتماعية ورقمنة مطالب المواطنين في ترسيخ الديمقراطية في العالم العربي: المغرب نموذجاً، محمد أمين المحفوظي،2011).

عربي بوست
تم النشر: 2017/12/22 الساعة 02:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2017/12/22 الساعة 02:00 بتوقيت غرينتش

في هذه السلسلة من المقالات، سنحاول تحليل وشرح كيف يمكن للتدبير بالمشاريع، وفق المعايير الدولية المعروفة عالمياً، أن يساعد الإدارة العمومية خاصة، والدولة بصفة عامة على تحسين عملية التواصل الترابي، وإنعاش التواصل بين الدولة والمواطنين.

II

وضع الأسس "لنهج العملاء" أو "الزبائن" بين الدولة والمواطنين: أول خطوة حقيقية تجاه المصالحة

إن تطلعنا لبناء نموذج مغربي أصيل في بناء العلاقة "الزبونية" بين الإدارة والمواطن، ينجم أولاً من تساؤلات علمية عديدة، وأعمال أكاديمية متعددة أنجزناها في مناسبات مختلفة، وخصوصاً بعد أول حكومة مغربية عُينت بعد دستور 2011، وبعد تراكمات الربيع العربي (دور الشبكات الاجتماعية ورقمنة مطالب المواطنين في ترسيخ الديمقراطية في العالم العربي: المغرب نموذجاً، محمد أمين المحفوظي،2011).

كما أن الهدف المتوخَّى من هذا النموذج هو إرساء نهج تواصلي مستدام بين الدولة والمواطنين، مرتكز أساساً على منطق ثلاثي الأبعاد: "إعلامي"، و"تصريحي"، و"التزامي بالنتائج". لأجل ذلك نقترح نموذجاً فريداً من نوعه، وربما خاصاً بالمغرب فقط، يعتمد منطقاً تواصلياً "تصاعدياً" Ascendant و"سليلياً" Descendant مرتكزاً على المبادئ التالية:

1. أن يتفق الجميع على أن أصغر دائرة للحياة عند المواطن هي "الحي" أو "المقاطعة"، إذا استعملنا الاصطلاح الإداري المعروف.

2. أن يتفق الجميع على أن اهتمام المواطن الرئيسي يتمحور حول التأثير "المباشر" للعمل الحكومي على حياته اليومية، وبالتالي على حيّه؛ مقاطعته الإدارية… هذا التأثير تستعصي اليوم معاينته، ويستحيل تشخيصه عند عموم المواطنين الذين يفتقرون إلى الكفاءة اللازمة، والمعرفة بتحليل المعلومات المكرواقتصادية، وترجمتها إلى الواقع المعاش. وهذا يمثل عندنا أصل الإحباط اليومي عند شرائح الشعب.

3. أن تقوم الحكومة بعملية تنزيل مبسطة ومستدامة للبرنامج الحكومي من الاستراتيجية العامة للدولة (سليلياً) عبر البرامج القطاعية والوزارية، وحتى "المصلحية" (المصالح والأقسام) لتقاطعها وتوصلها بالبرامج المحلية حتى مستوى المقاطعة والحي…

4. أن يسلم الجميع بأن الدولة اليوم لا توفر للمواطنين القنوات المعلوماتية اللازمة والممكنة، لتمكينهم من وضع شكاياتهم وتسجيلها… وهذا الفراغ هو الذي جعل شرائح كثيرة من الشعب تغوص، بل تضيع في متاهات شبكات اجتماعية مختلفة، لا تقنّنها الدولة، ودخيلة على المجتمع المغربي، مما جعل المواطنين يقعون في فخ "الشكاية والتشكي" من كل شيء، وفي كل مكان، والدولة في فخ "الحذر" و"القمع" من، ولكل شيء، وفي كل قطاع…

5. أن تتم عقلنة عملية التشكي أو "الشكاية"، بمنع "التشكي الراديكالي" من كل شيء. من أجل ذلك، يجب على الدولة إعلان التزاماتها بكل دقة، وبالمعقولية والصراحة اللازمتين في كل عملية تواصل بين طرفين. كما يجب أن يكون التصريح الحكومي الأولي دقيقاً ومفصلاً، كما سبق أن أشرنا، حتى يتسنى للمواطنين الالتزام أيضاً بـ"العقلانية"، والتأني في عمليات التشكي الجماهيرية، والدقة في عتاب الدولة ومسؤوليها.

وحتى يتسنى للجميع احترام وتفعيل هذه المبادئ كلها، نعتقد أن كل قطاعات الدولة ستصبح مجبرة على:

1. الاستعمال الحتمي والعاجل لتكنولوجيات المعلومات والتواصل الاجتماعي، على أكبر نطاق، وبطريقة ممنهجة وذكية (وهنا يمكن أن ندرج النواقص العديدة التي ميزت برنامج Maroc Numeric 2013، ومشاريع الإدارة الإلكترونية السابقة، التي كانت جلها غير متصلة بشكل دقيق بحياة المواطنين اليومية. هذا الاستعمال الذكي لا بد أن يرتكز على الإدماج التقني الفعال لبرامج مراقبة الهويات، والدخول "الوحيد" للبوابات الإلكترونية (SSO: Single Sign On)… إلخ، لتجنّب الهويات المزورة والمزايدات الشبابية غير المعقلنة والفوضوية في بعض الأحيان.

2. وضع الإجراءات اللازمة وخلق الهيئات الضرورية لتفعيل كل هذا، التي ستدفع المغرب في اتجاه عهد جديد للديمقراطية، سيتميز غالباً على باقي بلدان العالم العربي، لما للمغرب من خصوصيات، أولها أنه عاش تداعيات الربيع العربي بشكل مختلف تماماً عن البلدان الجارة.

