تعرف شاب عربي على فتاة روسية، دعاها إلى الإسلام فأسلمت، تغيرت حياتها كلية بعد إيمانها الجديد، أنجبا خمس فتيات، تمر السنون، الشاب الذي كبر أقنع زوجته أن تبيع شقتها باهظة الثمن في موسكو ليشتريا بثمنها بيتًا في بلده العربي ليعيشا هناك، تجاوبت المرأة معه، باعت ما تملك، حصل الرجل على المال وسافر إلى بلده ليعد الأمر، لكنه غاب واختفى، صدمت المرأة صدمة عمرها، أصيبت بالمرض الخبيث.
في محيطها رجل عربي عرف بقصتها، شكت له حالها، هو مصاب أيضًا بهذا المرض، يعاني أزمة مالية خانقة، أرسل له صديق مبلغًا متواضعًا من المال لعله يسهم في سد بعض نفقات العلاج ومصاريف العائلة التي يعولها، حكت السيدة للرجل أن كل حلمها أن تذهب إلى مكة للعمرة، أن تتكحل عيناها بالكعبة، ثم تموت وتُدفن هناك، قرر الرجل النبيل الذي لا يجد ما يكفيه من مال للعلاج أن يقتطع من المبلغ الذي أُرسل إليه ليساعد السيدة المريضة في تحقيق حلمها، دعت المرأة له كثيرًا، سافرت إلى مكة، حققت حلمها، أدت العمرة، وتوفيت هناك.
كم حكاية تمر بك، أو تسمعها من آخرين؟ كم واحدة منهم لامست قلبك، أثارت شغفك، تركث أثرًا في حياتك؟ ولماذا حكاية دون حكاية؟ وهل الأمر يعود إلى الحكاية؟ أم إلى الشخص الذي تمر به الحكاية؟ من منا يُعمل عقله وفكره في الحكاية ومن منا يجعلها تمر مر الكرام؟
وصل علي إلى فرانكفورت بحثًا عن عمل، في رحلاته المكوكية اليومية، وقعت عيناه يومًا على راهبة من أهل البلد كانت تدعو الناس إلى دينها في مكان عام فأحبها، عاد إلينا مساء يحكي لنا، قصفناه ليلتها بكل النكات الممكنة، يا أيها الصعيدي الطيب وصلت لتوك من مصر وليس في جيبك قوت يومك ولست ملمًا بلغة البلاد ولا تحمل تأشيرة تخول لك العمل أو الإقامة الدائمة، وعندما تلبي نداء الحب تقع في غرام راهبة.
صاحبنا لم يكترث لنكاتنا، صاحبنا ظل يحوم حولها حتى تعرف إليها، صحيح: الحب يصنع المعجزات، كان يوزع يومه بين البحث عن العمل، وتعلم اللغة الألمانية حتى يستطيع مجاراتها في الحديث، ثم كل بضعة أيام يختلق مناسبة ليقابلها "صدفة"، فيحدثها بما تعّلم، يسألها أحيانًا، ويعرض عليها الإسلام حينًا، كانت ملحمة بكل ما تعنيه الكلمة من معان، فيها كل التناقضات واللامعقول، العناد الصعيدي تجلى إلى أن بدأت الفتاة بالفعل تنتبه له، كان يتردد على المركز الإسلامي، يجلب منه ما استطاع من كتب تتحدث عن الإسلام باللغة الألمانية، يحملها إليها وهي المهذبة تقبلها منه في صمت، وأحيانا يأتي بأصدقائه العارفين باللغة وبالدين ليدخلوا معها في حوار ويردوا على أسئلتها التي لا تنتهي.
كنا جميعنا نرى أن الحكاية إلى فشل لا محالة، وكان هو يتبع قلبه، يواصل طرق الباب، وهي تفتح مرة وتغلق ألف مرة، تقابله مرة وتتهرب منه مرات، وما إن يأتي أحد مشاهير الدعاة إلى المركز الإسلامي حتى يبذل جهده مع إدارة المركز ليؤمن لقاء بينها وبين الداعية، ثم يبذل جهده مرة أخرى معها حتى يقنعها أن تأتي، ظلت الأمور تتأرجح صعودًا وهبوطًا، وانصرفنا نحن بهمومنا اليومية عنه وقد أيقنّا أن الحكاية إلى فشل مؤكد.
أظن أن الملائكة كانت هناك، وأظن أن ما من أحد حضر يومها فسمع وشاهد إلا وبكى ، في قاعة المركز الإسلامي بمدينة ميونخ الألمانية ، جلس الجميع على المنصة، العروس والعريس والشيخ والشهود، كانت الإجراءات والشعائر تجري بهدوء، والفرح يعم المكان، الحضور كثر، صخب الأطفال وهرولتهم تكمل مشهد العرس، كاميرات الأصدقاء تغمر الجميع بالنور، رويدًا رويدًا تتسلل الهيبة إلى المكان، يكتم الجميع أنفاسه ويتابعون العروس وهي تتحدث بالألمانية، إلى أن قالت فجأة وبعربية ركيكة : اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك ورسلك وجميع خلقك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك.
