عادت أزمة الصلاحيات في تونس لتُرخي بظلالها على القطيعة "الشكلية" بين رئيس البلاد قيس سعيّد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب.
أزمة الصلاحيات في تونس التي بدأت منذ رفض سعيّد استقبال وزراء التعديل الحكومي، لا زالت مستمرة، خصوصاً بعد التحركات الخارجية الأخيرة لكل من المشيشي والغنوشي، التي اعتبرها رئيس البلاد تجاوزاً لصلاحياته الحصرية كرئيسٍ منتخب من صناديق الشعب.
وحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر خاصة، فإن قيس سعيّد لم يُفوت فرصة للتعبير عن رفضه لتحركات المشيشي والغنوشي، إذ رفض استقبال سامي أبوزهري، الناطق الرسمي باسم حركة حماس الذي زار تونس قبل أيام، وذلك بسبب أن أبوزهري التقى الغنوشي قبل طلب لقاء سعيد.
الخطوة التي أقدم عليها عضو حركة حماس الفلسطينية، اعتبرها سعيّد تجاوزاً له، وقفزاً على التقاليد الدبلوماسية الدولية.
بالإضافة إلى أزمة الصلاحيات في تونس، لم ينفث القانون الأساسي للمحكمة الدستورية من نار الصراع بين البرلمان التونسي والرئيس قيس سعيد، إذ تعالت الأصوات التي تطالب الرئيس بالتوقيع على القانون لتجاوز الأزمة السياسية في البلاد.
أزمة الصلاحيات في تونس
وفيما استبشر التونسيون خيراً ببقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي نهاية الشهر الماضي، بعد أشهر من الخلاف والتوتر والجفاء، لم يُفوت سعيد فرصةً لتمرير رسائل مبطنة للمشيشي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، مفادها أنه "المسؤول الأول على العلاقات الخارجية في البلاد، وأن أي تحرك خارجي يجب أن يكون بتنسيق مع رئاسة الجمهورية".
رسائل الرئيس تأتي بعد زيارة المشيشي إلى ليبيا رفقة عدد من الوزراء ورجال الأعمال، وكذلك زيارة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى قطر الشهر الماضي.
وفي هذا السياق يشير المحلل السياسي مختار كمون إلى أن "الغنوشي يُحاول السطو على الصلاحيات الخارجية للرئيس، رغم أن تحركاته في هذا الشأن تراجعت مؤخراً في إطار تخفيف التوتر، وتحضيراً لاتفاق يبدو أنه يطبخ على مهل".
أما بالنسبة لزيارة الغنوشي إلى قطر فأكد كمون في حديثه مع "عربي بوست" أنها كانت بدعوة من الدوحة التي تسعى إلى المساعدة على التوصل إلى اتفاق وتوافق بين أطراف الصراع، على شاكلة التوافق الذي ساعدت في التوصل إليه بين الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي والغنوشي.
أما عن ثمار الزيارة فيُشير كمون إلى أن "نفس الرسائل التي أبلغها القطريون للغنوشي أبلغوها للمشيشي، ومفادها: نحن مستعدون للمساعدة لكن بشرط التوصل إلى حل مع الرئيس قيس سعيد الذي أصبح موقفه قوياً خارجياً، خاصة بعد التحولات الإقليمية الكبيرة وانفراج الأزمة بين الدول الخليجية ومصر مع كل من تركيا وقطر".
لكن النائبة عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي أوضحت لـ"عربي بوست" أن "زيارة رئيس حركة النهضة إلى قطر تُوضع في إطار الدبلوماسية الحزبية، والهدف منها هو توفير الدعم القطري لتونس وليس منازعة رئيس الجمهورية في صلاحياته"، مضيفة أنه "لا يوجد أي قانون يمنع رئيس حزب من زيارة دولة أخرى ولقاء قادتها".
ووصفت النائبة البرلمانية الكسيكسي أن "الزيارة التي قام بها راشد الغنوشي إلى قطر ناجحة"، مشيرة إلى أن "رئيس حزب النهضة يعتزم القيام بزيارات أخرى لعواصم عربية وغربية".
