بعد أيام قليلة ودقائق كثيرة وثوانٍ أكثر، وهنيهات مولية ومدبرة تستأذن دون أن تترك فرصة انتظارها ثانية، في لمحة من عمر الزمان زائلة سوف أغمض عيني وأفتحهما متسائلاً: هل مرت ليلة من عمر الزمان؟
في تثاقل الصبيّ أتساءل هذه المرة: هل قارب العمر المرور؟.. كأني ذا السنوات الخمس، دخل المدرسة مبكراً، وأستيقظ بعد نهاية قراءة "الطبلاوي" لقرآن السادسة من "البرنامج المصري العام"، موجة الإذاعة التي كانت حينئذ تجمع حيناً بين رزانة "القرآن الكريم"، وحبكة سياسة "صوت العرب" حيناً، وخفة ظل وطيش "الشرق الأوسط" أحياناً، لكنها لم تكن تقترب من طيش رنة صوت وماهية كلمات الـ"بي بي سي" و"أعلنت ساعة بيغ بن تمام الساعة التـ..".
في ذلك الصباح، وقبل رحلة والده التي كان يعيشها بين مسافات مؤشر المذياع الأحمر القاني.. فتح عينيه ليسأل في أمسية شتوية أمه عن ثياب المدرسة.. هل هي جاهزة؟!
لا ينسى تلك "الضحكة".. كلما تكاسل عن أداء أمر ضروري:
– أوَعزّ عليك فراق المدرسة؟
وقبل أن تتقافز الدهشة من جنبات "الكسول"، أو يتنبه إلى دوران إصبع أبيه على مؤشر المذياع، دوران غير مبالٍ ولا آبه بحيرته.. فقط يبحث عن المحطة التالية وفق الخطة المتغيرة أو الثابتة للمحطات الأربع المذكورة.. قبل أن يتناهى إليه صوت المذياع في المحطة الجديدة كانت رحمها الله تقول:
– اليوم إجازة يا حبيبي!
وانفلت لسان قليل الحيلة.. سليط الكلام:
– وهل تأتي الإجازات غفلة هكذا؟
هل نجدها غفلة أمام باب العمارة؟
– بل إن السماء أمطرت؟
– ولماذا اليوم فحسب تمطر؟.. ولماذا لا تمطر كل يوم؟
كان يريدها أن تمطر "كل يوم"..
بنفس شعور يوم المطر إذ ينام في ذلك الصباح من بعد صلاة الصبح حتى أذان الظهر، فلا يلقى الراحلين أستاذ "فهمي" صاحب المدرسة الخاصة، ومدام "شهر زاد" صاحبة صاحب المدرسة، و"عم سامي" ودادة "زينب" الزوجين أيضاً.. لكن "إيش جاب لجاب؟".
بنفس شعور يوم المطر المُتكرر، وهو يحاول الهرب كل صباح من بعده؛ إذ يتمسك بالبطانية أكثر، يصيح في "نبع الحنان":
– افتحي الباب.. أو حتى انظري من الشباك ستجدين السماء أمطرت.. وسأصاب بالبرد إن ذهبتُ إلى "القومية الخاصة المشتركة" عاش في المدرسة أربع سنوات قبل أن ينقله أبوه إلى مدرسة أخرى، لم يعرف لها اسماً ولم يحبها يومها، وكان يعول همّ مجرد الذهاب إليها، والمرور في شارع "بورسعيد" الذي يشق العمود الفقري لـ"بني مزار" شقاً يجعله طويلاً أكثر مما هو نحيف ومتعرج، في الشارع محلات نجارة وبينها على الجانبين "مخازن القمح"، لقرب البيت والمدرسة من الغروب أو الأرياف، هنا عرف باعة الفول والطعمية بأكشاك خشبية، وأن الحياة لا تستقر لحي، وأيضاً شق بطن أرض الشوارع كل حين، كمثل شق كبد السماء بالغيوم لكن غير الممطرة بسبب وبلا، وقرب مخازن القمح حيث كان يهيم قبل العودة إلى البيت، يشرب من نبع مخزون من قلة أو "زير"، أو يجلس لدى "عم منير" صاحب "مغلق الخشب" أو مكان "تعميد الأشجار" وكشف رئتيها وتهذيب يديها وعقلها وإلغاء دورها في الحياة، كان يحلو إليه النظر إليها، وهو يقرأ لدى صاحب "الورشة" فكرة "مصطفى أمين"، وحواديته عن توأمه الذي رحل وتركها، وتخيل عندها أن لكل كائن "توأم" مثلما كانا (مصطفى وعلي أمين)، وأنهما يقيمان في مكان مخبوء من المدينة!
كما تخيل وجود مدينة فئران كمثل التي يهدد بحبسه فيها صاحب المدرسة مع "راضي" و"ألفت" و"علاء" و"مجدي" بها إن لم يكفّوا عن طلب ترك المدرسة كل صباح، والتي كانوا لا يشكون جميعاً مع مشكلاتهم الضخمة في وجودها.
كانت المشكلات التي تعصف بكل واحد منهم: وفاة والدة "راضي" ودخول زوجته الجديدة حياته، وهي خالته لكن تسيء معاملته، ووالد "محمد" الذي أخذوه إلى المعتقل لأنه من قُدامى الإخوان.. والمشكلة أن ابنه لم يكن يعرف معنى اعتقال.. ولم يُفهمهم الفصل كله معناها، وأبعدت المعلمة وجهها لما سألوها.. مع مشكلاتهم الصغيرة التي كانت تحمل إيذاناً بنهاية الكون، قصر قامة "مجدي"، واقتناع "ألفت" أنها تركية لا أصل لها في مصر ولا تدري كيف انتقل "فرع والديها إليها" وتركوا الجدود.
