كشفت مصادر إيرانية مطلعة لـ”عربي بوست” أن طهران تتوقع تجدد الحرب مع الولايات المتحدة، ولا ترى حالياً فرصاً جدية للتوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، في ظل رفضها إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد، وتمسكها برفع الحصار البحري والإفراج عن أموالها المجمدة ووقف الأعمال العدائية ضدها وضد حلفائها في المنطقة.
نقلت واشنطن عبر الوسطاء الباكستانيين والقطريين مقترحاً يتضمن إخراج اليورانيوم عالي التخصيب وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة. وهي مطالب تعتبرها طهران تنازلات غير مقبولة، وتتهم ترامب بالسعي إلى اتفاق سريع يوظفه باعتباره إنجازاً سياسياً وانتخابياً.
في مقابل استمرار الوساطات بين طهران وواشنطن، تكشف مصادر “عربي بوست” عن استعداد إيراني لخوض مواجهة طويلة ومكلفة، تتجاوز الضربات العسكرية التقليدية إلى استهداف البنية التحتية للطاقة والاقتصاد والاتصالات في المنطقة، مع احتمال توسيع نطاق الرد عبر حلفاء طهران والقواعد التي تقدم دعماً للقوات الأمريكية.
طهران تترقب الحرب
في الأيام الأخيرة، وبالتزامن مع الحديث عن اتصالات دبلوماسية مكثفة يقودها الوسطاء للتوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن يمنع تجدد الحرب، كثّف مسؤولون إيرانيون تحذيراتهم من اقتراب مواجهة عسكرية جديدة.
في رسالة له، أعلن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أنه أصدر تعليماته للقوات المسلحة بالرد على أي مستوى من التهديد بشكل فوري، ومن دون قيود جغرافية، كما دعا إلى توسيع بنك الأهداف الإيراني ليشمل أصولاً أمريكية وإسرائيلية، سواء كانت مادية أو غير مادية.
تعكس هذه التصريحات اتجاهاً نحو رفع سقف التهديدات العسكرية بالتوازي مع استمرار الاتصالات السياسية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن حقيقة فرص التوصل إلى تسوية بين طهران وواشنطن في الأيام المقبلة. وقال مصدر عسكري إيراني لـ”عربي بوست”: “نحن نتوقع الحرب، لا أمل في إبرام اتفاق مع الأمريكان في الوقت الحالي”.
شروط إيرانية وتهديدات أمريكية
يلخّص مصدر دبلوماسي إيراني مقرب من وزير الخارجية عباس عراقجي، تحدث إلى “عربي بوست” مفضلاً عدم الكشف عن هويته، طبيعة التحركات الدبلوماسية الجارية، مشيراً إلى أن الوسطاء يضاعفون جهودهم لمنع تجدد الحرب بين واشنطن وطهران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
بحسب المصدر، تريد واشنطن التوصل إلى اتفاق نووي سريع، بينما ترفض طهران التفاوض بشأن برنامجها النووي في الوقت الحالي، وتتمسك بشروطها السبعة. وأوضح أن الولايات المتحدة أرسلت مقترحاً إلى إيران، عبر الوسطاء الباكستانيين والقطريين.
يتضمن المقترح إخراج كميات من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% إلى خارج البلاد، وإعادة فتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
لكن طهران ترفض هذه المطالب الأمريكية، وترى أن الرئيس دونالد ترامب يسعى إلى اتفاق نووي سريع يمكن تقديمه باعتباره إنجازاً دبلوماسياً وسياسياً في معركة انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفق ما صرح به المصدر الدبلوماسي لـ”عربي بوست”.
المصدر الدبلوماسي قال إن القيادة الإيرانية لا تعتزم اتخاذ الخطوة الأولى في أي اتفاق، بسبب انعدام الثقة بواشنطن، مشدداً على ضرورة تنفيذ المطالب الإيرانية أولاً، قبل أن تبدأ طهران تنفيذ التزاماتها، بما في ذلك إعادة فتح مضيق هرمز.
تشمل الشروط الإيرانية رفع الحصار البحري الأمريكي، والإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط، إلى جانب الحصول على تعهد أمريكي بوقف جميع الأعمال العدائية ضد إيران وحلفائها في المنطقة.
في موازاة ذلك، يرفض مصدر سياسي إيراني مقرب من دوائر صنع القرار في طهران بشكل قاطع إخراج اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تنازلاً لا يمكن تقديمه في ظل انعدام الثقة بالولايات المتحدة.