تحركات المشيشي الخارجية
يُحاول رئيس الحكومة التونسي هشام المشيشي من خلال عدد من الزيارات لعدد من الدول العربية البحث عن دعم مالي خارجي، يمكّنه من تعبئة موارد الدولة في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها تونس، بالإضافة إلى بحثه عن دعمٍ معنوي بعد تزايد الضغوطات الداخلية عليه، والتي تطالبه بالاستقالة والتنحي.
وقام المشيشي خلال الأسابيع الماضية بزيارتين إلى كل من ليبيا وقطر، دعمها حلفه ومن بينهم حركة النهضة، فيما أوضحت أحزاب المعارضة أنها لن تسمن أو تغني من جوع.
نائب رئيس الكتلة الديمقراطية في البرلمان التونسي عبد الرزاق عويدات، قال لـ"عربي بوست" إن "رئيس الحكومة هشام المشيشي يحاول التغطية على فشله السياسي، وأن يُثبت للجميع وخاصة من يطالب برحيله بأنه ناجح، وذلك من خلال السعي للحصول على دعم مالي من الدول التي زارها وخاصة ليبيا وقطر لتعبئة موارد وميزانية الدولة".
وأضاف عويدات أن "الهدف من جولة المشيشي الخارجية الأخيرة هو تخفيف الضغط الشعبي والسياسي عليه وعلى الحكومة، في ضوء الاحتجاجات بعد رفع أسعار المواد الغذائية، وإصرار رئيس الجمهورية على رحيله كنقطة أساسية ومحورية للدخول في حوار لحل الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ مدة".
وأكد نائب رئيس الكتلة الديمقراطية أن "زيارات المشيشي فشلت حتى الآن في تحقيق أهدافها، إذ لم تنجح في توفير الدعم المالي المنتظر في ظل رفض صندوق النقد الدولي منح تونس قرضاً جديداً حتى الآن.
العودة للبداية
وفي الأثناء أعاد رد الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، بأنها غير مختصة للنظر في مشروع قانون المحكمة الدستورية الذي صادق عليه البرلمان للمرة الثانية ويرفض رئيس الجمهورية التوقيع عليه، (أعاد) الأزمة بين البرلمان ورئاسة الجمهورية إلى مربعها الأول.
وعاد الجدل والغموض السيطرة من جديد على الساحة السياسية بين مطالبات لرئيس الجمهورية بختم القانون وبين قراءات أخرى تشير إلى أنه ليس مجبراً على توقيعه.
وفي هذا السياق أكدت أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي لـ"عربي بوست" أن "رئيس الجمهورية قيس سعيد أصبح ملزماً دستورياً بختم قانون المحكمة الدستورية في ظرف 4 أيام من تاريخ المصادقة الثانية عليه في البرلمان".
وأكدت القليبي أن "رئيس الجمهورية الذي يمنحه الدستور الصلاحية الحرية لختم والأمر بالنشر القوانين في الجريدة الرسمية، إلا أن هذا الاختصاص أصبح مقيداً بعد تمرير مشروع قانون المحكمة الدستورية على قراءة وتصويت ثانٍ في البرلمان".
وفي المقابل أوضحت النائبة عن حركة الشعب في مجلس نواب الشعب ليلى الحداد أنه "لا يوجد أي قانون يُلزم رئيس الجمهورية بتوقيع قانون المحكمة الدستورية".
وأكدت المتحدثة في تصريح لـ"عربي بوست" أن "رد هيئة مراقبة دُستورية مشاريع القوانين والذي لم تقدم فيه أي موقف أو رأي بخصوص الطعن المقدم من رئيس الجمهورية، لا يُلزم سعيد بإمضاء مشروع قانون المحكمة الدستورية".
وأشارت الحداد إلى أن أزمة المحكمة الدستورية سياسية بامتياز وأنه يجب حل هذه الأمور في إطار سياسي.