بكى الجميع، شخصيًا شعرت أني أدخل معها الإسلام من جديد، في اللحظة تقفز إلى ذاكرتي صورة ذلك البروفيسور الألماني الذي أردت إجراء حديث معه، فقال لي لماذا؟ أجبته لأسألك لماذا تحولت إلى الإسلام؟ تعجب ورفض، وقال تصرفي طبيعي، وجدت الحق فاتبعته، عد أنت إلى قومك واسالهم لماذا يتركون الإسلام؟!
ما الذي يجلسني الآن أمام هذا الجهاز لأسترد بعض الذكريات وأسجلها؟ لماذا تهرب مني واحدة قريبة، وتأتيني واحدة بعيدة من الزمن السحيق؟ لماذا أحيانًا تدمع عيناي ويرتعش قلبي؟ لماذا فجأة يأتي بعض أبطال الحكايات، فيجلسون معي، يشاركوني طاولتي؟ لماذا يبدو أنهم يتحدثون لغتي، رغم أنهم لا يتحدثون لغتي؟
نكيبة الألبانية المحامية الشهيرة قالت لي لقد أتوا، أخذوا ولديّ وزوجي، وعلى بعد عدة كيلومترات من بريشتينا قتلوهم، أطلقوا عليهم الرصاص بدم بارد وتركوا جثثهم لتنهشها الكلاب، بقيت وحدي، أسدلت الستائر حتى لا يعرف أحد أنني هنا، نزلت إلى القبو، وظللت محاصرة في بيتي ثلاثة وثلاثين يومًا، لولا أني كنت أقرأ القرآن الكريم لهلكت، لقد منحني وحده القوة لأن أتحمل وإلا لجننت. عفوًا، قلتها وأنا أتردد، أوتقرأين القرآن سيدتي، وفيما الدهشة؟ هكذا أجابت، خجلت أن أخبرها أن قناني الخمر العتيقة المنتشرة في أنحاء فيلتها الكائنة في بريشتينا عاصمة كوسوفو توحي بأمر آخر.
قلت لنفسي يبدو أن أحكامنا في حق الناس مازالت جائرة، أو قل لا يمكن أن تطبق نفس القانون أو نفس المقياس على الجميع، فتساوي بين الذين يجيدون اللغة ومساجدهم مفتحة الأبواب، وبين الذين لا يتكلمون اللغة ويُدان منهم من يحتفظ بمسبحة.
آفديا قال لي: كما تعرف يا أسعد كنت سفيرا لبلدي في مصر وقت الحرب ، وكانت سفارتنا في القاهرة مجرد شقة في إحدى البنايات، ولم يكن يعمل معي إلا شخص أو شخصان، بعد أن انتهى دوام العمل أغلقت باب السفارة، دق الجرس، فتحت الباب وجدت في وجهي متسولًا، قال لي خذ، فهذا كل ما جنيته اليوم من التسول، وهذا ما أملك أن أساعد به أهل البوسنة في حربهم، وانصرف. بكى الحاكي وبكى المحكي إليه.
من عليه الدور الآن للحديث، ذاك الأوزبكي، أم هذه الفنزولية، ربما تلك السيدة من السكان الأصليين، أو هذا البوذي، أو.. أو ..
وأنت تتذكر الحكايات، تأتيك الصورة، تشعر كما لو أنك تشاهد فيلمًا من حكايات متعددة على شاشة ضخمة، بعض هذه الحكايات قريبة منك، تلامسك، إلى حد أنك تشعر كما لو أنك أحد أبطالها.
"عايزين نعمل معاك حديث يا أستاذ"، وعبثا حاولت أن أتهرب منه، في الموعد التقينا وليس بيديه ما يمكن أن يستعين به لتسجيل الحوار، لفتُّ نظره، أجابني لا تقلق، كيف لا وبعض الذين يحاورونك تود لو تمسك بالكرسي الذي تجلس عليه وتضربهم به؟! أسئلة تقليدية محفوظة، وأحيانًا يدفعك المحاور لأن تطير معه فتجوب ذاكرتك، تتذكر وتحلم وربما تعيد حساباتك، ينتهي الحوار وأنت لم تنته.
كتب أحمد نصًا بليغًا ملامسًا للقلب، وكان من الطبيعي بعد فترة أن يكون معنا في الشركة باحثًا لا نستغنى عنه. كنت أمزح معه دائمًا، لقد رشوتني، لا يمر يوم إلا ونتشاجر فيه، تلك المشاجرات اللذيذة، يفقدني صوابي أحيانًا وأُغضبه أحيانًا أخرى.
عندما اندلعت الثورة في مصر طلب مني التصريح له بالسفر، فهمت، وافقت على مضض، بعد عدة أسابيع اتصل ليبلغني أنه لن يستطيع العودة إلى دبي، التاريخ لا ينام الآن. غضبت لأنه لم يمهلني، وتفهمت بيني وبين نفسي عذره، هو يريد أن يشارك في صنع التاريخ الجديد.
