ألم الذاكرة وشوشات من ورق

من هنا سافرت إلى مدن الحب والثورة، زمن الكوليرا مع ماركيز، في رواية الحب في أبسط أشكاله، الحب اللاتيني.. رواية العناد والتحدي بعد مرور أكثر من نصف قرن.. رواية الصبر حتى اللانهاية، رواية الحزن، فمن منا لم يحزن على "فلورنتينو اريثا"، ومن منا لم يهتز عندما قالت "فيرمينا دارا": يا للرجل البائس.. رواية الحب المطلق والتحدي المطلق والحزن المطلق.. إنها أسطورة الحب الخالد، الذي يتحدى كل العوائق الوهمية المتمثلة في الزمان والمكان، والظروف الاجتماعية وحتى العمر..

عربي بوست
تم النشر: 2016/06/30 الساعة 06:36 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2016/06/30 الساعة 06:36 بتوقيت غرينتش

وأنا على ضفاف المتوسط هنا في المنفى القديم، والمكان الذي ذبح فيه جهد سنة كاملة من الدراسة بلا هوادة، بكل عنصرية بربرية، وعنجهية تتارية.
وقفت على أطلال أول تجربة في المنفى الاختياري، وتذكرت مرابع اللهو والجد رفقة "محمد لعمى"، بين أحياء تطوان القديمة وأزقتها الضيقة.. روائح الشاي والبن يتقافز بين كراسي المقاهي العتيقة ليضفي على المكان قدسية الصخب المنبعث من كل اتجاه..

أيام فى ضيافة بنت الجبل، التي يضمها "جبل بوعنان" بحنو رأسه الأشيب ثلجاً.. وجلساتنا هنا وهناك على حوافي المقاهي وبمكتبة كنيسة "إرتشوندي"، المتشحة بلونها الكابي الحزين على زمن مضى، والممتلئة رفوفها حد الغص بنوادر الكتب الإسبانية.. همساتنا في المدرجات الجامعية في لحظة مسروقة من غفلة دكتور يلقي محاضراته بكل فخر، وزهو بربطة عنق أو حذاء ملمع.

وشكوانا من قصر مدة الاستعداد للامتحانات، وسرعة الوقت البراقية عندما نحتاجه.. سهراتنا حول استدارة طبلة الشاي المعبق برائحة الوطن.. وتعجب الطلاب، من إسبانية البدويين المتشحين بلباس عصري ضيق، وأسئلة البعض عن كيف تعلمنا لغة المستعمر الكولونيالية، في مدن طمرت فيها لغة الماتادور، واستبدلت عنوة بلغة الماما فرنسا.. نقاشاتنا مع الطلبة المغاربة اليساريين، المناضلين المؤمنين بكل المبادئ الكونية إلا التي تعطينا حقنا.. وفي الحقيقة ليسوا سوى مرضى بازدواجية الفكر.. فهم أدنى من أن يحملوا صفة شبه مناضل، فما بالك بمناضل.. ما زال يرن في أذني رنين كلمات المعتوه، رئيس الشعبة التي سكبت النار في خاطرنا، عندما قال: إن أوراقنا حرقت.. فأحرق بكلامه المعد مسبقاً كل حلم جميل راودنا ذات نشوة في المنام.. وكم كان وقحاً في عذره، أن كل ما يوجد لديه هو نقط معلقة في صبورة النقاط، أو في حاسوبه الذي حسب وحسم أمرنا بلا ضمير إنساني، متصل أو مستتر.. فقط لأننا قلنا على الملأ إن الكثيب الكئيب أطهر من ينزع دراعته ويرتدي جلباباً، حتى وإن نزعت غصباً، ولبست له الأخرى تحت لعلة الرصاص..
وقفت أيضاً شارداً ومندهشاً كمغترب، أنظر في تضاريس اليراع بشهوة علي أجد سكيناً أقتل به رتابة الكتابة.. أو ما يلهمني كي أسكبه حبراً على وجه الورق الأبيض.. ووفاء لمن يعشقون القراءة، ووفاء لتعطشي للكتابة، فقد صارت المهرب اللحظي من قيود الألم.. ومن أجل ترويض هذا القلم، حتى لا تموت الكتابة والقراءة فينا.. وأملاً في أن ننفث الغبار عن ثروتنا الورقية المعطرة بحبر بوح أخاذ..

هنا تمخضت أحلامي وحلمت في إغفاءة الكرى، وفي صحوة العقل أن أمتلك مكتبة تحمل ما يثير الانتباه من عناوين، وما يثير الإعجاب من كتب..
هنا في مرتيل تحولت من قارئ محب للشعر والقصائد، إلى مسافر متن الروايات..

