كيف أضاع المجتمع الدولي فرصة تلو الأخرى لمنع الصراع في ليبيا، وهل فات الأوان وحلّت الكارثة؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2020/03/03 الساعة 13:02 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/03/04 الساعة 05:49 بتوقيت غرينتش
اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد - الشبكات الاجتماعية

ينزلق الموقف في ليبيا بصورة متسارعة نحو الهاوية وتبدو الأمور مرشحةً أكثر من أي وقت مضى لتكرار مأساة سوريا، وها هو غسان سلامة قد استسلم وترك منصبه، فما الذي أوصل الأمور لتلك الدرجة؟ والأهم هل تتوقف الدول الغربية عن تكرار أخطائها الفادحة قبل فوات الأوان؟

مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: "إرث ليبيا: حالة فشلٍ في منع الصراع"، ألقى الضوء على تاريخ الصراع في ليبيا وكيف ضاعت الفرصة تلو الأخرى ليس فقط لمنع الصراع ولكن أيضاً لبناء دولة مدنية عقب سقوط القذافي.

كيف كانت البداية؟

تبدو ليبيا المرشّح الأضعف لتدخُّلٍ خارجي -لا يُشكّل تهديداً- بغرض منع الصراع، إذ تُوشك الحرب الأهلية الليبية على إدخال البلاد في السيناريو السوري، في ظل تدخُّل فيالق القوى الأجنبية على جانبي الصراع، وسقطت مدينة سرت الساحلية البارزة، كما حظيت المعركة على العاصمة طرابلس بتدفُّقٍ جديد من المرتزقة الأجانب الذين يقطعون في الوقت نفسه صادرات النفط الحكومية.

وفي بلدٍ فاجأنا بإعطاء العالم "دروساً مستفادة" على مر السنوات -تشمل "المسؤولية عن الحماية" و"القيادة من الخلف" و"اليوم التالي للكارثة"- يبدو أن الأمر المأساوي الأكثر إثارةً للسخرية يتعلّق بمنع الصراع، إذ ما يزال منع الصراع على رأس أولويات البعض، مثل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لكنّه قد يُمثِّل مهمةً صعبة.

ووفقاً للحكمة التقليدية، لطالما كانت ليبيا مستنقعاً لعدم الاستقرار والنزاعات، ومثالاً نموذجياً على مدى صعوبة منع الصراع وإحلال الاستقرار في أعقابه، وباختصار، تُمثّل ليبيا الوجه الإعلاني لمخاطر بناء البلاد. ورغم ذلك يُظهِر السرد الأكثر دقة لتاريخها الحديث أنّه في أعقاب الإطاحة بالزعيم القديم معمّر القذافي عام 2011، كانت ليبيا في الواقع مستقرةً لعامين قبل زعزعة استقرارها، وظلّت مستقرةً لعامٍ أو عامين آخرين قبل أن تهوي بالكامل أكثر في هُوّة الصراع المُتقطّع.

أول الفرص الضائعة

وبعيداً عن الأسطورة القائلة إن ليبيا دخلت في الفوضى مباشرةً بعد القذافي، فستكشف النظرة الأقرب إلى السنوات الأولى الواعدة -وما أعقبها من إهدارٍ لفرصة منع صراعٍ مُمكنة من جانب القوى الغربية- تكشف الكثير. إذ استغرق الأمر ثلاث سنوات تقريباً حتى يبدأ الانتشار التدريجي للميليشيات المُسلّحة في طرابلس بقلب موازين القوى بعيداً عن السيطرة الأولية للزعماء السياسيين والبيروقراطيين، وفي اتجاه استيلاء الجماعات المسلحة على الحياة السياسية بنهاية المطاف.

وفي المجال الذي تُسميه الأمم المتحدة ببناء السلام، ويُسميه الاتحاد الأوروبي بإدارة الأزمة، ويُطلِق عليه حلف الناتو إحلال الاستقرار وإعادة الإعمار، وتصفه الولايات المتحدة بإعادة الإعمار وإحلال الاستقرار؛ ينصبُّ التركيز عادةً تقريباً على عمليات إحلال الاستقرار -غير العسكرية- في أعقاب الصراع. ونادراً ما تجري مُحاولة تنفيذ عمليات منع الصراع، والسبب في ذلك عادةً هو صعوبة إنجازها الشديدة، فضلاً عن أنّ فرص نجاحها ضئيلةٌ للغاية. علاوةً على ذلك فإنّ الزعم بنجاحك في منع صراع دون مقياسٍ لقياس النتائج، يجعل المستقبل ضبابياً.

