وصل ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة الأحد 4 مارس/آذار 2018، في مستهل أول جولة خارجية يقوم بها منذ تقلده ولاية العهد في يونيو حزيران من العام الماضي.
وكان المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي قد ذكر السبت أن الزيارة تستغرق ثلاثة أيام وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيجتمع معه خلالها.
وقال بيان أصدره الديوان الملكي السعودي ونشرته وكالة الأنباء السعودية اليوم الأحد إن الزيارة تأتي استجابة لدعوة من السيسي وأضاف أن ولي العهد سيجتمع أيضا مع عدد من المسؤولين المصريين "لبحث العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك".
وسيتوجه ولي العهد في السابع من مارس آذار إلى بريطانيا. وفي وقت لاحق هذا الشهر يبدأ زيارة للولايات المتحدة، أقرب حليف غربي للرياض.
وقدمت السعودية، وهي أكبر مصدر للنفط في العالم، مليارات الدولارات في صورة قروض وودائع ومساعدات لمصر منذ عام 2014 عندما انتخب السيسي رئيسا.
وفي الوقت الذي تتخذ فيه مصر إجراءات تقشف قاسية بدعم من صندوق النقد الدولي تأمل أن تعزز السعودية استثماراتها في أكبر الدول العربية سكانا ضمن خطط الرياض لتنويع الاقتصاد السعودي المرتكز على النفط والتي تشمل بناء منطقة صناعية وتجارية ضخمة بقيمة 500 مليار دولار تمتد أيضا إلى الأردن ومصر.
وقالت وكالة أنباء الشرق الأوسط إن الزيارة "نقطة تحول في مسار العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين في ضوء توفر الإرادة السياسية والزيادة المتوقعة في معدلات الاستثمارات المشتركة والتجارة".
وقالت قناة الإخبارية التلفزيونية السعودية إن الجانبين المصري والسعودي سيوقعان عددا من الاتفاقيات خلال الزيارة.
وحتى الآن، لا أحد يمكنه الجزم، بشكل محدد، بسبب زيارة محمد بن سلمان القاهرة، وإن كانت السيناريوهات المطروحة لتفسير الزيارة تتمحور حول 3 خيارات.
فضيحة كوشنر
التفسير الأول، الذي يبدو الأكثر تماسكاً، مرتبط بـ"الفضيحة" الأخيرة التي فجَّرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، وتتعلق بصهر الرئيس الأميركي ومستشاره السياسي غاريد كوشنر.
فقد كشفت الصحيفة تقارير استخباراتية تتحدث عن "تفاهمات" بين 4 دول -هي: الإمارات والصين وإسرائيل والمكسيك مع كوشنر، مفادها أن تستفيد تلك الدول سياسياً من الرجل، الذي سيستفيد هو الآخر مالياً هو وأسرته، التي تعاني أزمة ديون متراكمة في سوق العقارات، مستغلين نقص خبرته السياسية.
ولم يمضِ وقت طويل حتى اعتمد جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، قراراً بإجراء تغييرات في نظام التصاريح، وتم بموجبه سحب حق الاطلاع على الملفات المصنفة "سري للغاية" من كوشنر.
قرار بمثل هذا الحجم ليس هيناً مطلقاً، فعلى حد تعبير آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق في قضايا الشرق الأوسط، فإن كوشنر الآن يواجه خطر فقدان "مصداقيته" أمام محاوريه في الشرق الأوسط بهذا القرار.
مصادر دبلوماسية ربطت بين زيارة محمد بن سلمان للقاهرة ولقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والإطاحة بكوشنر.
فالفضيحة المالية والسياسية، التي طالت أبوظبي، التي تعد أبرز حليف لكل من محمد بن سلمان والسيسي، ستؤثر حتماً على موقف ولي العهد السعودي، خصوصاً أن كثيرين يتحدثون عن لعب كوشنر دوراً بارزاً في تدعيم صعود نجم بن سلمان بالرياض للوصول إلى العرش.
تغيُّرات في الشرق الأوسط
لكن مصادر مطلعة ترى أن زيارة بن سلمان جزء من ترتيبات إقليمية شديدة الحساسية، ستحدث قريباً في منطقة الشرق الأوسط.
