لا أخفي عليكم أنني من المعجبين باللاعب الدولي الجزائري رياض بودبوز، ولذلك سأحاول أن أكون قاسياً معه في قادم السطور، لكي أبدو موضوعياً في تحليلي لمشواره الاحترافي، وقاسياً معه أيضاً لأنه خيب ظني ولم يبلغ المستوى الذي كنت أتمنى وأتوقع أن يصل إليه.
فقد وضع نادي سانت إيتيان الفرنسي رياض بودبوز ضمن قائمة اللاعبين المدعوين لمغادرة الفريق خلال الميركاتو الصيفي الجاري، على الرغم من أن النجم الجزائري كان يعتبر، في الموسم الماضي، أحد أعمدة النادي.
وتشير آخر الأخبار إلى أن بودبوز محل اهتمام نادي بوردو الفرنسي، ليكون بذلك في طريقه للعب مع فريق آخر و يواصل بالتالي رحلة عدم الاستقرار في مشواره الرياضي.
وقبل أن نصل إلى الموسم الذي لعبه بودبوز مع سانت إيتيان، وسبب قرار النادي الفرنسي التخلي عن خدماته، دعونا نتعرف باختصار على المسار الاحترافي للاعب الجزائري لنكتشف من خلاله بعض الأمور والعوامل وحتى العراقيل التي منعته من اللعب ضمن أندية الصفوة الأوروبية، بعدما كان يعتبر قبل 10 سنوات من بين أبرز المواهب الكروية العالمية الصاعدة.
البدايات
ولد رياض بودبوز يوم 19 فبراير/شباط 1990 ببلدة "كولمار" بمنطقة "الألزاس" الفرنسية، من أبوين جزائريين تعود أصولهما إلى مدينة خنشلة بجبال الأوراس.
وبدأ رياض ممارسة رياضته المفضلة في سن مبكرة ضمن فرق صغيرة بكولمار، قبل أن ينضم لمدرسة نادي سوشو الفرنسي في عام 2002، حيث بدأت تتشكل تفاصيله الفنية ويكتسب مميزات متوسط الميدان الهجومي، ومن ثم تدرج ضمن مختلف فرق الفئات العمرية الصغرى للنادي، إلى غاية التحاقه بالفريق الأول وإمضائه لأول عقد احترافي في عام 2008، وهو في سن الـ18 فقط.
خاض بودبوز مباراته الأولى في دوري الدرجة الأولى الفرنسية لكرة القدم يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2008 أمام نادي نيس، وسجل أول أهدافه كلاعب محترف يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني في مرمى نادي لومانس (2-1) لحساب الجولة الـ13 من الدوري الفرنسي.
أما أفضل أداء له مع سوشو فكان في موسم 2010-2011، حيث سجل 8 أهداف ومنح 7 تمريرات حاسمة، ما جعل جريدة "الهداف" الرياضية الجزائرية تمنحه جائزة أفضل لاعب شاب في سنة 2010، ثم الكرة الذهبية لأفضل لاعب جزائري في عام 2011.
وواصل رياض تألقه مع سوشو في الموسم الموالي (2011-2012) بتسجيله 6 أهداف ومنحه 6 تمريرات حاسمة، ورأى النجم الجزائري حينها أنه قد حان الوقت لتغيير الأجواء والانتقال إلى فريق ذي مستوى أفضل يمنحه فرصة الظهور على الصعيد القاري والمشاركة في مسابقة دوري أبطال أوروبا، خاصة أنه كان محل اهتمام أحسن الفرق الفرنسية، في ذلك الوقت، على غرار ليون ومارسيليا.
"خيانة" مارسيليا منعرج سلبي في مساره الرياضي
وفي الوقت الذي كان فيه بودبوز يترقب أن يكون صيف 2012 بمثابة منعرج إيجابي في مشواره الاحترافي، فإن العكس هو الذي حدث، وذلك بسبب "سذاجته" و سوء تقدير وكلاء أعماله.
خلال الميركاتو الصيفي لعام 2012، منح رياض موافقته المبدئية للمدير الرياضي لنادي مارسيليا، في ذلك الوقت، جوزيه أنيغو، بالانضمام لنادي الجنوب الفرنسي، في انتظار الاتفاق الرسمي مع إدارة نادي سوشو حول الشروط المالية للصفقة، وقد كان النجم الجزائري سعيداً بقرب تعاقده مع النادي الذي يناصره منذ صغره، حتى أنه ظهر في إحدى المناسبات مرتدياً قميص مارسيليا، وكأنه متأكد من حسم الصفقة.
لكن بودبوز ظل ينتظر حزم أمتعته للانتقال إلى مدينة مرسيليا إلى غاية اليوم الأخير من الميركاتو، دون أن يتلقى إشارة الرحيل من نادي سوشو الذي طلب حينها 8 ملايين يورو لتسريحه، كما تفاجأ في الأخير من "خيانة" مدرب مارسيليا، إيلي بوب، الذي صرح بأنّه "لا نقاش حول القدرات الفنية لبودبوز، لكن الأولوية في النادي هي تدعيم خط الدفاع وليس لخط الهجوم"، وذلك في إشارة منه إلى أنه لم يعد بحاجة لضم المهاجم الجزائري.
ارحل أيها العربي القذر!