للقدر حكمته، يتعرض لحادثة يفقد فيه وعيه، ويبقى هكذا شهورًا طويلة، ثم يبدأ في التحسن قليلًا قليلًا دون العودة إلى وضعه الطبيعي، أحمد العزيز ليس هو حكايتنا الآن، وإنما هي التي كتبت يومًا ما معناه: يا رب كلما صبرت على محنة أصابتني محنة أشد، لكن لن أستسلم.
حنان زوجته تخلت عن عملها في دبي، وتحملت عبء الزوج المريض وإعالة العائلة، وهي في ذلك كله في وسط الحدث المصري بحلوه ومره، قبل أن يصبح كله مرًا، إلى أن تصاب بهذا المرض اللعين، كثيرون الذين يهزمهم المرض، لكن حنان كتبت بعد شهور طويلة من معاناتها:
"غيرتني تجربتي مع المرض، فما عدت قادرة على الكراهية، هذا ما حدث لي رغمًا عني، ولم أختره، أعترف بأنني أتصور نفسي في هذه الروح الجديدة وكأنني في قطاع وردي معزول عن خشونة الحياة وحقيقتها المرة، أريد أن أعود لأكره وأصارع وأحقد وأغير، أريد أن أعود للمرأة التي كنتها، فأجد روحي غير قادرة إلا على المحبة، كشجرة مزهرة هي المحبة، معطاءة وسخية، تفرد ظلالها على الحياة فتحمينا من جدب الكراهية".
تواصل حنان: "كانت منحة المرض هي هذه التحولات التي تجري في روحي، أدركت الحياة من جوانب أخرى، أتصور أن لربنا تدابير لا يدركها إلا هو، أقبل بها تمامًا، وأقبلها كما كان يقبل آباؤنا رغيف الخبز الساخن، إنه رزق لا يدرك قيمته إلا قليلين".
ثم تقول "أنا فقط أبحث صادقة عن الطريق إلى الله، أراني كذَرّةٍ فردانية في محيط الكون، وسط مخلوقاته أسبح بمحبته في الفضاء الواسع، فردانية العبد هي طريق الحرية، بينما ذكر الله هو طريق المحبة، اقتربت من حافة الإلحاد، في الملكوت الواسع كنت لأيام قليلة كجرم تائه في الفضاء، كنت صادقة في معرفة الحقيقة الخالصة حتى رأيت وجه الله فآمنت حقًا، استسلمت وسلمت، أليس هذا هو الإسلام حقًا، توقفت عن الذكر، حتى أدركت أن ذكره يطلب لذاته لا لغرض ولا هدف، لا للتيسير ولا للشفاء، ولا للرزق ولا حتى للمغفرة، ثمة شيء أجمل من هذه الاشياء حقًا، لا يتحقق إلا لقلب ذاكر، تخيل أن نوره يحتل أنفاسك صاعدة وهابطة، أن اسمه يتجلى مع كل تمتماتك، ثمة جنة على الأرض لا يدركها إلا قلب ذاكر".
كيف تمر بك مثل هذه الحكاية وتدعها تمر؟ كيف لا تمسك بالحكمة؟ لو لم تمر حنان بالتجربة لما خرجت بالدرس العظيم، ليس كل ما يبدو شرًا هو شر، آلاف الناس يمرضون كل يوم، آلاف يصابون بأمراض خطيرة، البعض ينهار ويعتقد أنها نهاية الحياة، والبعض يقاوم، يا عزيزي أنت لا تعلم شيئًا، أنت لا تعلم أين تحين الساعة، ليس عليك إلا المقاومة والذكر، وفي المقاومة والذكر سيجد المرء ما لم يكن ليجده لو لم تمر به المحنة.
اشتد المرض مرة على الطفل، ظل ينزف دمًا بشدة، أتى الطبيب إلى المنزل وخرج يائسًا، ثم أتى الآخر، فعل معه كل ما يمكن أن يفعله طبيب في هذا الوقت وفي هذا المكان، ثم مال الطبيب على الوالد وقال له، هذه هي النهاية، أعانك الله، قال الوالد علي أن أؤدي واجبي حتى النهاية، سأنقله إلى المستشفى، قال الطبيب لا فائدة، لن يفعلوا معه أبدا أفضل مما فعلت أنا، بضع ساعات وسيموت، فإذا حدث ذلك هناك فإنهم سوف يقومون بتشريح الجثة ضمن الإجراءات المتبعة، فلا داع لأن تعرض جثة ابنك لذلك.
انهارت الأم، وقعت على الأرض، حملها الجيران، شعر الطفل بأن أمرًا غريبًا يجري هذه المرة غير المرات التي سبقت، في انتظار السيارة التي ستنقل الطفل إلى المستشفى، لمح الوالد ابنه يريد أن يقول له شيئًا وهو لا يستطيع أن يحرك رأسه. مال الوالد عليه يحاول أن يفهم، ربما تكون هي أمنية الطفل الأخيرة قبل الرحيل، سحب الطفل القلم الذي يضعه الوالد في الجيب الخارجي لجاكيت بدلته، ثم كتب على كف يده "إلى اللقاء".
مر أكثر من خمسين عامًا على هذا الحدث، نعم مرّ أكثر من نصف قرن.. ولازلت أعيش!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.