كيف إذاً يمكن تقنين الشكايات والمطالب الشعبية، وتصنيفها على مستوى أجهزة الدولة؟: مبدأ "الحلقة" لإرساء التعريف الواقعي والمقنن للشكايات.

إن "الحلقات الدائرية" للشكايات تشكل "نقطة الاتصال" في نموذجنا. فمن هذا المنطلق سنتمكن من تقييم نتائج نموذج CIRM الذي ننشده، الأمر يستدعي أن تشكل حلقات متعاقبة ومتباعدة عن المواطن، الذي يمثل المركز والنقطة المحورية لكل الحلقات التي تشكل مجموع حاجياته، ابتداء من الحاجيات الرئيسية والأساسية، إلى الحاجيات الأخرى التي يضمنها له الدستور، وقوانين حقوق الإنسان والأعراف… إلخ.

في منهجنا هذا، وإن كنا استعرنا بعض الشيء من هرم Maslow، إلا أن نموذجنا يبقى فريداً وخصوصياً وشاملاً.

حلقات "التشكي" أو "الشكايات" في نموذج CIRM.

ستمكننا حلقات "التشكي" من تنظيم وهيكلة، وحتى تصنيف جلّ المشكلات التي يعاني منها المواطنون.

كما ستمكن هذه التقنية من احتساب معدل ظهور هذه المشكلات، والوتيرة التي تتنامى بها، ومن موضع آخر، وستمكّننا هذه الطريقة من الوصول إلى أعلى مستويات الشفافية في معلومات تشكي المواطنين، وعلى مستوى الوطن بأسره، بحيث تستطيع الدولة أن تتعرف على أصول الشكايات عبر كل المستويات والمراحل: الجهة، المدينة، المقاطعة والحي، وربما حتى شخص المواطن نفسه، وهذا سيمكن رجالات الدولة من اتخاذ الإجراءات بسرعة كبيرة، وفي الوقت المناسب.

وبما أن شكايات المواطنين تختلف من قطاع إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، وأن الانتظارات متباينة من تجمع إلى آخر، فإن حلقات التشكي (Complaints Circle) ستختلف مثلا من قطاع الصحة إلى قطاع التعليم، مروراً بقطاع النقل العمومي… إلخ. فمثلاً في حي من البناء العشوائي ستكون حلقة الربط بماء الشرب والكهرباء، أهم وأقرب إلى انتظارات المواطنين من حلقة الثقافة، التي تستوجب بناء المسارح ودور السينما، كما أن حلقة جودة التعليم داخل القسم ستكون أكثر أهمية وأقرب إلى المواطن "التلميذ" من حلقة الربط بالإنترنت… إلخ. وهكذا دواليك.

إن جل المشكلات الاجتماعية يمكن تصنيفها في مستويات هرمية، مبنية أساساً على شدة التأثير المباشر على المواطن، وهذه المستويات كلها يمكن ربط بعضها ببعض في منطق متشابك يسهل وضعه وإنجازه.

كما أنه ليتسنى لمنهجنا CIRM أن ينجح، لا بد من ربط كل حلقات التشكي عند المواطنين، وتصنيفات مشاكلهم بالبرامج الحكومية بكل تفاصيلها. ولكي يتم ذلك، لا بد للإدارة أن تكون لها القدرة على تفصيل كل اشتغالاتها، وإيصال كل استثماراتها بمشكلات المواطنين، وعبر لوائح للمشاريع مفصلة ودقيقة، ومنزلة حتى المستوى المحلي عبر حلقات التشكي التي تحدثنا عنها.

هذه التقنية هي في منظورنا الطريقة المثلى لربط الاستثمارات العمومية بانشغالات وانتظارات المواطنين، وأحسن وسيلة لترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن وإرساء الدعامة الأساسية لإنجاح عملية التواصل وتعميم التصالح.

والملاحظ أيضاً أن الكثير من مشاريع الدولة تأجلت، ويطول أمد إنجازها لمدة طويلة جداً، ودون أن تحقق الأهداف المرجوة منها، بل إن البعض منها يجهض في وسط الطريق وأثناء عملية الإنجاز…

مشاريع كثيرة تطلق هنا وهناك، دون أن تسهم بشكل دقيق و"مباشر" في النمو الاقتصادي للبلاد، بل دون أن تحقق الأهداف المرجوة (إن كانت قد سطرت بدقة من قبل) في تحسين حياة المواطنين على مستوى الحي والمقاطعة أو الجهة… (هذه هي الصورة النمطية الحاضرة في أذهان عموم الناس).

لذلك فنحن نرى أن هيئة عليا لإدارة المشاريع، تكون تحت وصاية رئيس الحكومة مباشرة، وإن تعذر ذلك يجب خلقها تحت وصاية الملك مباشرة على شكل مكتب وطني للتدبير "المشاريعي" Government PMO، يعمل وفق معايير PMBOK، أو أي معيار دولي لتسيير المشاريع، وتكون مهامه الأساسية ملخصة في نقطتين:

1. تنزيل كل البرنامج الحكومي على شكل مشاريع مرقمة ودقيقة مع مؤشرات التتبع الضرورية والموافقة للقانون المالي للسنة ووفق ميزانية الدولة السنوية.

2. ضمان التنزيل "السليلي" و"التصاعدي" الدقيق والمفصل، بتعاون مع كل مرافق الدولة (القطاع – الوزارة – الولاية – الجهة – المدينة – المقاطعة – الحي… إلخ).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحميل المزيد