ثمة سؤال هام ومثير بات يطرح نفسه الآن، وهو كيف يمكن أن تراقب دول العالم خفض الانبعاثات الحرارية التي وعد بها المجتمعون في قمة المُناخ التي أقامتها الأمم المتحدة؟
في السابق، اضطر العلماء إلى الاعتماد إلى حدٍّ كبيرٍ على تقديرات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بناءً على الصيغ التي تأخذ في الاعتبار حرق الوقود الأحفوري والأنشطة الزراعية والصناعية، من بين أمورٍ أخرى.
هل الحل في الأقمار الصناعية؟
انتشار الأقمار الصناعية يتيح المزيد من قياسات غازات الاحتباس الحراري في الهواء حول العالم. ويساعد ذلك في تحديد مصادر الانبعاثات، وبالتالي مساءلة البلدان والشركات بناءً على وعودها المتعلِّقة بالمناخ، بحسب تقرير لصحيفة Washington Post الأمريكية.
قال آل غور، نائب الرئيس الأمريكي سابقاً، في فعاليةٍ على هامش قمة المناخ: "هناك كليشيه قديم أنا واثقٌ من أنك سمعته مليون مرة: أنه يمكنك إدارة فقط ما يمكنك قياسه". يدعم آل غور Climate Trace، وهو تحالفٌ من منظماتٍ غير ربحية ومؤسسات أكاديمية تستخدم صور الأقمار الصناعية والتعلُّم الآلي لتحقيق "نظام جديد للشفافية الجذرية"، بحسب ما قاله لصحيفة Washington Post الأمريكية.

تمتلئ قاعات قمة الأمم المتحدة للمناخ، كما هو مُتوقَّع، بالابتكارات الجديدة التي تعِد بالمساعدة في مكافحة التغير المناخي. هناك سيارة إسعاف تعمل بالهيدروجين تقف في العرض، وعلى مسافةٍ قريبةٍ منها هناك أول سيارة سباق كهربائية في العالم بمقعدين. وهناك أيضاً تقنياتٌ تهدف إلى جعل المزارع أكثر استدامةً، وأخرى تسعى إلى تقليل هدر الطعام.
ولكن هنا، خارج العالم الواقعي، أصبح يُنظَر إلى الأقمار الصناعية بشكلٍ متزايد على أنها أداةٌ مهمةٌ لتحديد وقياس غازات الاحتباس الحراري والكشف عنها في الغلاف الجوي. أطلقت الحكومات هذه الخطة ولديها خططٌ لإطلاق المزيد. وتسعى الشركات الخاصة ومجموعات المناصرة لتفعيل هذه الخطط، وكذلك شركات تحليل البيانات التي تعمل على كمياتٍ هائلة من معلومات الغلاف الجوي.
"كوكب اليابان" يشارك بقدراته
وفي جناحها داخل القمة، تعرض اليابان 6 من الأقمار الصناعية التي تحتفظ بها وكالة الفضاء التابعة لها لمراقبة التغيرات في الأرض والمحيطات والغلاف الجوي.
واستخدمت وكالة الفضاء الأوروبية القمة كفرصةٍ لها لعرض الرؤى "غير المسبوقة" التي تقدِّمها أقمارها الصناعية حول الكوكب، بما في ذلك أكوامٌ من البيانات حول غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
وقالت الوكالة: "تضطلع مراقبة الأرض بدورٍ رئيسي في تمكين المجتمع الدولي من تحديد التقدُّم المُحرَز انطلاقاً من اتفاقية باريس".

بدأ العدد المتزايد باطراد من الأقمار الصناعية في تقديم لمحاتٍ كاشفة عن مصادر وحجم تلوُّث غازات الاحتباس الحراري. وأحد الأمثلة الرئيسية على هذه الغازات هو الميثان.
كتب باحثو جامعة كولومبيا في أكتوبر/تشرين الأول 2020 في ورقةٍ توضِّح بالتفصيل الدفع السريع لرصد الانبعاثات من الفضاء بشكلٍ أدق: "يصبح عالمنا بشكلٍ متزايد مكاناً تبرز فيه انبعاثات الميثان بصورةٍ متزايدة".
