تتجه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة الثلاثاء 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2027، وسط رهانات فلسطينية وإقليمية وأوروبية على إسقاط حكومة نتنياهو، بعد سنوات من الحرب على غزة وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية وامتداد المواجهات إلى جبهات إقليمية متعددة.
لكن وصول المعارضة إلى الحكم بعد الانتخابات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغييراً جوهرياً في سياسات إسرائيل، إذ تتبنى قوى رئيسية في المعارضة مواقف متشددة، وترفض إقامة دولة فلسطينية، وتضم شخصيات مثل نفتالي بينت، الذي يتبنى خطاباً تصعيدياً تجاه أطراف إقليمية ويدعو إلى حسم المواجهة مع حركة حماس.
يقول باحثون وسياسيون تحدثوا إلى "عربي بوست" إن الفوارق بين معسكري نتنياهو والمعارضة تظل محدودة في القضايا الأساسية، رغم اختلافهما في بعض الخطابات والأولويات. ففي حين يتحدث اليمين الحاكم علناً عن ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين، تركز المعارضة على إدارة الصراع ومأسسة الاستيطان، من دون طرح تسوية نهائية أو حل الدولتين.
وبينما ترى السلطة الفلسطينية أن أي حكومة قد تكون أفضل من الائتلاف الحالي، وتأمل عواصم أوروبية في إنهاء مرحلة التوتر مع نتنياهو، تبقى فرص التغيير مرتبطة بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وشكل الائتلاف المقبل. فهل يفتح سقوط نتنياهو الباب أمام مقاربة مختلفة، أم يقتصر التغيير على أسلوب إدارة الصراع مع استمرار النهج الأمني الرافض للتسوية السياسية؟
الانتخابات الإسرائيلية: خياران "أحلاهما مرّ"
يرى الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن الفلسطينيين، أينما وجدوا، يواجهون خيارين "أحلاهما مرّ"، في ظل طبيعة القوى المتنافسة على الحكم في إسرائيل. فالفوارق الجوهرية بين المعسكرين محدودة، لكن بعض الاختلافات في الخطاب والمواقف تظل قائمة، وقد تفسر الرهان على سقوط حكومة نتنياهو باعتباره اختياراً لأقل الخيارات سوءاً.
وأوضح شلحت، في حديث لـ"عربي بوست"، أن اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو يتحدث صراحة عن مستقبل الحرب وتهجير الفلسطينيين، بينما لا تطرح أحزاب المعارضة التهجير في خطابها الانتخابي. ويشكل هذا الاختلاف أحد أبرز الفوارق بين الطرفين، وإن لم يكن كافياً للدلالة على تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية.
في ما يتعلق بالضفة الغربية، يتحدث الائتلاف اليميني الحاكم علناً عن ضمها وحسم السيطرة عليها، بينما تتبنى أحزاب "معسكر التغيير" مقاربة تقوم على "مأسسة الاستيطان"، إلى جانب معارضتها إقامة دولة فلسطينية. وبذلك، لا تقدم المعارضة بديلاً سياسياً واضحاً عن النهج القائم، بقدر ما تختلف معه في بعض الأدوات والخطابات.
تفسر هذه التباينات، وفق شلحت، أسباب التعويل على المعارضة رغم محدودية الفوارق بين المعسكرين، فالمسألة من وجهة نظر بعض المراهنين على تغيير الحكومة، لا تتعلق بانتظار تحول جذري في الموقف الإسرائيلي، وإنما باحتمال الحد من السياسات الأكثر تطرفاً، حتى لو بقيت الخيارات الأساسية تجاه الفلسطينيين على حالها.
مقاربة أمنية ورفض دولة فلسطينية
تظل المقاربة الأمنية نقطة التقاء رئيسية بين حكومة نتنياهو والمعارضة، وفق شلحت. فأقطاب المعسكرين يشددون على ضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل من خلال القوة العسكرية والاستخباراتية، ولا يظهر في خطاب المعارضة الذي يسبق الانتخابات الإسرائيلية ما يشير إلى مراجعة جوهرية لهذا النهج.
ويدعو غادي آيزنكوت، زعيم حزب "يَشار" وأحد أبرز وجوه المعارضة، إلى تحويل إسرائيل إلى "قوة إقليمية كبرى"، ما يتجاوز مكانتها الراهنة. أما نفتالي بينت، أحد أبرز أقطاب المعارضة، فيتبنى خطاباً تصعيدياً تجاه تركيا وقطر، متوعداً بإعلانهما "دولتين عدوتين"، كما يدعو إلى إعداد خطة عسكرية "سرية ومفاجئة" لحسم المواجهة مع حركة حماس.
تعكس هذه المواقف، بحسب قراءة شلحت، أن التنافس الانتخابي لا يدور حول التخلي عن المقاربة الأمنية، وإنما حول كيفية تطبيقها وإدارة المواجهات الإقليمية. فالمعارضة التي تعوّل عواصم أوروبية وإقليمية على وصولها إلى الحكم تبدو متشددة أمنياً في خطوطها العامة، حتى إن اختلف بعض قادتها في المصطلحات والأساليب.
