تتواصل الاحتجاجات الإيرانية، وسط تقارير عن توسعها في أوساط الطلاب، وانتقال الاضطرابات إلى مناطق تجار البازار، والذين لعبوا دوراً مهماً في سقوط نظام شاه إيران خلال الثورة الإسلامية عام 1979، فيما بدأ النظام يتهم المحتجين بأنهم يحملون أجندة انفصالية لتفكيك البلاد.
ورغم انتشار الاحتجاجات في كل البلاد بما في ذلك العاصمة، فإن اللافت أنها كانت أقوى في المنطقة التي تسكنها الأقلية الكردية السنية في شمال غرب البلاد، فيما سقط أغلب الضحايا في منطقة البلوش، وهم أقلية سنية تسكن في جنوب شرق البلاد. ولا يعرف عدد القتلى بالتحديد، أشار التلفزيون الحكومي آخر مرة إلى مقتل 41 شخصاً على الأقل في المظاهرات حتى 24 سبتمبر/أيلول. ولم يكن هناك تحديث بعد ذلك من قبل الحكومة الإيرانية.
ولكن بياناً صادراً عن منظمة حقوق الإنسان الإيرانية غير الربحية ومقرها النرويج، والتي تقول إن لديها أعضاءً داخل وخارج إيران، زعم أنه "قُتل ما لا يقل عن 185 شخصاً، من بينهم ما لا يقل عن 19 طفلاً في جميع أنحاء إيران".
ويشمل ذلك ما يقدر بنحو 90 شخصاً قتلوا في أعمال عنف في مدينة زاهدان في إقليم سيستان وبلوشستان بشرق إيران، حيث وقع نصف عدد القتلى في هذا الإقليم.
وقالت منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن قتلت 66 شخصاً، بينهم أطفال، في حملة دموية يوم 30 سبتمبر/أيلول، وإن المزيد من الناس قتلوا في المنطقة في حوادث لاحقة. ووصفت السلطات الإيرانية عنف زاهدان بأنه شمل انفصاليين لم تسمهم، دون تقديم تفاصيل أو أدلة.
وبدأت الاحتجاجات الإيرانية بعد مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، في 16 سبتمبر/أيلول، بعد إلقاء القبض عليها في عهدة شرطة الأخلاق الإيرانية في طهران.
وتصر الحكومة الإيرانية على أن أميني لم تتعرض لسوء المعاملة، لكن عائلتها تقول إن جسدها ظهرت عليه كدمات وعلامات أخرى للضرب. وأظهرت مقاطع فيديو لاحقة قيام قوات الأمن بضرب وتدافع المتظاهرات، بما في ذلك النساء اللائي مزقن الحجاب الإلزامي.
التوتر يصل للبازار
وقالت وكالة أنباء "إيسنا" إن تجمعات احتجاجية وصفتها بالمتفرقة، خرجت، السبت، في أكثر من 10 مناطق في العاصمة طهران.
وأضافت الوكالة أن المحتجين أضرموا النار في مركز تابع للشرطة في أحد الأسواق (البازارات) جنوبي العاصمة، وأن قوات الشرطة حاولت تفريق المحتجين بعد أن عززت وجودها في عدة مناطق بطهران.
وأعربت أوساط حكومية في إيران عن توجسها من توسع إضرابات المحلات التجارية، في وقت اتهم قائد وحدة في شرطة طهران، وقوف من وصفهم بـ"الأوباش" بالوقوف وراء التجمعات التي هزت بازار طهران القديم مطلع الأسبوع الرابع على اندلاع الاحتجاجات، حسبما ورد في تقرير لصحيفة الشرق الأوسط السعودية.
وواصل طلبة جامعات عدة في إيران تجمعاتهم في اليوم الـ23 على تفجر الاحتجاجات المنددة بالسلطات، وألقى محتجون قذائف مولوتوف على مقرات للباسيج في ضواحي طهران. ورددت طالبات في جامعة الزهراء شعار "الباسيج والحرس… أنتم داعشنا"، كما رددن أغاني ترددها الأمهات لتأبين ضحايا الاحتجاجات.
وأظهرت مقاطع فيديو استمرار الاحتجاجات في عشرات المدن، صباح أمس الأحد، ونزل آلاف الأشخاص في حي نازي آباد الفقير جنوب العاصمة. وكان لافتاً أن عناصر الشرطة انتشرت بين المحتجين من دون اللجوء إلى قمع المسيرة الاحتجاجية، وذلك على نقيض الصدامات التي شهدتها مناطق عدة في طهران، يوم السبت.