وعلى وجه الخصوص، كتب الباحثون أن "الإدراك السيئ لانبعاثات الميثان من المُرجَّح أن يصبح شيئاً من الماضي". وتوصَّلَت الورقة إلى أنه على مدار السنوات الخمس المقبلة، يمكن لأنظمة الأقمار الصناعية الجديدة، بالتنسيق مع القياسات المأخوذة من الطائرات والشاشات الأرضية، أن "تزيد بشكلٍ ملحوظ من الشفافية المتعلِّقة بتسرُّب الميثان".
وكانت تلك الطائرات وأنظمة المراقبة على الأرض مفيدةً في إجراء القياسات داخل البلدان والمناطق. لكن الأقمار الصناعية تقدِّم صورةً أشمل.
وقال مارك براونستين، نائب الرئيس الأول للطاقة في مجموعة مناصرة صندوق الدفاع عن البيئة: "إذا كانت هذه مشكلةً محلية أو إقليمية أو وطنية، فلن تحتاج بالضرورة إلى قمرٍ صناعي للقيام بذلك". وأضاف: "يصبح القمر الصناعي مهماً لأنه يسمح بجمع البيانات بكفاءةٍ وبصورةٍ روتينية على نطاقٍ عالمي".
تعمل بعض الأقمار الصناعية للكشف عن الميثان، وتجمع كمياتٍ هائلةً من البيانات التي يمكن أن تساعد العلماء في تحديد المصادر المهمة لهذا الغاز المسبِّب للاحتباس الحراري.
نموذج مثالي يمكن تطبيقه
المثال الأبرز من ضمن هذه الأقمار الصناعية هو Sentinel-5P، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي أُطلِقَ عام 2017. يزن هذا القمر السداسي حوالي 500 رطل، ويعتمد على الأجنحة الشمسية في المدار. يدور حول الكرة الأرضية 14 مرة في اليوم، من مسافة 500 ميل فوق سطح الأرض، ويغطي سطح الأرض بالكامل تقريباً مرتين في الشهر، علاوةً على أنه يوفِّر معلوماتٍ أساسية عن مجموعةٍ من غازات الغلاف الجوي التي تؤثِّر على جودة الهواء والمُناخ.
تعمل الأقمار الصناعية الأخرى وكأنها عدساتٌ مُقرِّبة، إذ إنها قادرةٌ على التقريب على مستوى أدق لتحديد الانبعاثات من منشآتٍ معينة. وإحدى الشركات الرائدة في هذا النهج هي شركة GHGSat، ومقرها كندا، والتي أطلقت في يناير/كانون الثاني القمر الصناعي الثاني من أسطولٍ يتضمَّن 10 أقمار صناعية عالية الدقة تخطِّط لإطلاقها جميعاً في المدار في نهاية المطاف.

قال الرئيس التنفيذي للشركة، ستيفان جيرمان، في مقابلةٍ مع صحيفة Washington Post هذا العام: "نشهد مواقع فردية ليس إلا"، بما في ذلك منجم فحم واحد أو بئر غاز واحدة.
يمكن أن يساعد هذا النوع من الأقمار الصناعية عملاء الشركة، بما في ذلك شركات النفط والغاز، في تحديد وإصلاح تسرُّبات الميثان الحالية. لكن هذه الأقمار تساعد أيضاً في منح المنظِّمين مزيداً من الاطلاع على المواقع التي تحتاج إلى مراقبة.
وفي إحدى فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ، قال جيرمان إن الشركة أصدرت مجموعةً من بياناتها من السنوات الخمس الأولى من التشغيل.
وقال جيرمان: "لقد بدأت تظهر بعض الاتجاهات المثيرة للقلق. فقد شهدنا في العام الماضي وحده تسارعاً هائلاً في انبعاثات غاز الميثان من النفط والغاز، وتسارعاً كبيراً في انبعاثات الفحم.. والأنماط في ذلك واضحةٌ جداً".
