سر معاقبة السعودية للمنتجات الإسرائيلية المصنعة بالإمارات، هل تطلق رصاصة الرحمة على التطبيع السري؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/07/07 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/07/07 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي السابق وصهره غاريد كوشنر كان يدفعان باتجاه تطبيع سعودي إسرائيلي/رويترز

تبدو إسرائيل قابعة في قلب مشهد الخلاف السعودي الإماراتي، حيث قررت السعودية مؤخراً استبعاد المنتجات ذات المكونات الإسرائيلية من الإعفاء الجمركي الخليجي ضمن عقوباتها على أبوظبي، فما دلالة هذا القرار، وهل يعني نهاية التطبيع السعودي الإسرائيلي السري؟

كانت السعودية قد أعلنت أمس الأول الإثنين، تعديل قواعد الاستيراد من دول الخليج، في إجراء تعتبر الإمارات المتضرر الأكبر منه، ونظر له أنه تصعيد خطير في الخلاف الإماراتي السعودي، الذي يتمحور حول تمديد اتفاق نفطي ضمن منظمة أوبك ومساعي الإمارات لزيادة حصتها من الإنتاج.

ويتضمن القرار السعودي استبعاد فئات عدة من السلع من اتفاق الإعفاء الجمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأغلب فئات هذه السلع مركزة في الإمارات.

ولكن اللافت أنه من بين هذه السلع التي تم استبعادها من اتفاق الإعفاء الجمركي الخليجي تلك التي يدخل فيها مكون من إنتاج إسرائيل، أو صنعته شركات مملوكة بالكامل أو جزئياً لمستثمرين إسرائيليين، أو شركات مدرجة في اتفاق المقاطعة العربية لإسرائيل.

تبدو لغة القرار كما لو كانت تعود لأيام القومية العربية الكلاسيكية، أكثر منها لعصر صفقة القرن واتفاقات إبراهام.

ومع أن القرار موجه بالأساس إلى الإمارات، إلا أن تضمنه السلع ذات المكونات الإسرائيلية لا يمكن النظر إلى أن هدفه معاقبة الإمارات فقط.

فقد يكون دلالة هذا القرار أنه نوع من الزجر لإسرائيل، أو التراجع عن التطبيع السعودي الإسرائيلي، أو على الأقل رسالة أنه لم يعد أولوية في السياسة السعودية، لدرجة أنه يمكن استخدامه من قِبل الرياض لمعاقبة أحد حلفائها.

تاريخ التطبيع السعودي الإسرائيلي

لم يحدث تطبيع علني بين السعودية وإسرائيل، ولم تنضم الرياض رسمياً لاتفاقات إبراهام، ولم تؤيد علناً صفقة القرن التي أطلقها ترامب، ولكن يعتقد على نطاق واسع أنها باركت التحركين سراً، (وأنها طرف أساسي فيهما)، وأن انضمام البحرين تحديداً، الحليف الأقرب للسعودية، لاتفاقية إبراهام، ما هو إلا قرار سعودي لجس النبض في هذا الاتجاه.

كما أنّ تقارير إعلامية متعددة تحدثت عن عقد قمة غير معلنة في نهاية ولاية ترامب، بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، وقيل إن القمة ركزت على التعاون ضد إيران.

كما أثارت هذه القمة مخاوف في الأردن من أن مصير الأقصى قد يكون مطروحاً في صفقة تطبيع بين البلدين، تتضمن شكلاً من أشكال الوصاية السعودية على الأقصى بالمشاركة مع الأردن، أو إقصائه، حسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

ولكن لم تحدث خطوات تطبيعية على الأرض كبيرة معلنة، باستثناء زيارات وتحركات لبعض النشطاء السعوديين تجاه إسرائيل، وهي تحركات لا يمكن إطلاقاً أن تتم دون توجيه من السلطات السعودية، فيما هناك حديث عن تعاون سري كبير يشمل التعاون الاستخباراتي، وحديث عن إمكانيات للتعاون العسكري، مثل الحديث عن اهتمام سعودي وخليجي بصفة عامة بالقبة الحديدية الإسرائيلية المضادة للصواريخ.