من طهران وغيرها، ظهرت مقاطع فيديو على الإنترنت على الرغم من قيام السلطات بتعطيل الإنترنت. وأظهرت مقاطع فيديو بعض النساء يسرن في الشوارع دون غطاء للرأس، بينما تصدت أخريات للسلطات وأشعلن النيران في الشارع، مع استمرار الاحتجاجات للأسبوع الرابع.
وتمثل المظاهرات أحد أكبر التحديات التي تواجه الثيوقراطية الإيرانية منذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009.
الاحتجاجات تتصاعد في مناطق الأكراد
وتصاعدت حدة الاحتجاجات في سنندج، عاصمة محافظة كردستان العراق، حيث وقعت أعمال العنف في ساعة مبكرة من صباح الإثنين في سنندج، عاصمة إقليم كردستان الإيراني، وكذلك في قرية سالاس باباجاني بالقرب من الحدود مع العراق، بحسب جماعة كردية تُدعى منظمة هينجاو لحقوق الإنسان، وسمع دوي لإطلاق النار.
وترددت أصوات طلقات نارية وانفجارات على ما يبدو في وقت مبكر من يوم الإثنين في شوارع المدينة التي أصبحت بؤرة للاحتجاجات، وقال نشطاء إن رجلاً واحداً على الأقل قتل على أيدي قوات الأمن في قرية قريبة.
كانت أميني كردية، ما جعل وفاتها ذات تأثير خاص في المنطقة الكردية الإيرانية، حيث بدأت المظاهرات في 17 سبتمبر/أيلول في جنازتها هناك.
ونشرت منظمة هينجاو لقطات وصفتها بأنها دخان يتصاعد في أحد أحياء سنندج، مع ما بدا وكأنه نيران بندقية سريعة يتردد صداها في سماء الليل، وكان يمكن سماع صراخ الناس.
كما ظهر مقطع فيديو بشع تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت، وهو يُظهر راكباً يُقتل بالرصاص في أحد شوارع المدينة بعد الظهر. وقالت وسائل إعلام أجنبية وجماعات حقوقية كردية إن الشاب قتل على يد قوات الأمن، لكن ضابطاً بالشرطة قال إن "معادين للثورة" قتلوه.
وأفادت وسائل إعلام رسمية أن أحد عناصر الحرس الثوري الإسلامي قُتل في سنندج، يوم السبت. كما قُتل أحد أفراد قوة الباسيج شبه العسكرية في طهران.

وأفادت وكالة أنباء فارس شبه الرسمية، اليوم الإثنين، أن إسماعيل زارع كوشه، محافظ إقليم كردستان الإيراني، زعم أن جماعات مجهولة "خططت لقتل شبان في الشوارع"، يوم السبت.
كما اتهم كوشة هذه الجماعات، التي لم تسمها، في ذلك اليوم بإطلاق النار على شاب في رأسه وقتله، وهو هجوم ألقى النشطاء باللوم فيه على قوات الأمن الإيرانية، يقولون إن القوات الإيرانية فتحت النار بعد أن أطلق الرجل بوق سيارته عليهم. وأصبح التزمير أحد الطرق التي يعبر بها النشطاء عن العصيان المدني.
في غضون ذلك، استهدفت أعمال شغب في أحد السجون مدينة رشت، ما أسفر عن مقتل العديد من السجناء هناك، بحسب ما ورد. لم يتضح على الفور ما إذا كانت أعمال الشغب في سجن لاكان مرتبطة بالاحتجاجات، على الرغم من أن رشت شهدت مظاهرات عنيفة في الأسابيع الأخيرة منذ وفاة أميني.
وأغلقت السلطات الإيرانية جميع المدارس ومنشآت التعليم العالي في كردستان الإيرانية، أمس الأحد، في محاولة على ما يبدو لتهدئة الاضطرابات في المجتمع الكردي بسبب وفاة أميني، حسبما ورد في تقرير لموقع Axios الأمريكي.
الغرب يفرض مزيداً من العقوبات على إيران
وأصدرت دول غربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، عقوبات ضد المسؤولين الإيرانيين، بسبب حملة القمع المستمرة التي تشنها طهران على توافر الإنترنت والاحتجاجات في إيران.
ودعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك إلى اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين عن القمع العنيف ضد الاحتجاجات الإيرانية.
وقالت أنالينا بربوك إن ألمانيا ستضمن قيام الاتحاد الأوروبي بتجميد الأصول وفرض حظر على الدخول.