من المُقرَّر أن يستمر نشر الأقمار الصناعية في المدار بوتيرةٍ مُذهِلة خلال السنوات المقبلة.
وفي عام 2022، بعد سنواتٍ من التخطيط والبناء، تخطِّط شركة EDF لإطلاق MethaneSat، وهو نظامٌ قادرٌ على تحديد انبعاثات الميثان عبر منطقةٍ جغرافية واسعة، فضلاً عن قياس التسريبات في مواقع مُحدَّدة مسبَّقاً. وتقول الشركة إن القمر الصناعي سيكون قادراً على مراقبة المناطق التي تمثِّل أكثر من 80% من إنتاج النفط والغاز العالمي بانتظام، وتحديد معدَّل انبعاثات مصادر معينة من غاز الميثان.
في أبريل/نيسان، أعلنت ولاية كاليفورنيا عن مشروع Carbon Mapper، وهو شراكةٌ بين القطاعين العام والخاص مع مختبر الدفع النفَّاث التابع لوكالة ناسا، وشركة Planet لمراقبة الأرض التي تخطِّط لإطلاق أقمار صناعية في المدار لتتبُّع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. يقول رايلي دورين، المسؤول عن المشروع، إنه يعتقد أن المشروع سيساعد في سدِّ الفجوات في المعرفة ويفضي إلى معلوماتٍ قابلة للتطبيق حول مصادر مُحدَّدة -من مدافن القمامة ومزارع الألبان إلى آبار النفط والغاز التي تتسرَّب منها غازات الاحتباس الحراري.
خطة أمريكا لمتابعة الانبعاثات الحرارية
ولدى الحكومة الأمريكية خططٌ أيضاً لتكثيف المراقبة. في ربيع هذا العام، أعلن جو بايدن عن جهدٍ تقوده وكالة ناسا لجمع بياناتٍ مناخية أعقد في السنوات المقبلة. ولدى ناسا بالفعل خططٌ بحلول عام 2024 لإطلاق مرصد الكربون الثابت للأرض، الذي يحمل اسم GeoCarb، وهو قمرٌ صناعي سوف يدور على ارتفاع 22 ألف ميل فوق الأمريكتين ويجمع ملايين الملاحظات يومياً حول تركيزات ثاني أكسيد الكربون والميثان والغازات الأخرى.
لم تكن الأقمار الصناعية وحدها هي التي أدَّت إلى مزيدٍ من التبصُّر بشأن انبعاثات العالم، بل أيضاً التحليلات الأعقد للبيانات التي تجمعها هذه الأقمار.

على سبيل المثال، استخدمت شركة Kayrros بياناتٍ من قمر Sentinel-5P لتحديد "مصادر انبعاث فائقة" لغاز الميثان في أجزاءٍ مختلفةٍ من العالم -بما فيها مكب نفايات ضخم يتسرَّب منه الغاز في بنغلاديش، وأعمدة ميثان مذهلة فوق حقول الغاز في ألبرتا، كندا، ومناجم الفحم في سلسلة جبال ألاباش.
قال أنطوان هالف، كبير المحلِّلين والمؤسس المشارك لشركة Kayrros، لصحيفة Washington Post، قبل أقل من عقدٍ من الزمان: "لم يكن لدى أحدٍ أدنى فكرة عن مصدر الميثان. أما الآن، فنحن نعرف كلَّ شيء.. لقد غيَّرَت التكنولوجيا قواعد اللعبة".
لكنّ هالف وآخرين يقرون بأنه لا يزال هناك الكثير من العمل والقيود.
يمكن للغطاء السحابي إحباط قياسات الأقمار الصناعية، ولا يوجد جهازٌ واحد يغطي كلَّ ركنٍ من أركان الأرض طوال الوقت، ما قد يسمح بمرور التسريبات الكبيرة، ولكن المتقطِّعة، دون أن تُكتَشَف.