التطبيع السعودي الإسرائيلي السري
حفل توقيع اتفاقات إبراهام في البيت الأبيض/رويترز

ولكن المظهر العلني الأهم للتطبيع السعودي الإسرائيلي كان السماح للطائرات المدنية الإسرائيلية بالمرور عبر الأجواء السعودية، بينما ظل الخفي والقابل للتكهن في التطبيع السعودي الإسرائيلي أكثر من المعلن، وسط حديث عن رفض الملك سلمان للتطبيع دون حل القضية الفلسطينية، وهو ما انعكس على عدم حدوث تغير كبير في مواقف السعودية الرسمية في المحافل الدبلوماسية، كالجامعة العربية، تجاه القضية الفلسطينية.

ويقول بروس ريدل، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمتخصص في الشؤون الخليجية، لصحيفة Financial Times البريطانية: "السعودية هي الهدف المنشود في عملية التطبيع، لكن مع وجود الملك سلمان، وهو مؤمن حقيقي بالقضية الفلسطينية، فمن غير المرجح أن يحدث ذلك في أي وقت قريب".

ماذا حدث بعد رحيل ترامب؟

اللافت أنه منذ رحيل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي كانت لديه علاقة وثيقة مع الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، أفضت لعلاقة وثيقة أيضاً مع الأمير محمد بن سلمان، فإن السياسة السعودية تشهد تغييراً طفيفاً.

يمكن القول إنه منذ مجيء بايدن والسياسة السعودية تشهد عملية ترتيب أوراق للتعامل مع الرجل الذي جعل قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي وحرب اليمن جزءاً رئيسياً من حملته الانتخابية، ولقد بدا ذلك واضحاً في إطلاق السعودية مبادرتها للسلام في اليمن، والتي تجاهلها الحوثيون، فيما بدا أنها موجهة للأمريكيين أكثر من الحوثيين.

واتسمت السياسة السعودية منذ وصول بايدن بدرجة من الكمون والتهدئة، وبعد أن كانت لا تخفي غضبها من المساعي الأمريكية لإحياء الاتفاق النووي مع إيران، سعت للتعامل مع الأمر الواقع، وفتح مسارها التفاوضي الخاص مع طهران عبر بغداد.

وفي ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي لم تحدث تطورات معلنة أو غير معلنة، بعدما كان الحديث يدور من قبل عن تحالف خليجي إسرائيلي ضد إيران، ستكون القضية الفلسطينية أحد أثمانه، ولكن أصبح حديث التحالف مقتصراً على الإمارات.

منع طائرة إسرائيلية من عبور أجواء المملكة

واللافت أنه في مايو/أيار 2021، أعلنت شركة الطيران الإسرائيلية أن طائرة تابعة للناقل الجوي الرسمي في الدولة العبرية، فشلت في الحصول على تصريح للتحليق عبر المجال الجوي السعودي، وهو واحد من أهم مكتسبات التطبيع السعودي الإسرائيلي.

وكانت السعودية أعلنت السماح بمرور الطائرات المقبلة من تل أبيب للمرة الأولى، في سبتمبر/أيلول 2020، بعد أن دشّن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي السابق، جاريد كوشنر، الخط الجوي بين دولتي السلام الإبراهيمي إسرائيل والإمارات.

وحسب موقع "i24 news" الإسرائيلي، فإن "الأمريكيين تواصلوا مع السعوديين، الذين أوضحوا أن طلب تصاريح العبور في المجال الجوي لم يتم توجيهه بشكل صحيح، وطلبوا من الآن فصاعداً توجيه طلبات العبور عبر قنوات أخرى، وبعد توضيح الأمر، منحت السعودية التصاريح اللازمة للانتقال للرحلات الجوية".

وسبق ذلك تعليق وزير الخارجية السعودي على خطوات السلام بين عواصم عربية وإسرائيل، نهاية العام الماضي، بالقول إن "المملكة ملتزمة بالسلام على أساس خطة السلام العربية".

ولفت الأمير فيصل بن فرحان إلى أن بلاده "عندما دعمت مبادرة السلام في 2002 كانت لديها رؤية بأن تكون هناك علاقات بين جميع الدول العربية وإسرائيل، ومن ضمنها السعودية"، مضيفاً أنه "يرى أن الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب عرقلت فرص السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين".