ووصفت من "يضربون النساء والفتيات في الشارع" بأنهم يقفون في "الجانب الخطأ من التاريخ".
من المتوقع أن يتخذ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قراراً بشأن العقوبات في 17 أكتوبر/تشرين الأول، وفقاً لوكالة رويترز للأنباء.
هل تتحول الاحتجاجات الإيرانية لنزعات انفصالية أم أن هذا مجرد دعاية من النظام؟
تتهم وسائل الإعلام الغربية وسائل الإعلام الحكومية وأنصار الحكومة الإيرانية، على وسائل التواصل الاجتماعي، بأنهم يعمدون زوراً لوصف الاحتجاجات بأنها حملة انفصالية مناهضة لإيران من قبل الجماعات الكردية.
تتجاهل الرواية الحكومية تماماً حقيقة أن المتظاهرين في طهران وغيرها من المدن هم من جميع الخلفيات العرقية والدينية المختلفة، وما زالوا يدعمون الاحتجاج ضد نظام طهران، وهم يهتفون بالشعار الكردي: "المرأة، الحياة، الحرية".
لأول مرة، يبدو أن الإيرانيين من مختلف المناطق والأيديولوجيات يتحدون ضد النظام.
وحذر رئيس البرلمان الإيراني، يوم الأحد، من أن الاحتجاجات قد تزعزع استقرار البلاد، وحث قوات الأمن على التعامل بقسوة مع أولئك الذين زعم أنهم يعرضون النظام العام للخطر، مع دخول الاضطرابات في أنحاء البلاد الأسبوع الثالث.
ونهاية الشهر الماضي، أفادت وسائل إعلام إيرانية مرتبطة بالدولة، بمقتل ما يصل إلى 19 شخصاً، بمن فيهم قائد في الحرس الثوري، في هجوم شنه انفصاليون مسلحون على قاعدة للشرطة في مدينة زاهدان الشرقية.
وقال التلفزيون الرسمي إن انفصاليين مسلحين اختبأوا بين المصلين وهاجموا قاعدة للشرطة بالقرب من المسجد في زاهدان، وذكرت وكالة تسنيم شبه الرسمية للأنباء، أن رئيس مخابرات الحرس سيد علي موسوي أصيب خلال الهجوم بالرصاص وتوفي في وقت لاحق.
ولا يشكل الفرس سوى 61٪ من سكان إيران، والأذربيجانيون 16٪ (أغلبهم شيعة ولكن يتحدثون لغة قريبة للتركية) والأكراد 10٪ (أغلبهم سنة) ، واللور 6٪ (قومية وسط بين الفرس والأكراد)، والبلوش 2٪ (أغلبهم سنة) والعرب 2٪ (أغلبهم شيعة مع نسبة كبيرة من السنة)، والتركمان والقبائل التركية الأخرى 2٪، وغيرهم (مثل الأرمن، التاليش، الجورجيون، الشركس، الآشوريين) 1٪، حسب تقدير موقع CIA Factbook، فيما ترفع مكتبة الكونغرس نسبة الفرس إلى 65٪، حيث تقدر بأن الفارسية هي اللغة الأولى لما لا يقل عن 65٪ من سكان البلاد، وهي اللغة الثانية لمعظم الـ35٪ المتبقية.
كانت هناك حركات انفصالية بين الجماعات العرقية في تاريخ إيران، وقد أدى بعضها إلى إنشاء دول مستقلة -حتى ولو لفترة قصيرة- مثل جمهورية مهاباد الكردية والحكومة الشعبية الأذربيجانية، التي أنشأها السوفييت في نهاية الحرب العالمية الثانية. كما تفشى العنف في مناطق الأقليات بعد ثورة 1979، وخاصة في العامين الأولين من الجمهورية الإسلامية.

ومع ذلك، فإن معظم المطالبات التي أثارتها الأقليات العرقية تمثل مطالبهم لإزالة التمييز ومعالجة مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من التطلع إلى الانفصال عن إيران.
علاوة على ذلك، هناك حساسية كبيرة في إيران -حتى بين منتقدي النظام الإيراني- تجاه الميول الانفصالية، وخاصة أي محاولة خارجية لتشجيع الفصل العرقي، ما قد يقوض التماسك الإقليمي لإيران ويؤدي إلى تفككها.
