حاولوا تعجيزها وكسرها فقلبت الرأي العام الغربي عليهم.. كيف استطاعت قطر إفشال الحصار الرباعي عليها

عدد القراءات
3,688
عربي بوست
تم النشر: 2018/06/06 الساعة 14:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/06/07 الساعة 09:58 بتوقيت غرينتش

قبل عامٍ في نفس هذا اليوم الثلاثاء 5 يونيو/حزيران، فرض تحالفٌ من بلدان عربية حصاراً بحرياً وبرياً وجوياً تاريخياً على قطر.

 

وكانت الإجراءات تهدف إلى ليّ ذراع الدوحة للامتثال إلى قائمةٍ من المطالب تضمَّنت الدعم المزعوم للمتطرفين الإسلامين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك داخل البلدان الأربعة (البحرين، ومصر، والإمارات، والسعودية) التي أصبحت معروفة فيما بعد باسم الرباعي المناهض لقطر.

 

حصل الرباعي على زخمٍ إضافي بعد يومٍ واحد من بدء الحصار من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي غرَّد على حسابه بتويتر قائلاً: "من الجيد للغاية رؤية زيارة السعودية مع الملك و50 بلداً تؤتي ثمارها بالفعل. قالوا إنَّهم سيتخذون نهجاً متشدداً تجاه تمويل المتطرفين، وكل الدلائل كانت تشير إلى قطر. ربما ستكون هذه هي بداية النهاية لرعب الإرهاب".

لكن بعد عام، لم تصمد قطر في وجه العاصفة وحسب، بل يبدو أيضاً أنَّها برزت باعتبارها المنتصر الرئيسي في الصراع.

 

فشل الرباعي المناهض لقطر في مهمته المتمثلة في إرغام قطر على قبول مطالبه الـ13، التي تضمَّنت إغلاق شبكة الجزيرة ووسائل إعلامية أخرى يُقال إنَّ الدوحة تمولها، ووقف دعم المجموعات الإسلامية الإقليمية المختلفة، على ما يبدو السُنّيّة والشيعية منها. واتُّهِم القطريون بما وصفه المُنتقِدون بالدعم الغادر للحوثيين، وهم أحد أطراف الحرب اليمنية كانت الدوحة تقاتل ضدهم.

لكن المطالب كانت مُصمَّمةً بوضوح لتكون أكثر من أن تقبلها الدوحة على الفور. وأوضح مسؤولون خليجيون كبار منخرطون في الأزمة حتى في وقتٍ مبكر من الأزمة أنَّ المعسكر السعودي لم يكن مقتنعاً أنَّ قطر ستُغيِّر سلوكها بشكلٍ حقيقي حتى لو تعاملت مع المطالب.

كان هدف الرباعي الحقيقي هو بالأساس جعل قطر دولة تابعة عاجزة عن انتهاج أي سياسة خارجية مستقلة، ومن أجل هذه الغاية، بدأ المعسكر السعودي حملة علاقات عامة ضخمة في العواصم الغربية لزيادة الضغط على قطر وقلب الرأي العام ضدها.

 

لكنَّ الأزمة، وبهذه الإجراءات، سارت حتى الآن في صالح قطر. وأوضح الإشارات على تلك الحقيقة كانت ربما سلسلة التصريحات التي أطلقها ترمب مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في أبريل/نيسان الماضي؛ إذ هاجم ترمب السعودية، بما في ذلك الإشارة إلى تمويل الإرهاب، واعترف بالتقدم الذي أحرزته قطر في هذا الشأن. وبدلاً من إقناع المُعلِّقين والسياسيين في الغرب بأنَّ قطر كانت لديها مشكلات جدية بحاجة لمعالجتها، أصبح التأثير هو العكس إلى حدٍّ كبير. ويرجع ذلك في جزءٍ كبير منه إلى أنَّ الرباعي لم يتوقع أنَّ قطر قد تنظم حملة علاقات عامة فعالة في الغرب. وقدَّر مصدرٌ على اطلاع بجهود الضغط (Lobbying) الخليجية أنَّ قطر أنفقت حتى الآن نحو 1.5 مليار دولار على جهود العلاقات العامة منذ الأزمة. وكان متوقعاً أن تنفق السعودية مبالغ مماثلة. وبعكس البلدان الأخرى التي كانت تواصل جهود الضغط التي كانت قائمةً بالفعل قبل الأزمة، كما هو الحال مع الإمارات، من المعروف على نطاقٍ واسع أنَّ الرياض والدوحة زادتا حملات العلاقات العامة قبل الأزمة أو في الفترة التي سبقتها. وأُبطِل تأثير الحملات الإعلانية على قنوات مثل CNN عبر حملاتٍ إعلانية مضادة على نفس القنوات.

وكانت النتيجة أنَّ دول الرباعي، وليست قطر، هي مَن عانت الانتكاسات الأكبر في سُمعتها، وقوَّضت الخبرة الحزبية التي تَبِعَت الأزمة الآن المساعي السعودية طويلة الأمد لانتقاد دعم الدوحة للتطرف في مناطق كسوريا وليبيا. واستطاعت قطر تصوير كل هذه المزاعم باعتبارها مجرد جزءٍ من حملة مدفوعة من الجانب السعودي.

وتزامن تطوران سياسيان لصالح قطر مع الأزمة على نحوٍ حاسم:

التطور الأول: كان أنَّ قطر، ولأسباب ليست متعلقة بالحصار، أصبحت أقل انخراطاً مع المجموعات المتطرفة في سوريا. فمع اكتساب الحكومة السورية للزخم في الحرب الأهلية، كانت هناك حوافز أقل بالنسبة للدوحة لدعم مجموعات المعارضة مثل أحرار الشام في الشمال. وفي هذه الأثناء، أصبحت تركيا راعيتهم الرئيسية بدلاً من ذلك. ومع أنَّ ذلك لم يُشكِّل أي تحول استراتيجي كبير، فإنَّ هذا التطور منح الدوحة موثوقية في أعين منتقديها السابقين في الغرب.