وفي الواقع، خسر المُجتمع الدولي فرصتين مُواتيتين لمنع الصراع في ليبيا. جاءت الأولى بالتزامن مع بدء ميليشيات طرابلس فرض نفسها علناً في شوارع العاصمة، قبل النزوع إلى العنف المُسلّح. ويقع اللوم بنسبةٍ كبيرة على الولايات المتحدة بسبب خطأ الرئيس باراك أوباما الشهير حول "القيادة من الخلف"، والذي وصفه لاحقاً بأنه كان "أسوأ أخطاء رئاسته"، إلى جانب الاتحاد الأوروبي.

https://www.youtube.com/watch?v=9PxbubuhJgc&feature=youtu.be

إذ كانت ألمانيا هي التي امتنعت عن التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتعهّدت بعدها إلى المسؤولين الأمريكيين بالتكفير عن ذلك من خلال دفع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى تبني عملية إحلال استقرارٍ من تمويلها في أعقاب الصراع. ورغم ذلك، فشل الاتحاد الأوروبي في تحقيق الإجماع اللازم لتنفيذ عمليةٍ من هذا النوع. وقبل أن يمضي وقتٌ طويل، كان الاتحاد الأوروبي يتزاحم على تبنّي دوره الثانوي التقليدي، بالتزامن مع تخلّي الولايات المتحدة فعلياً عن قيادتها. وبهذا أُهدِرَت فرصة الغرب الأوّلية لمنع الصراع.

حكومة الوفاق الإنجاز الوحيد

ولم تهوِ ليبيا في فخ عدم الاستقرار الشامل حتى صيف عام 2014، قبل أن تسقط بعدها في مستنقع الحرب الأهلية. وأبقت تلك العوامل على الأوضاع غير مستقرة بنسبةٍ كبيرة، حتى تمكّنت الأمم المتحدة من تشكيل حكومة الوفاق الوطني عام 2017. وكان هذا إنجازاً "رغم كل الصعاب" بالنسبة للأمم المتحدة المُوقّرة، نظراً لمدى هيمنة الميليشيات على زعماء ليبيا.

أردوغان والسراج

ويرجع الفضل الكبير في ذلك إلى المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، ورئيس الوزراء فايز مصطفى السراج. وفي تلك المرحلة، كانت ليبيا تُعاني من ثالوث عدم الاستقرار مُتوسّط المستوى: الوجود الجديد لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سرت، وعدم الاستقرار السياسي الذي تضمّن برلمانين مُتنافسين في طرابلس وبنغازي، ومحاولة الجيش الوطني الليبي المزعوم السيطرة على البلاد بالقوة في الشرق تحت قيادة اللواء خليفة حفتر الذي يُحاول الآن السيطرة على كامل أراضي البلاد.

كيف تحدى حفتر وداعموه الجميع؟

وحينها كان حفتر قد استحوذ على السلطة في شرقي ليبيا، واستغاث السراج، بمساعدة سلامة، بحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. فوافق كلٌّ منهما بدوره على القرارات التي اتخذها مجلس شمال الأطلسي بالناتو واللجنة السياسية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، والتي نصّت على إقامة عمليات الاستقرار المدنية في ليبيا. وهنا تكمُن المشكلة. فرغم الموافقة الرسمية على المهمة من جانب المجلس واللجنة، لم تُنفّذ تلك المنظمات عملياتها المُخطّط لها بشكلٍ جيد نسبياً، إذ لم تقدّر أي منظمة على قهر مشاعر الخوف من إرسال مدنيين منوطين بإحلال الاستقرار إلى منطقة حربٍ أهلية مُتقطّعة الوتيرة بنهاية المطاف.

حفتر وماكرون

وأدّى ذلك إلى مضاعفة المخاطر بالنسبة للسراج وبلاده. إذ لا تستطيع الأمم المُتحدة المُثابرة إنجاز الكثير بمفردها، بعد أنّ اضطلعت فعلياً بنصيب الأسد من العمل حين جمعت زعماء الميليشيات معاً للتفاوض على اتفاقيةٍ من أجل تشكيل حكومة الوفاق الوطني في المقام الأول. ولكن النجاح كان يجب أن يأتي في صورة تنفيذ مهمة "نصرٍ عالمي" كاملة، مع عمل الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع الناتو والأمم المتحدة. وفي غياب قواتٍ مُوحّدة من المجتمع الدولي، رأى حفتر أنّ الأمم المتحدة لن تستطيع ردع طموحاته العسكرية بمفردها.

وفي حال نفّذ الناتو والاتحاد الأوروبي خططهما، بدعمٍ من الولايات المتحدة؛ لما حدثت الأزمة العسكرية الرباعية في القطاعات الجنوبية لطرابلس. وهذا رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ألمح إلى ترامب بآماله أنّ تظل الولايات المتحدة بعيدةً عن الموقف، وذلك خلال زيارة الأخير إلى هلسنكي في فنلندا. وشملت العوامل الأخرى التي سبّبت الفوضى تدخُّلات روسيا ومصر والإمارات والسعودية وفرنسا إلى جانب حفتر، وتدخُّلات إيطاليا وقطر وتركيا والميليشيات الإقليمية الشمالية والغربية والطرابلسية إلى جانب حكومة الوفاق الوطني والمجتمع الدولي.