وتنص مبادرة السلام، التي تدعو السعودية إليها، على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة حتى خط الرابع من يونيو/حزيران 1967، والتوصل إلى حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

المتابع للسياسة السعودية أو ما يُطرح بشأن تحركاتها يلاحظ خفوت حديث التطبيع السعودي الإسرائيلي منذ تولي بايدن السلطة.

بالنسبة للسعودية، كان قرار التطبيع أصعب وأكثر إيلاماً من الإمارات، يقول مصدر مطلع على تفكير الرياض لـ"فايننشيال تايمز"، إن السعودية "تختلف للغاية" عن الإمارات، وقال المصدر: "الإمارات أصغر وليس لديها هذا العنصر الديني. وما لدى الإمارات لتخسره أقل بكثير مما لدى السعودية، كما أن ما لديها لتقدمه أقل بكثير. ولدى السعوديين ما يقلقون منه إذا فعلوا ذلك بالفعل، لأن العالم الإسلامي بكامله سينتقدها حينها".

ولكن السعودية رغم أثقال التطبيع على مكانتها الدينية والسياسية وتأثيراته على الرأي العام الداخلي لديها، توجهت له لسببيين أساسيين، التحالف ضد إيران، وليكون التطبيع ورقة اعتماد لدى الأمريكيين.

بالنسبة للهدف الأول، يبدو أن السعوديين قد اقتنعوا بأن إدارة بايدن تريد إبرام اتفاق نووي مع إيران، وأن عليهم أن يبحثوا عن اتفاقهم الخاص مع طهران، خاصة في ظل صعوبة التخلص من المأزق اليمني بدون موافقة إيرانية.

وفيما يتعلق باستخدام التطبيع كأداة لتقوية الموقف السعودي داخل واشنطن، فإنه من الواضح أن إدارة بايدن لا تحتفي بموجة التطبيع الأخيرة، ولا تبارك صفقة القرن المتزامنة مع هذه الموجة، وتراهما وسيلة لتصفية القضية الفلسطينية، بالطبع لا تستطيع الإدارة قول ذلك علناً، ولكن هذا ما يبدو من مواقفها.

وبالتالي في عهد بايدن، فإن الثمن السياسي للتطبيع بالنسبة للسعودية يبدو أكبر من مكاسبه.

هل هناك تنافس على ود إسرائيل؟

 لا يمكن استبعاد أن تصاعد التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، لدرجة التحالف لم يعد مستفزاً للدول المناهضة لإسرائيل والإمارات فقط، بل أصبح مستفزاً للدول الحليفة والصديقة لهما مثل مصر والسعودية، خاصة أن الإمارات تحاول أن تستخدم التطبيع لخدمة مصالحها، حتى على حساب حلفائها، مثلما يحدث في مسألة التعاون مع إسرائيل لإيجاد بدائل لقناة السويس كخط غاز إيلات عسقلان.

ولا يمكن استبعاد أن قرار السعودية بإقصاء المنتجات ذات المكونات الإسرائيلية من الإعفاء الجمركي الخليجي، هو رسالة تذكير لإسرائيل بألا تبالغ في المراهنة على تحالفها مع الإمارات، وأن الرياض هي الدولة الرئيسية في المنطقة.

لا يعني ما سبق أن السعودية ستدخل في حالة عداء مع إسرائيل، أو تتخلى عن فكرة التطبيع نهائياً، ولكن على الأرجح التطبيع السعودي الإسرائيلي لم يعد له أولوية لدى الأمير محمد بن سلمان، وأن الأمر يبدو أنه يخضع لعملية مراجعة، على غرار المراجعة الواسعة للعلاقات السعودية باللاعبين الرئيسيين بالمنطقة مثل الإمارات وتركيا وقطر ومصر وإيران وسوريا، وهي عملية مراجعة لم تنته بعد على ما يبدو، ولم تستقر على شكل نهائي للمرحلة القادمة للسياسة الخارجية السعودية.

تحميل المزيد