 

التطور الثاني الموازي: كان صعود محمد بن سلمان، الذي أصبح وليَّ عهد السعودية في غضون أقل من ثلاثة أسابيع من أزمة قطر.

كان لصعود بن سلمان نتائج مختلطة بالنسبة لقطر، فمن ناحية، كان بن سلمان قادراً على استخدام الخلاف مع قطر بفاعلية لتعزيز الدعم في الداخل، وتوجيهه ضد أعداء بلاده الإقليميين؛ إذ وُصِف منتقدو القائد السعودي الجديد ذاته بعملاء قطر؛ وسرعان ما أدرك رجال الدين وغيرهم من المواطنين السعوديين النافذين أنَّهم كان منتظر منهم المجاهرة بالحديث ضد قطر، وسيكون من المثالي أن يُعبِّروا في الوقت ذاته عن ولاء غير مشروط لوليّ العهد الجديد.

لكنَّ قمع محمد بن سلمان الداخلي المُخضَّب بالسياسة الخارجية شوَّش على التصور الدولي للسياسات السعودية. أفادت هذه الدينامية قطر بشكلٍ مباشر؛ لأنَّ الانتقاد المُوجَّه للقائد السعودي طغى على نحوٍ متزايد على القضايا الإقليمية الأخرى. إذ أُلقي باللائمة عليه في الغرب، والشرق الأوسط الأوسع نطاقاً، بسبب حرب اليمن؛ إذ كانت قد انطلقت بعد ما يقرب بالضبط من شهرين من تعيينه وزيراً للدفاع في يناير/كانون الثاني 2015.

ومن ناحية أخرى، بدأت قطر التي "طُرِدَت" من التحالف الذي تقوده السعودية موضعة نفسها كداعمٍ للقضايا الجماهيرية العربية والإسلامية، بدلاً من المكائد السياسية غير المبالية.

حدثت دينامية مماثلة على سبيل المثال مع التقارب الذي تقوده السعودية مع إسرائيل؛ إذ سبق تصور أنَّ السعودية وحلفاءها يتقاربون أكثر مع إسرائيل على أزمة قطر، وكان يُنظَر إلى ذلك باعتباره جزءاً من توافقٍ إقليمي ضد إيران. لكنَّ العدوانية السعودية المتنامية في المنطقة سمحت لقطر بتصوير ذلك باعتباره تحالفاً رجعياً بالأساس.

وتُعَد الدينامية الثانية حاسمة في إعادة الاصطفاف الجيوسياسي والاجتماعي الإقليمي المستمر في خضم أزمة قطر. ففي حين تميل حكومات الرباعي المناهض لقطر إلى تصوير إيران وحلفائها باعتبارهم التهديد الأكبر، فإنَّ العرب في مختلف أنحاء الشرق الأوسط الأوسع يتجهون بشكلٍ متزايد إلى رؤية الرباعي نفسه باعتباره مؤامرة استبدادية ضد تطلُّعات التغيير السياسي التي اعترضتها دوله بصورة مستمرة منذ انتفاضات الربيع العربي 2011. فلا تزال السعودية وحلفاؤها يُعرِّفون سياساتهم الخارجية علناً بأنَّها ضد الحركات الإسلامية والثورية. وعلى النقيض من ذلك، يُنظَر إلى قطر على أنَّها متصالحة وميالة للقوى السياسية الراغبة في التغيير في مختلف أنحاء العالم العربي، لأسبابٍ ليس أقلها أنَّها صوَّرت نفسها على أنَّها ضحية الغدر السعودي.

 

لكن في حين أنَّ قطر ربما تحقق الانتصار في الأزمة في أروقة الرأي العام، يرى الجانب السعودي نفسه يحقق الانتصار من حيث تغيير الحقائق على الأرض. فمن منظور المعسكر السعودي، تُمكِّن أزمة قطر إياه من التركيز على إعادة رسم الخريطة العسكرية والسياسية للمنطقة بينما الدوحة مُكبَّلة بالضغط الاقتصادي المستمر.

بالنسبة لهم، الدوحة الآن أقل قدرة على الاضطلاع بدور المُفسِد في دولٍ مثل ليبيا واليمن والعراق ومصر. وعُزيت التقدمات العسكرية التي حققها قائد الشرق الليبي خليفة حفتر بعد شهرٍ من الأزمة إلى الدعم المتزايد من جانب الإمارات والسعودية ومصر والشلل القطري في الأسابيع الأولى من الأزمة.

 

مع ذلك، حتى المسؤولين الخليجيين المعارضين للدوحة يعترفون سراً بأنَّ مُنافِسَتِهم تحقق الانتصار في جانبٍ حيوي من الصراع؛ إذ أقرَّ مسؤولٌ عربي كبير، سألته مجلة Foreign Policy الأميركية مؤخراً حول رأيه في فكرة أنَّ قطر تنتصر في حرب العلاقات العامة، بأنَّ الدوحة لعبت أوراقها بالطريقة الصحيحة. فقال: "انظروا، إن كنتُ مكان قطر، كنتُ سأدع صور الإعلام تقوم بالمهمة بدلاً عني. ها هي الدول الكبيرة تتكاثر على قطر. ثُم هناك السعودية على الجانب المقابل لها. من الطبيعي أن يقف الكثيرون مع قطر".

 هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
حسن حسان
زميل أول بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط
تحميل المزيد