على الرغم من الاحتجاجات المتزايدة في السنوات الأخيرة، لا يزال العديد من الإيرانيين، بمن فيهم المعارضون والمنتقدون للجمهورية الإسلامية، قلقين بشأن احتمال أن يكون البديل للنظام الحالي أسوأ، وأن التغيير الثوري قد يؤدي إلى فوضى سياسية، وقد يتم استغلاله من قبل أعداء إيران لتفكيك وطنهم الأم، وقد ازداد هذا القلق بشكل أقوى بالنظر إلى تجربة الربيع العربي في العقد الماضي، حسب تقرير للمجلس الأطلسي Atlantic Council.
يقول تقرير الموقع إنه لا تبدو فرصة استغلال الانقسامات العرقية لتحريض الأقليات على الثورة ضد طهران ضئيلة فحسب، بل قد تكون ذات نتائج عكسية، وتشجع العديد من الإيرانيين على "الالتفاف حول العلم" للحفاظ على وحدة أراضي بلادهم.
وقد يكون ذلك هو المسعى الرئيسي للنظام الإيراني حالياً، وهو تخويف الأغلبية الفارسية من تفكك البلاد. في المقابل، فإنه بالنظر إلى القوى العسكرية مثل قوات الأمن والحرس الثوري، تحديداً المرتبطة بالبنية الأيديولوجية للنظام، فإن إنهيار النظام قد يؤدي بالفعل إلى تعرض البلاد لخطر التفكك، خاصة في ظل دور ضعف الجيش أو احتمال دخوله في مواجهة مع الحرس الثوري بسبب الخلاف على الاحتجاجات.
كما أن الطبيعة الجغرافية للبلاد، ولمناطق تركز الأقليات، تعنى أنه لا يجب استبعاد هذا الاحتمال، حيث توجد حركات انفصالية بأشكال متفاوتة في مناطق الأكراد والبلوش (المناطق الأكثر عنفاً في الاحتجاجات)، وهما قوميتان سنيتان، كما أن عرب الأحواز (أغلبهم شيعة) ظهرت بينهم دعوات للانفصال، رغم أن هناك شكوكاً حول مدى قوة هذه الحركات لديهم، إضافة لاسيتاء الأذربيجانيين (ثاني أكبر قومية في البلاد بعد الفرس، وأكثر الأقليات نفوذاً) من دعم طهران لأرمينيا في مواجهة أذربيجان في حربهما الأخيرة.
ولذلك بقدر ما أن التفكك يبدو ورقة بالأساس في يد النظام لتخويف الأغلبية الفارسية من الاحتجاجات، فإنه لا يمكن استبعاد أن الخطر قائم بالفعل، خاصة أن الدول الغربية يهمها إسقاط النظام، سواء بحلول نظام بديل أو تفكيك البلاد، فهي مسألة لا تهمهم كثيراً، كما أن علاقة الدول الغربية الوثيقة في دعم الدويلة الانفصالية الكردية في شمال سوريا، والتي تهدد وحدة سوريا وتركيا على السواء، رغم أن أنقرة عضو بالناتو، تجعل احتمال دعم الغرب لأكراد إيران أمراً محتملاً إذا تطورت الأمور.
كما أن تجربة العراق وسوريا، تشير إلى أن سقوط نظام مركزي استبدادي مثل صدام حسين أو تراجع قوته، لا يؤدي بالضرورة لتفكك البلاد لدويلات، ولكن قد يكون خلق نظاماً ضعيفاً يصعب عليه السيطرة على طموحات الأقليات التي تتصاعد، حيث يسعى عادة قادة الأقليات لأن تصبح مناطقهم مستقلة فعلياً، وأن يصبح لديهم فيتو على قرارات الحكومة المركزية.
والمفارقة أن إيران تتحالف مع حزب العمال الكردستاني في تركيا وجناحه السوري المعروف باسم حزب الديمقراطي السوري، كما ذكرت تقارير غربية، ولكن اليوم قد تواجه طهران خطر أن يحاول حزب العمال الكردستاني أن يكرر عبر فرعه الإيراني (حزب الحياة الحرة الكردي) مشروعه الانفصالي في إيران نفسها.
بالنسبة للنظام الإيراني فإن تركز الاحتجاجات في مناطق الأقليات، وإكسابها طابعاً انفصالياً، يضمن له التفاف الأغلبية الفارسية حوله لقمع احتجاجات الأقليات، ولكن المشكلة أن هذا الرهان يحمل مخاطرة مزدوجة بتغيير النظام وتعرض البلاد لخطر التفكيك.
وسواء أكانت تلميحات المسؤولين الإيرانيين بالطابع الانفصالي للاحتجاجات صحيحة أم لا؛ فإنه في الأغلب سوف تخيف قطاعاً كبيراً من الأغلبية الفارسية منها.