وقال المصدر لـ”عربي بوست” إن إيران كانت موافقة، قبل حرب الـ12 يوماً، على إخراج كميات من اليورانيوم عالي التخصيب، لكن التطورات التي أعقبت تلك الحرب دفعت القيادة الإيرانية إلى رفض أي مقترح من هذا النوع.
وأشار المصدران الدبلوماسي والسياسي إلى أن واشنطن وجهت بدورها تهديدات إلى طهران في الرسائل الأخيرة المتبادلة بين الطرفين، مفادها أن رفض المطالب الأمريكية قد يعرّض إيران لحرب شاملة، تستهدف تدمير منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية فيها.
حرب طويلة ومكلفة بين طهران وواشنطن
لا تتوقع طهران، وفقاً للمصدر السياسي الإيراني المقرب من دوائر صنع القرار، أن تقتصر أي مواجهة مقبلة بين طهران وواشنطن على ضربات أمريكية سريعة ومحدودة، إذ يرى المصدر أن ترامب يخطط لشن هجمات مكثفة على إيران تمتد لـ3 أيام، لكن القيادة العسكرية الإيرانية لا تعتقد أن الحرب ستنتهي بهذه السرعة.
وقال المصدر إن الحديث عن حرب قصيرة يمثل، من وجهة نظر طهران، “وهماً أمريكياً”، مضيفاً أن القيادة العسكرية الإيرانية ترى أن المواجهة المقبلة يجب أن تكون مكلفة للغاية، بحيث لا يفكر أي رئيس أمريكي مستقبلي في خوض حرب جديدة ضد إيران.
تقوم هذه المقاربة، بحسب المصادر الإيرانية، على التخلي عن سياسة تبادل الضربات المحدودة والالتزام بخطوط حمراء، لصالح توسيع نطاق الهجمات ورفع تكاليف المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.
في هذا السياق، قال الخبير السياسي هادي سامان، المقرب من الحرس الثوري الإيراني، لـ”عربي بوست” إن طهران لن تسمح هذه المرة لترامب بتوجيه ضربات إلى المنشآت النووية الإيرانية، ثم إعلان الانتصار، في مقابل رد إيراني محدود يستهدف مواقع في الخليج.
أضاف سامان أن القيادة الإيرانية ستعمل على حرمان الرئيس الأمريكي من هذا المخرج السريع، عبر جعل الحرب أوسع نطاقاً وأكثر كلفة، ما يمنع احتواء تداعياتها ضمن جولة محدودة من الضربات المتبادلة.
بحسب المصادر الإيرانية المطلعة التي تحدثت إلى “عربي بوست”، تدرس طهران في هذا السيناريو استهدافاً واسع النطاق للبنية التحتية للطاقة والاقتصاد في المنطقة، في محاولة لنقل كلفة الحرب إلى ما يتجاوز المنشآت العسكرية وأسواق الطاقة.
لا يتوقف التصور الإيراني عند ذلك، إذ تشير المصادر إلى أن طهران ترى أن البنية التحتية المعلوماتية قد تصبح بدورها ضمن نطاق الاستهداف، بما يشمل كابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المنطقة.
وفقاً لهذه الحسابات، فإن توسيع نطاق الأهداف ليشمل قطاع التكنولوجيا والاتصالات من شأنه زيادة كلفة المواجهة على الأطراف الإقليمية والدولية، وعدم حصر تداعياتها في أسواق الطاقة.
يقول هادي سامان إن أحد الأهداف الأساسية للقيادة الإيرانية في أي حرب مقبلة يتمثل في إطالة أمدها وزيادة تكاليفها، انطلاقاً من اعتقاد طهران بأن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة لن يكونوا قادرين على تحمل حرب طويلة الأمد، وهو ما تعتبره إيران نقطة ضعف ينبغي استغلالها.
توسيع بنك الأهداف
تكتسب تصريحات المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الرد دون قيود جغرافية أهمية خاصة في ضوء التوجه الإيراني نحو توسيع نطاق المواجهة المحتملة، وعدم حصرها في الجغرافيا الإيرانية أو محيطها المباشر.
يفسر هادي سامان هذا التوجه بالإشارة إلى أن القيادة العسكرية الإيرانية باتت تميل إلى توسيع نطاق هجماتها، مستشهداً بما حدث بعد رصد مساعدة إماراتية للجيش الأمريكي في تمرير ناقلات النفط عبر ممر جنوبي بمحاذاة الساحل العُماني.
وبحسب سامان، دفع ذلك الحرس الثوري إلى تحويل تهديداته من ناقلات النفط الصغيرة إلى ناقلات النفط العملاقة، معلناً أن السفن التي تستخدم هذا الممر، الذي تصفه طهران بأنه غير قانوني، ستكون عرضة للملاحقة.