هؤلاء يشيرون صراحةً إلى ترتيبات عسكرية تخص الملف اليمني وضرب إيران بالمنطقة، ويعتقدون أن زيارة بن سلمان في هذا الوقت وقبل جولته الأوروبية، هي لوضع اللمسات النهائية لما يصفونه بـ"حرب خاطفة"، ستكون عربون صعوده لسدة الحكم قريباً.
وتواصل "عربي بوست" في وقت سابق، مع أحد قيادات الجيش المصري، رافضاً التصريح باسمه، والذي أكد أن مثل هذه التوقعات هي مجرد "تخاريف"، على حد تعبيره.
وأكد أن الجيش المصري لن يتورط في أي حروب خارج أراضيه، "هذا قول فصل، نشارك بوحدات خفيفة ممكن، نكون جزءاً من تحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة ممكن. أما سيناريو اليمن وناصر عام 1962، فهذا لن يحدث. أقولها بحزم قاطع".
صفقة القرن
وكعادتها حينما تتعقَّد الأمور وتشتبك بشكل غير واضح، تطلُّ برأسها من جديد، كلمة السر "صفقة القرن"، التي -حتى الآن- لا أحد يمكنه الجزم بدقة، ما هي بنود تلك الصفقة تحديداً.
لكن هذا لا يمنع أنه في الأوساط الصحفية بالقاهرة تتردَّد كثيراً بين الصحفيين المسؤولين عن تغطية الملف العربي، أن زيارة بن سلمان بالأساس هي لوضع اللمسات النهائية لتلك الصفقة قبل مبايعته ملكاً قريباً.
المثير للاهتمام هنا أيضاً، أن الزيارة أتت بعد تعديلات موسعة في الجيش السعودي أجراها بن سلمان.
وقبل وصول الرجل للقاهرة بأيام، تمت الإطاحة بسفير السعودية التاريخي والقوي في القاهرة أحمد القطان، والذي تسلَّم منصبه مباشرة في فبراير/شباط 2011، أي بعد شهر واحد من اندلاع الثورة المصرية، وظل فيه حتى الآن.
وقد عُرف عن الرجل جملته الشهيرة: "أنا لن أغادر القاهرة أبداً، اليوم سفير، وغداً أمين عام لجامعة الدول العربية".
وقد نجح القطان، عبر تلك السنوات، في تكوين شبكة علاقات قوية بالنخب المصرية وخاصة في الإعلام، خصوصاً على خلفية منحه هدايا ساعات رولكس للمقربين.
السؤال هنا: لماذا أُطيح بالقطان الآن وقبل وصول ولي العهد؟
تقارب مصري سعودي
وتعززت علاقات مصر والسعودية مع انتخاب السيسي في 2014 بعد عام من عزل الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين وسط احتجاجات حاشدة على حكمه الذي استمر عاما.
وتؤيد مصر السعودية في حربها على حركة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن كما انضمت إلى السعودية والإمارات والبحرين في فرض مقاطعة تجارية ودبلوماسية لقطر العام الماضي بعد اتهامات لها من الدول الأربع بدعم الإرهاب.
وفي 2016 وافقت مصر على تسليم السعودية جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين في البحر الأحمر برغم انتقادات واسعة في مصر لاتفاقية لتعيين الحدود البحرية بين البلدين تضمنت تسليم الجزيرتين اللتين تقول القاهرة والرياض إنهما سعوديتان وكانتا في حماية مصر منذ عام 1950.
وأبطلت المحكمة الدستورية العليا في مصر أمس السبت أحكاما أصدرها القضاء الإداري بعدم قانونية تسليم الجزيرتين اللتين تقعان في مدخل خليج العقبة.
ووقع الاتفاقية في أبريل نيسان 2016 شريف إسماعيل رئيس الوزراء عن مصر والأمير محمد بن سلمان عندما كان في منصب ولي ولي العهد.
وتأتي الزيارة قبل أسابيع قليلة من انتخابات الرئاسة المصرية التي يسعى السيسي للفوز فيها بفترة ثانية.
كما تأتي في وقت يواصل فيه الجيش المصري عملية كبرى ضد متشددي تنظيم الدولة الإسلامية في شبه جزيرة سيناء.