توقفت في المقال السابق عند شيء صعب جداً، شيء يستحيل عليك أن تكتب عنه؛ لأنك قد تكون ذلك الشخص، فتخيل معي تلك المواجهة مع هذا الرجل أو تلك المرأة التي لا تستحق أن يوجد الوجدان الجميل فيها، ولا لتلك الخفقات لقلب يعتصره معنى جميل يسمى "الحب"، يا تُرى من لا يستحقه وما هي صفاته؟ لك أن تتخيل كم الهمّ الذي أحمله وتلك المشاعر المختلطة، وأنا أكتب هذا المقال، إنني أدخل حقيقياً إلى مدينة الأشباح المخيفة، مدينة لا تسكنها الإنسانية ولا يعيش فيها الطيبون، كهف مظلم لا نور ولا حياة، أدخل بقدميَّ غير الثابتتين إليه لأجلس أمام الحقيقة وأعترف اعتراف المقر بخطيئته وبذنب الكثيرين من أبناء القسوة والجحود.
مَن لا يستحقه يا تُرى؟ لا أعتقد أنه قد يوجد مَن لا يستحقه على هذا الكوكب أو حتى على المريخ، فالجميع يستحقون الحب، فقد خُلق الحب ليعيش معنا، وليجعل حياتنا أجمل أو أقل تكلفة، وبتلك الرؤية الشمولية سأدخل معكم إلى مقالي الخامس في تلك السلسلة المرهقة لي، فإذا كانت الكتابة استشفاء للبعض، فهي لي مرحلة "تشريح" مقلقة لعقلي وضميري الباحث عن الهدوء.
هل جرّبت مرة أن تتذكر إنساناً مرّ في وجدانك أو وجدته فجأة في حقيبة ذكرياتك، وأنت تفتش فيها، فوجدته بالصدفة البحتة، فإذا بك تتذكر المرارة والألم الذي كنت تعيشه معه؟ هل تذكرت موقفا مع إنسان أو إنسانة بكل حب؟ وطاف خياله بكل جمال، ولكن مَن الذي جعل هذه مرة؟ ومن الذي جعل هذه حلوة؟ ولكن أيمكن أن تتجمع الحلاوة والمرارة في إنسان؟ يمكن طبعاً فأنت تعيش على كوكب التناقضات.
ولكن وأنا أكتب هذا المقال بدأت في تخيل ذلك المخادع الذي يضحك على حواء، أو لتلك الحواء الماكرة التي تخدع الكثيرين من أبناء آدم الباحثين عن مرفأ أنثوي والسلام، وتجعلهم يأكلون من تفاحة الحرمان؛ ليخرجوا من الجنة إلى جحيم الوحدة.
بالتأكيد هو أو هي ليسا دراكولا يقطر الدم من فمه، وليسا صاحب شكل قبيح مخيف تفر حين تراه، ولكنهم يعيشون بيننا، ولكن حظك أنك نجوت من فتك قلبه أو قلبها.
الذي لا يستحق الحب من وجهة نظري هو ذلك الذي يبحث عن نفسه فقط، وتتمحور الحياة حوله فلا يحب إلا نفسه ولا يعشق إلا أن يكون ذلك التاج الذي يرتديه طالب الملك والصولجان، الذي لا يستحقه هو ذلك الباحث عن الكمال في عصر الهزيمة والانكسار والنقصان، الذي لا يستحقه هو ذلك الغرور المتكبر الذي لا يقرأ سوى حروفه ولا يرى إلا فضائله ولا يرسم إلا وجهه.
باختصار شديد من لا يستحقه هو من لا يستحقه دون أي فلسفة ولا حروف كثيرة أبحث عن رصها بتساوٍ، هكذا بكل مباشرية، وكأنك تشاهد حرباً كونية بطريقة البث المباشر على صفحاتنا الزرقاء.
فالحب معنى لا يفقه قراءته إلا مَن امتلك أبجدية الحب، ولا يعرف تلك الأبجدية إلا مَن تعلم في مدرسة الحياة بنقصانها وآلامها وابتسامتها، ولا يلتحق بتلك المدرسة إلا مَن وصل إلى سن النضوج، وبالمناسبة شرط الدخول الوحيد هو أن تكون إنساناً وترى الجوهر؛ لتكون على أولى عتبات الأحقية لنيل ذلك الشرف الرفيع وشهادة استحقاق الحب، ولكن ما هو حقيقة العذاب المقرون بالحب؟ هذا ما سنعرفه في رماد القادم الباقي من تلك السلسلة.
هنا تجدُ السلسلة :
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.