لا يقتصر توسيع نطاق المواجهة، وفقاً للمصدر السياسي الإيراني المقرب من دوائر صنع القرار، على التحركات المباشرة للقوات الإيرانية، بل يمتد إلى حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم جماعة الحوثيين والفصائل المسلحة العراقية.
وقال المصدر إن الحوثيين سيؤدون دوراً مهماً في البحر الأحمر، ما يهدد حركة الملاحة البحرية، فيما تمتلك الفصائل العراقية الإمكانات اللازمة للانخراط في الحرب، وهي مستعدة لذلك.
وأشار المصدر أيضاً إلى أن الرد الإيراني قد يصل إلى أوروبا عبر عمليات غير مباشرة، محذراً من أن القواعد الأوروبية التي تقدم المساعدة للقوات الأمريكية في أي هجوم على إيران ستكون عرضة للاستهداف.
في هذا السياق، سبق أن صرح رئيس الوزراء البريطاني بأن مؤامرة مشتبه بها وقعت في سبتمبر/ أيلول 2026، بالقرب من قاعدة عسكرية بريطانية تستخدمها القوات الأمريكية، وأنها كانت على الأرجح بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني.
تعكس هذه التصريحات، وفقاً للمصادر الإيرانية، تصوراً لمواجهة لا تقتصر على تبادل الضربات بين طهران وواشنطن، بل يمكن أن تمتد إلى مسارات بحرية ومواقع إقليمية وقواعد عسكرية خارج المنطقة.
ترسيخ معادلة الردع
لا تنظر طهران إلى الحرب المحتملة المقبلة باعتبارها جولة عسكرية جديدة يمكن احتواؤها عبر وقف مؤقت لإطلاق النار، بل ترى أنها فرصة لفرض معادلة ردع طويلة الأمد تمنع تكرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عليها.
وقال المصدر السياسي الإيراني المقرب من دوائر صنع القرار إن القيادة الإيرانية ترفض استمرار ما وصفه بتطبيع الهجمات العسكرية ضد إيران من وقت إلى آخر، مضيفاً أن الخطط العسكرية الحالية تستهدف خوض مواجهة واسعة وطويلة الأمد ترفع كلفة أي هجوم مستقبلي.
بحسب المصدر السياسي، تسعى طهران إلى جعل الولايات المتحدة وإسرائيل تعيدان حساباتهما قبل الإقدام على استهداف إيران مجدداً، بدلاً من الاكتفاء بردود عسكرية محدودة يعقبها وقف مؤقت لإطلاق النار.
أضاف أن إيران كانت تدخل في السابق مفاوضات وتهدئات مؤقتة، قبل أن يعود الصراع مرة أخرى، لكن القيادة الإيرانية لم تعد تقبل باستمرار هذا المسار، وتريد أن تدفع واشنطن إلى إعادة التفكير مراراً قبل اتخاذ قرار بمهاجمتها.
تعكس هذه المقاربة تحولاً في تقدير طهران لطبيعة المواجهة، من محاولة احتواء كل جولة عسكرية على حدة، إلى السعي لفرض كلفة استراتيجية تجعل تكرارها أكثر صعوبة.
فرص الاتفاق الدبلوماسي
رغم الاستعداد الإيراني المعلن لاحتمال خوض حرب طويلة وواسعة النطاق، لا تزال طهران تحافظ على قنوات الاتصال الدبلوماسية المفتوحة، من خلال الزيارات والتحركات المتبادلة بين المسؤولين الإيرانيين والقطريين والباكستانيين.
وقال المصدر الدبلوماسي المقرب من وزير الخارجية عباس عراقجي إن الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق خلال الأيام القليلة المقبلة مكثفة وواسعة النطاق، مشيراً إلى أن ترامب يريد توظيف أي اتفاق لمصلحته في الانتخابات، لكنه يصر في الوقت نفسه على إدراج تنازلات نووية إيرانية ضمنه.
في المقابل، ترفض طهران تقديم أي تنازل في الملف النووي، وتتمسك بتنفيذ شروطها السبعة، وهو ما يبقي الخلاف الأساسي بين الطرفين قائماً رغم استمرار الوساطات.
يرى المصدر أن الفترة القصيرة السابقة للانتخابات الأمريكية، والأيام الـ7 التي تليها، تمثل مرحلة بالغة الأهمية في تحديد مصير المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
ويحذر المصدر من أن عدم التوصل إلى اتفاق خلال الأيام القليلة المقبلة قد يفتح الطريق أمام مواجهة عسكرية جديدة، قائلاً لـ”عربي بوست”: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في الأيام القليلة القادمة، فإن الحرب قادمة لا محالة”.