هنا عرفت ميغيل دي ثيربانتس بلغته الأم، وكيف استفاق الدونكيخوتي متأخراً من هلوساته التي جعلته تارة يحارب طواحين الهواء، وتارة أخرى يقطع رؤوس الدمى المتحركة، وكيف أدرك أن كل حروبه كانت خاسرة فقط لأنه توهمها.. أو أن أشباح الجهل السوداء التي تحتضنها كتب الفروسية، هي التي أوهمته بها..

من هنا سافرت إلى مدن الحب والثورة، زمن الكوليرا مع ماركيز، في رواية الحب في أبسط أشكاله، الحب اللاتيني.. رواية العناد والتحدي بعد مرور أكثر من نصف قرن.. رواية الصبر حتى اللانهاية، رواية الحزن، فمن منا لم يحزن على "فلورنتينو اريثا"، ومن منا لم يهتز عندما قالت "فيرمينا دارا": يا للرجل البائس.. رواية الحب المطلق والتحدي المطلق والحزن المطلق.. إنها أسطورة الحب الخالد، الذي يتحدى كل العوائق الوهمية المتمثلة في الزمان والمكان، والظروف الاجتماعية وحتى العمر..

وبدأت رحلة سعيد السعيدة، التي لم تنتهِ بعد في عوالم الأدب.. تحت تأطير المعلم النبيل مراد الروح، الذي ألهمني من معارفه ونهلت من علمه، وأغرقني بنبله.. فتارة ها أنا مع فلاديمير نابوكوف، رفقة لوليتا وهمبر همبر.. وأخرى مع ديستوفيسكي والإخوة كارامازوف، أو "تريكة البطاش" كما جاء عنوان المسلسل المغربي، الذي خطه السيناريست "شفيق السحيمي" والمقتبس من الرواية.. ومرة نحط الرحال في عوالم جورج أورويل، آخذاً بيدي نتجول في مزرعة الحيوان.. ونتجول في شوارع الأنظمة الشمولية في روايته 1984، ومرة مع الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال، وأخرى في تونس مع الطلياني وزينة نتجول منتعلين جمال اللغة التي جاد بها قلم شكري المبخوث، مرة في الكلية ومرة في الجريدة وها نحن نعيش انقلاب بن علي على بورقيبة، وكيف تحول عبد الناصر الطلياني من مناضل يساري إلى صحفي في جرائد النظام يخدم إيديولوجية كان ينتقدها، ويكافح من أجل إبادتها..

وبلا أجنحة أطير من تونس إلى موريتانيا الحبيبة، رفقة حسن ولد المختار في حي جامبور، بمدينة القديمة (الدريسة)، وأعانق توأمة موريتانيا والصحراء الغربية، في الطابوهات والطقوس والأساطير.. لتنتقل بي قريحة محمد ولد أمين، وقدرته التصويرية باليراع والمحبرة إلى موريتانيا زمن الاستعمار، وأعيش مع جوزيف بلانشيه رحلة العروج بالذاكرة، عبر الصوم والتوق، للبحث عن تاريخ أمه "منينة منت مخيطير لعيور". تلك البدوية التي تزوجت فرنسياً لتنجب طفلاً، له نسب أوروبي وسحنة بيظانية "سمراء" بلون الأديم، له أبوان، أب على ورق، وأب بيولوجي.. نبذه أهله في الدم، لأنه وصمة عار على شعب الطابوهات، ونبذه أهله النصارى لأن لونه ولون جنسيته غير سواء؛ ليعيش وهو يحمل في قرارة نفسه إحساساً بالدونية، وجرح التباس الهوية والانتماء، وكم كان يتقاطع هذا المشكل مع خيوط تعنكبت هنا على أرض الكثيب الكئيب من انشطارات في هذه وذلك..

و في الجرأة على الشوق، تجرأت على المشي مع حميدة نعنع على أرصفة المنافي الباردة.. وعشت معها حزنها على جنوب لبنان، وهو يتمزق بجنون رصاص الحرب الأهلية.. ورأيت قصة حبها للقيادي الصحراوي في جبهة البوليساريو "عمر محمد سيداتي".. وعودتها إلى فرنسا حزناً على الدم العربي الذي سال هباء منثوراً هنا وهناك..

عشت الخوف والصلابة مع "الآخرون"، حسونة المصباحي ورفاقه، في مدن أوروبا هروباً من أحذية العسكر والجلاد..
ومع عراقي في باريس انتقل بي صامويل شمعون من مدينة إلى أخرى، ومن حانة إلى حانة، مرة أسكر معه في باريس وأخرى في ألمانيا، وأحياناً نفترش الأرض ونلتحف السماء على أرصفة شوارع المنافي الصقيعية الخرساء..