– افتحي الباب.. لعل الأمطار جاءت!
منذ ذلك الحين وهو ينتظر الأمطار.. لا لتمنعه من الذهاب إلى المدرسة، أو رؤية معالم مدينته وهي تنتهي من الحافلات (أتوبيسات النقل العام) المتهالكة على خط القاهرة.. أو الأكثر على خط الغروب أو الأرياف، بدايات "السوبر ماركت" على الإبراهيمية أو ترعة "إبراهيم باشا" الواصلة إلى القاهرة مباشرة دون التواء الحافلات (الأتوبيسات) وتلكؤها وشغبها، قبل محلات التسالي والفول السوداني عدا مقلتين في البلد كلها؛ قبل البسطرمة، والكشري، ودجاج الجمعية، وقلة الطماطم ودخول الصلصة والفراخ المجمدة والمجمعات الاستهلاكية الميدان، والخبز الشامي وهلمّ جراً.. منذ تلك الأيام وهو ينتظر الأمطار لتمنعه من سؤال "عم فهمي" عن سبب تأخيره، بأحد أسوار المدرسة، في كشك خشبي ملأه صاحبه بالسجائر المستوردة:
– ألم تقل إنها حرام.. فلماذا تبيعها معه؟.. وتؤجر له سور المدرسة.. وتضرب أحدنا إن فكر في تدخين سيجارة؟!
يومها نالته بركات التناقض الحياتي الحادة في مجتمعاتنا، وضربه المدير حتى تمنى لو عاد إلى البيت، وإن كلفته أمه بالذهاب إلى بيوت الأنقياء، الفلاحين الذين يبيعون اللبن لشراء ملء الإناء منهم، والعودة بعد تغطيته بقطعة قماش، يومها كره المدير وكل الغشاشين باعة السجائر، ولم يكن يتخيل أنهم ملأوا فراغات العالم.. وصاروا يبيعون كل شيء، وأن بائع السجائر الكثيف الشعر، الأبيض الفارع الطول ليس أكثر أهل الأرض شراً كما كان يخيل إليه.. بل لعله كان معلوم البضاعة لدى عالم لا يعلم أحد حقيقة باعته.
قرب يوم مولده لماذا يتذكر كل هذا، شارع بورسعيد، وعلمه بأنه باسم معركة وميناء ومحافظة غير خاصين ببلدته بني مزار، مخازن القمح، سيرة "إبراهيم ناجي" بقربها للمرة الأولى، وكيف قتلته "أم كلثوم" برفضها غناء "الأطلال" له حتى موته، وكان يروي الحكاية صاحب المخزن ثمناً لكوب شاي الرجل المقيم في بقايا مدخل قصر ملكي أمامه؟
ولماذا يتذكر "مخارط الخشب" و"عم منير" و"فكرة" وأن الأفكار ليست كمحلات اللحام في البلدة يلزمها قصدرة ولصق لتتماسك.. بل يلزمها تركيز وإبداع لتخرج إلى الوجود بحسب كلمات صاحب الورشة، التي صاحبتُ ابنه "رمزي" فيما بعد.. كل أهل البلدة كانوا عباقرة في الشرح والحكايات، حتى "بابا فهمي" و"ماما شهرزاد" صاحبي المدرسة.. إذ إن بركات "الانفتاح" كانت هلّت.
يتذكر كل هذا؛ لأنه كلما أقبل العمر، وزاد عاماً أو اقترب، يغمض عينيه في انتظار المطر الذي يعطل تفكيره في الأمر كله، ويجعله يهرب من عهد كانت بلاده فيه لا تزال متماسكة، وخطب الرئيس "أنور السادات"، رحمه الله، تلغي مسلسل الثامنة والربع الوحيد؛ لأنه كان يدخن البايب ويتهته ويستمر حتى يمر موعد نشرة التاسعة نفسه.. "الولد والبت والفلاحين وأنا قلت.."!
يتذكر كل هذا؛ لأنه يريد أن يفتح الآن الشباك أو النافذة فلعل العاصفة تجعله يتدثر بالغطاء من حلمه بتغير العالم.. الحلم الأكبر الفاشل في حياته، يريد المطر والصبا، وحلمه كل ليلة بـ"مدرسة القومية".. كرهها في وقت التلمذة.. وأحبها من الأعماق منذ الجامعة والطرد من زمان "بني مزار"..
يريد الأمطار ليغمض عينيه ويغيب مستشعراً في سرور نكهة نشارة الخشب، ورطوبة مخازن القمح، وطعم ورائحة فلافل الفلاحين المطهوة على عجل، والسباعيات الإذاعية التي استمعها لدى باعة اللبن في الليل، و"ألف ليلة وألف يوم"، "طاهر أبو فاشا"، رحمه الله، ومحاولات إفهام الزميلة "ألفت" أنها "مصرية" لا "صعيدية" ولا تركية..
يريد كل هذا كي يصدق أن العمر وإن امتد به، وإن صار لديه منه أعوام وأعوام.. فإن الأرقام الشاهقة الطويلة المتراصة إلى جوار بعضها كشجر "القومية" الطويل الكثير.. تجمع الأرقام ولا تدل على شيء.. فقد نزل المطر.. أو أنه لا أحد يعلم أو يعرف موعد هطوله ونزوله المقبل.. والأهم موعد نهاية الحياة.. فليكن عدد سنوات العمر كما يكون "يا أخي" هل نعرف لها نهاية؟!
وللمطر بقية.. إن كان في العمر بقية.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.