من أبرز المفاهيم التي تظهر في خطاب بعض قادة المعارضة "إدارة الصراع" و"تقليص الصراع"، وهي مقاربات تقوم على تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في الضفة الغربية، ما يخفف الضغوط الأمنية والعسكرية، من دون معالجة جذور الصراع. وقد برز هذا النهج في الخطاب الإسرائيلي منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
تكمن المفارقة في أن أياً من أحزاب المعارضة لا يطرح في خطابه الانتخابي استئناف مفاوضات سياسية تفضي إلى تسوية نهائية، أو تبني حل الدولتين. وتغيب هذه الخيارات عن برامجها، كما تغيب عن خطاب اليمين الحاكم، ما يحد من التوقعات بشأن حدوث تحول سياسي ملموس تجاه الفلسطينيين في حال تغيرت الحكومة.
رهان السلطة على إسقاط نتنياهو؟
لا يقتصر ترقب سقوط حكومة نتنياهو على العواصم الخارجية، بل يشمل السلطة الفلسطينية التي تجد نفسها أمام مأزق سياسي في ظل استمرار الحرب وتوسع الاستيطان وتراجع فرص إطلاق مسار تفاوضي. ومع ذلك، يقر مسؤولون فلسطينيون بأن المعارضة الإسرائيلية ليست كتلة متجانسة في رؤيتها لمستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.
قال قيادي في دائرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لـ"عربي بوست" إن بقاء حكومة نتنياهو بعد الانتخابات يعني أن المنطقة برمتها تتجه نحو "كارثة"، وليس القضية الفلسطينية وحدها. ويعكس هذا التقدير حجم القلق الفلسطيني من استمرار الائتلاف اليميني الحالي، في ظل ما شهدته السنوات الماضية من تصعيد عسكري وسياسي.
من جهته، رأى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، في حديث لـ"عربي بوست"، أن أي حكومة إسرائيلية، أياً كانت هويتها، ستكون "أفضل" من الحكومة الحالية. لكنه أقر بأن تشكيل حكومة من المعارضة لا يعني بالضرورة فتح مسار سياسي يقود إلى حل الدولتين.
يستند هذا الرهان، بحسب مجدلاني، إلى ما وصفه بـ"الواقعية الممكنة"، أي احتمال أن تقدم حكومة مختلفة عن الائتلاف اليميني على وقف الإجراءات الاستيطانية والحد من إرهاب المستوطنين. وقد تشكل هذه الخطوات، إن تحققت، إجراءات اضطرارية لتخفيف عزلة إسرائيل الدولية، حتى من دون تغيير موقفها الأساسي من إقامة دولة فلسطينية.
لكن هذا الرهان يظل محكوماً بطبيعة المعارضة نفسها، التي لا تتبنى برنامجاً واضحاً للتسوية السياسية، ولا تتعهد بإعادة إحياء المفاوضات على أساس حل الدولتين. لذلك، فإن التغيير الذي ينتظره الفلسطينيون قد يقتصر على تخفيف بعض الإجراءات الأكثر تطرفاً، بدلاً من الانتقال إلى مسار جديد يعالج جذور الصراع.
قضايا تتصدر المنافسة
تتركز المنافسة الانتخابية، وفق شلحت، على كيفية حسم المواجهات في الجبهات المتعددة، إلى جانب القضايا الداخلية الإسرائيلية. وفي المقابل، لا تحظى السياسة الخارجية، بما فيها القضية الفلسطينية، بالمكانة نفسها في النقاش الانتخابي، وسط شبه إجماع بين المتنافسين على رفض تسوية سياسية مع السلطة الفلسطينية.
وتتألف المعارضة الإسرائيلية، المعروفة باسم "معسكر التغيير"، من 4 تكتلات رئيسية: حزب "يَشار" بزعامة غادي آيزنكوت، وحزب "معاً" الذي يشكل تحالف نفتالي بينت ويائير لابيد، وحزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان، إضافة إلى ما تبقى من اليسار الصهيوني ممثلاً بحزب "الديمقراطيين" بقيادة يائير غولان.
لا تعني وحدة هذه القوى في مواجهة نتنياهو أنها تتبنى رؤية سياسية واحدة، إذ تظهر خلافاتها في ملفات تشكيل الحكومة والاستناد إلى أصوات الكتل العربية، فضلاً عن تبايناتها بشأن إدارة الصراع الإقليمي. ويجعل ذلك من نتائج الانتخابات وطبيعة الائتلاف المحتمل عاملين حاسمين في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
في ما يتعلق بالاعتماد على الكتل العربية لإسقاط حكومة نتنياهو، يرفض حزب "إسرائيل بيتنا" الاستناد إلى الأصوات العربية لتشكيل حكومة. ويتقاطع هذا الموقف مع أحزاب في ائتلاف نتنياهو، بينها "الصهيونية الدينية"، التي ترفض بدورها قيام حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية.