ما دور أبوظبي والرياض؟

وليبيا على غرار اليمن دخلت ضمن أحدث أهداف التدخُّل على قائمة ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وولي عهد الإمارات محمد بن زايد. وكما هو الحال في بقية أنحاء المنطقة، تبدو تلك الحكومات على الجانب الخاطئ من التاريخ أثناء إسهامها المستمر بشكلٍ بارز في زعزعة استقرار ليبيا بشكلٍ من أشكال اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط. وفي الواقع، أنشأت الإمارات قاعدتها العسكرية الخاصة شرق البلاد، في حين استضافت مصر قاعدةً روسية.

فضلاً عن أن جهود فرنسا المزدوجة لدعم حفتر، مع مساعدة الأمم المتحدة في الوقت ذاته على التوسُّط لإنهاء الحرب الأهلية، كان محكوماً عليها بالفشل منذ البداية البائسة لما سيصير على الأرجح أفشل تدخُّلٍ غربي سيئ السمعة في العصر الحديث. وبطبيعة الحال، فإن الناتو والاتحاد الأوروبي يتحمّلان المسؤولية بشكلٍ أساسي عن إهدار الفرصة الواقعية الثانية لمنع الصراع في ليبيا قبل وقتٍ طويل من دخول روسيا سراً في الصراع، بإرسال قواتٍ خاصة لتُعسكر أمام الحدود في غرب مصر.

الملك سلمان بن عبد العزيز يلتقي مع خليفة حفتر في الرياض

وتُشير الحكمة التقليدية إلى أن الجيش الوطني الليبي سينجح على الأرجح في تقدُّمه للسيطرة على كامل البلاد، رغم أن حكومة الوفاق الوطني وحلفائها نافست الجيش الوطني الليبي على المكاسب مؤخراً، إلى جانب أن عدداً من الميليشيات تخلّت بالفعل عن ولائها لحفتر. علاوةً على أنّ تركيا تدخّلت إلى جانب حكومة الوفاق الوطني. ونتيجةً لذلك، ظهرت نافذة فرصةٍ شرعية لنجاح وقف إطلاق النار من خلال اتفاقية تقاسم سلطة بين فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة.

اللوم الأكبر على فرنسا

وتستحق فرنسا تحديداً -دون غيرها- الكثير من التوبيخ على دورها في ليبيا، لأنّها تحدّت الحلفاء الغربيين حين زوّدت حفتر والجيش الوطني الليبي بالأسلحة والتدريب العسكري. لذا يتعيّن على فرنسا قيادة بعثةٍ دبلوماسية إلى طرابلس للتوسُّط في اتّفاق سلام. ويجب عليها أولاً أن تتوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، ثم تُقنع الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر وعدداً من الميليشيات بالامتثال الكامل لعملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة.

وتتحمّل إدارة ترامب أيضاً المسؤولية عن هذا الإهمال المؤذي؛ نظراً لأن ليبيا أثبتت كونها علامةً بارزة في عقيدة ترامب الانعزالية العدوانية. إذ إنّ المبادئ المتناقضة في قلب عقيدة ترامب، والتي يُشار إليها خطأً بأنّها استراتيجيةٌ كُبرى لضبط النفس الاستراتيجي، دفعت بإدارة ترامب إلى التدخُّل الخارجي والانسحاب من المشهد الدولي في الوقت ذاته. إذ تخلّت عن الأكراد في سوريا مثلاً، لكنّها أرسلت آلاف الجنود الأمريكيين إلى السعودية.

ويتحمّل الناتو والاتحاد الأوروبي درجةً كبيرة من المسؤولية عن التطوّرات في ليبيا التي وصلت إلى حافة حربٍ أهلية ثانية، في حين تتحمّل الأمم المتحدة درجةً أقل. وأحرز سلامة تقدُّماً ملحوظاً على مدار العام الماضي رغم كل الصعوبات، فضلاً عن أنّ الأمين العام غوتيريش كان مُشاركاً بالكامل في العملية. وبالنظر إلى تدخُّل تركيا الأوّلي واسع النطاق إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، فيجب عليها هي الأخرى أن تُساهم في جهود وقف إطلاق النار واتفاقية السلام الشاملة التي ستعقبه.

وحان الوقت ليبدأ المجتمع الدولي في التعاون بتنسيقٍ أكبر من أجل مساعدة ليبيا. وسيصُب ذلك في مصلحة مواطني تلك الدول، فضلاً عن مصالح الأمن المشترك للعالم الحر. ويجب أن تدعم الولايات المتحدة وتركيا وألمانيا وإيطاليا -على الأقل- الجهود الفرنسية المتضافرة لمساعدة مفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، إلى جانب المساعدة في إنهاء الصراع الليبي.

تحميل المزيد