وبين دفتي روايتها "قواعد العشق الأربعون"؛ العابرة لحدود الدين والزمن، جعلت مني إليف شافاق، عاشقاً صباً يعرف عمق الحب في داخله، وصوفيا حلاجيا، يشطح في حضرة جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.. نقلتني بين سطورها من عصر إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، وظلت تطوف بي الأماكن والبلدان، كنحلة متعطشة لرحيق جميع أزهار الغابة.. عشت معها قرنين في قالب روائي؛ القرن الثالث عشر والحادي والعشرين.. وكيف أحبت إيلا
اليهودية الأميركية، عزيز الصوفي المسلم الذي كان ملحداً يسارياً.. وضحت بدفء أسرتها، من أجل حب يسبح ضد تيار دين يحرم هكذا علاقات..

عشت زمن الثورة في روسيا مع كورشتاغين، في رواية "كيف سقينا الفولاذ".. وكيف انتصرت المطرقة الاشتراكية على العنجهية الرأسمالية..
ولا أنسى أصابع لوليتا، وهي تسحب الشوك من ذاكرة الكاتب الجزائري المنفي يونس مارينا، نوة التي جاءت إلى الدنيا في ليلة يعانق فيها الليل المطر، ويتغزل الرذاذ بمحيا الأديم.. عشت هنالك معها حبها ووجعها، عالم الأنوار ساطعة هنالك في الصقيع، وأسجاف الظلام المدقع في وطن خطفته أيادي الاستبداد، وكلاب العقيد..

وشممت رائحة الحب الزكية في محراب الصبابة والهوى، شممتها في صفحات "طوق الياسمين"، إنجيل الحب الذي دبجت آياته أصابع واسيني الأعرج..
ذقت ملوحة الدمع ذات صبى حين أهداني "الداه" رواية العبرات للمنفلوطي، رغم تعثري في بلاغة الرجل، وصعوبة عباراته..

قرأت الخميائي لباولو كويلهو ولم تعجبني، بل حكمت عليها بالموت في مزبلة الأدب خنقاً بالتهميش.. حتى تجادلت مع أستاذي الإسباني، ذات صباح امتحان شفوي بكلية الآداب بمدينة أكادير المغربية، حول أيهم أكثر روعة الرواية العربية أم الغربية.. وتعجب حين قلت له: إن الأدب الروسي هو الحقيقي والباقي مستنسخ، وإن الخميائي لا تصل إلى درجة الرائعة فما بالك بالعالمية؛ لأنها خواء من أي عمق في نظري على الأقل.. فقال لي بتواضع عظيم، وهدوء المتأكد: إنها تغوص في عمق الإنسان العربي الذي أهمل كنزه الذي بين يديه، وذهب في رحلة تيه يبحث عن مجد من وهم في الفلاة، فعاد بخفي حنين.. أحسست لحظتها أن التلميذ العربي أصغر من حشرة صغيرة، وأن هذا الأندلسي رأى ما لم أرَ فداسني بعلو كعبه التحليلي.. فصمت، ولم أنبس ببنت شفة، حتى في محاولاتي المشاكسة تحشرجت حشرجة ميت يلفظ أنفاسه الأخيرة..

رأيت وسمعت وعشت، الوجع المغنى بالحنان والألحان، في رواية البتول المحجوب "بوح الذاكرة وجع جنوبي".. ورأيت الوجه الخمري وقسماته الحزينة، شممت رائحة القرنفل الزكية تحت جذائل الأم المشرع فؤادها على الانتظار، والحنين إلى شهيد قتل وطمر رفاته دون تسلسل رقمي يتيح لقياه.. وكيف وثقت أصابع أبو هديل التقديم، الذي أغرق الجلاد في ذل جرمه.. عشت وجع الخليل الجليل والضفاف، وجع الطنطان في أتون الحكايلة..

وهنا جاءني أبو هديل بالفتوى: "أن اركض يا سعيد فركبتاي لم تعد تحتمل المسير.. اركض يا سعيد.. لا يهمك لؤم الناس ولا نتانة الخنازير.. اركض ولو تدثرت الغابة بظلام الغانيات.. اركض يا سعيد".

هذه رحلتي التي لم تنتهِ بعد.. ولا أريدها أن تنتهي، ولن تنتهي.

– أهدي هذه التحبيرة إلى:
"محمد لعمى" رفيق أرصفة المنفى الاختياري الأول..
وإلى أقلام كثيب العزة القابضة على الجمر، أولئك المشاءون على وجه ماء الطواطم بكل ثقلها ثقة.. "أبو هديل" زيوس الكثيب، "مراد الروح" دكتور ترجمة خلجان أحاسيسنا وبخور المحبة الفواح، "سيدة الحكاية"، بتول الضفاف وخنساء الكثيب الكئيب، الماحق المعتوه، توأمي "شيخ الرفاق"، حبر الزنزانة الحرة والمتمردة على مستطيل السماء، المسيَّج بإسمنت المنع.. سادة الأقلام، ذياك المنبع الحبري الذي لا يبخل عن العطاء، والذي ارتويت من غدير مداده المعتق زلالاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تحميل المزيد