وتأثر بودبوز كثيراً من الناحية المعنوية بعد فشل هذه الصفقة، خاصة بعدما تلقى سخط جزء كبير من جماهير نادي سوشو التي لم تتقبل تفضيله مارسيليا على فريقها، وقد بلغ السيل الزبى لما تم وضع لافتة بمدرجات ملعب "بونال" بسوشو خلال مواجهة نادي مونبيلييه في شهر سبتمبر/أيلول 2012، كُتب فيها "بودبوز ارحل" ، كما تلقى اللاعب هتافات عنصرية على غرار "ارحل أيها العربي القذر فمكانك ليس هنا".
وقد تكررت تلك الهتافات المسيئة في الكثير من المباريات التي خاضها بودبوز مع سوشو في موسم 2012- 2013 ما انعكس على أدائه فوق الميدان في بداية موسم 2012-2013، حيث اكتفى بتسجيل 3 أهداف وصنع 6 أهداف أخرى، ثم انتهت مغامرة اللاعب مع فريق صغره بالرحيل إلى جزيرة كورسيكا في صيف 2013 للانضمام لنادي باستيا، مقابل مليون يورو فقط.
وأتوقف هنّا لأتساءل كيف صبر بودبوز على إساءات وجحود جماهير سوشو إلى غاية نهاية الموسم، في حين كان بإمكانه طلب الرحيل في سوق التحويلات الشتوية نحو فريق آخر حتى ولو كان أقل مستوى، بحثاً عن راحة البال وإعادة شحن البطاريات.
المهم… لعب بودبوز مع باستيا موسمين، قاده خلالهما لنهائي كأس الرابطة الفرنسية لكرة القدم لعام 2015، التي خسرها أمام العملاق باريس سان جيرمان برباعية نظيفة.
وفضل بودبوز تغيير الأجواء مرة أخرى فلم تمانع إدارة باستيا رحيله في فترة الانتقالات الصيفية لسنة 2015 نحو نادي مونبيلييه مقابل 1.7 مليون يورو، حيث كان النادي الكورسيكي بحاجة لمبلغ 1.3 مليون يورو لتفادي عقوبة السقوط إلى دوري الدرجة الثانية من طرف لجنة المراقبة المالية للأندية التابعة للرابطة الفرنسية المحترفة.
وتألق بودبوز بشكل لافت مع مونبلييه، وخاصة في موسمه الثاني مع الفريق (2016-2017) حيث سجل 11 هدفاً وصنع 9 أهداف أخرى في 33 مباراة بالدوري الفرنسي، ما جعله ينال جائزة أفضل لاعب في النادي للموسم، ويجلب أنظار نادي ريال بيتيس الإسباني الذي تعاقد معه في أغسطس/آب 2017 لمدة 3 سنوات، في صفقة بلغت قيمتها 7 ملايين.
عندما انتقل بودبوز إلى الدوري الإسباني وهو في كامل نضجه الرياضي والشخصي، اعتقدت أنه قد أتيحت أخيراً لرياض فرصة إظهار موهبته الكروية في أفضل وأشهر مسابقة في العالم، لكن وعلى الرغم من المهارات الفنية التي أظهرها في العديد من مباريات الليغا، فإنه لم يكن بتلك الفعالية التي تسمح له بلفت انتباه مسؤولي العملاقين برشلونة أو ريال مدريد، بحيث اكتفى في الموسم الأول ( 2017-2018) بتسجيل 3 أهداف ومنح 3 تمريرات حاسمة، وذلك بسبب تعرضه لإصابتين؛ واحدة مع بداية الموسم، شهر أغسطس/آب، والثانية أبعدته عن الميادين في منتصف سبتمبر/أيلول إلى منتصف أكتوبر/تشرين الأول.
فقدان ثقة كيكي سيتين
ثم اكتفى رياض بخوض 9 مباريات في النصف الأول من الموسم الثاني (2018 -2019) بسبب فقدانه لثقة المدرب كيكي سيتين، المدير الفني السابق لنادي برشلونة، قبل إعارته لنادي سيلتا فيغو الإسباني في يناير/كانون الثاني 2019، والمشاركة في 11 مباراة، سجل خلالها هدفاً واحداً وصنع هدفين آخرين.

وعاد رياض إلى الدوري الفرنسي في الموسم الماضي (2019-2020) للعب في صفوف نادي سانت ايتيان الذي قاده لنهائي كأس فرنسا لكرة القدم، الذي خسره أمام باريس سان جيرمان (0-1)، قبل أن يطلب منه مسؤولو النادي البحث عن فريق جديد في الموسم القادم، ليس لأسباب رياضية بل بسبب راتبه الكبير، المقدر بـ190 ألف يورو شهرياً، حيث تريد إدارة النادي التخلص من لاعبي أصحاب الرواتب الكبيرة، كالجزائري بودبوز والتونسي وهبي الخزري والفرنسي يان مفيا، وذلك قصد ترشيد موازنته المالية.
وتشير آخر الأخبار إذن إلى أنّ رياض بودبوز سينضم في الميركاتو الصيفي الجاري لنادي بوردو الفرنسي، وهو في سن الـ30، أي على مقربة من الاعتزال، دون أن يحقق "تكهن" المدرب السابق لمنتخب الجزائر، رابح سعدان، الذي صرح في ديسمبر/كانون الأول 2010 لمجلة " فرانس فوتبول" الشهيرة، أي قبل 10 سنوات، بأنه يرى أنّ رياض بودبوز ومواطنه كريم مطمور، قادرين على أن يكونا مرشحين مستقبلاً لجائزة "الكرة الذهبية" لأفضل لاعب في العالم، ولكن بشرط اللعب ضمن نادٍ كبير.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.