تعكس هذه المواقف حدود التحالفات الممكنة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، حيث لا تتطابق معارضة نتنياهو بالضرورة مع قبول شراكة سياسية مع الأحزاب العربية. كما أن الخلاف حول هذه المسألة قد يؤثر في قدرة معسكر التغيير على تشكيل حكومة، حتى لو تمكن من تحقيق نتائج انتخابية تضعف موقع اليمين الحاكم.
ولا يستبعد شلحت، المقيم داخل الخط الأخضر، سيناريو تشكيل حكومة وحدة، في ظل التقارب والاستقطاب الحاد بين المعسكرين. ويشير إلى أن آيزنكوت أبدى انفتاحه على الانضمام إلى حكومة من هذا النوع مع حزب الليكود، شرط غياب نتنياهو عن المشهد السياسي.
أما إذا تعادل معسكر اليمين والمعارضة انتخابياً، ما قد يفضي إلى استمرار حكومة انتقالية برئاسة نتنياهو لمدة 6 أشهر ثم التوجه إلى انتخابات جديدة، فيستبعد شلحت تكرار أزمة الانتخابات التي شهدتها إسرائيل عام 2019. ويعزو ذلك إلى تعهد الرئيس الإسرائيلي بعدم السماح بتكرار السيناريو نفسه، مع توقع ضغطه باتجاه تشكيل حكومة وحدة.
كما لا يستبعد شلحت تدخلاً أميركياً لدفع الأطراف نحو تشكيل حكومة موحدة وواسعة، انطلاقاً من تقدير أن الظروف التي تمر بها إسرائيل لا تحتمل تجدد أزمة سياسية كتلك التي شهدتها عام 2019. لكن هذه السيناريوهات تظل مرتبطة بنتائج الاقتراع وقدرة القوى المتنافسة على تجاوز خلافاتها.
أوروبا تريد نهاية حكم نتنياهو
تترقب بريطانيا والاتحاد الأوروبي نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وسط تصاعد الانتقادات الأوروبية الموجهة إلى حكومة نتنياهو خلال الأسابيع الأخيرة. وتُقرأ هذه الانتقادات باعتبارها رسائل ضمنية تعكس تفضيل عواصم أوروبية انتهاء حكم الائتلاف الحالي، في ظل وصول العلاقات بين تل أبيب وعدد من الدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر.
وتجلت هذه الخلافات في السجالات العلنية، إلى جانب إغلاق إسرائيل سفارات وقنصليات وطرد دبلوماسيين تابعين لعدد من الدول، على خلفية مواقفها الرافضة لممارسات الاحتلال. وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات فرصة محتملة للأوروبيين للتعامل مع حكومة إسرائيلية مختلفة، وإن لم يكن ذلك ضماناً لتغيير السياسات القائمة.
وقال مصدر في مكتب الاتحاد الأوروبي بالقدس لـ"عربي بوست" إن دول الاتحاد تعوّل على سقوط حكومة اليمين بزعامة نتنياهو، لكنه أقر بأن ذلك يظل احتمالاً في ظل الاستقطاب الحاد بين اليمين المتطرف والمعارضة. فنتائج الانتخابات لا تحسم وحدها شكل الحكومة المقبلة، كما أن التباينات داخل معسكر التغيير قد تعرقل تشكيل ائتلاف بديل.
وأشار المصدر إلى أن لدى أوروبا ملفات وتحديات أخرى تتجاوز القضية الفلسطينية، وهو ما قد يؤثر في مستوى الضغط الممارس على إسرائيل. وتشمل هذه الأولويات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة، إلى جانب الملفات الأخرى التي تتنافس على اهتمام العواصم الأوروبية ومواردها السياسية والدبلوماسية.
ويعني ذلك أن الرهان الأوروبي على رحيل نتنياهو لا يرتبط بالضرورة بتبني المعارضة نهجاً جديداً تجاه الفلسطينيين، بقدر ما يعكس الرغبة في إنهاء مرحلة اتسمت بتوترات حادة مع عدد من الحكومات الأوروبية. كما أن انشغال أوروبا بأزماتها الأخرى قد يحد من قدرتها على مواصلة الضغط بالوتيرة نفسها، بصرف النظر عن هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
هل تواجه إسرائيل تحولات لم تتوقعها؟
تدفع هذه الحسابات بعض الفلسطينيين ودول المنطقة إلى ترقب احتمال سقوط حكومة نتنياهو، أملاً في أن يفتح ذلك المجال أمام مقاربة مختلفة، حتى لو لم يؤد إلى تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية. فالتغيير في رأس الحكومة قد يتيح، وفق هذه الرؤية، مساحة لتخفيف بعض الإجراءات أو إعادة ترتيب العلاقة مع الأطراف الدولية، لكنه لا يضمن معالجة جذور الصراع.
في حديثه لـ"عربي بوست"، أشار المصدر الأوروبي إلى أن إسرائيل ليست بمنأى عن التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم، في ضوء ما أفرزته السنوات الأخيرة وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات ومفاجآت. وقد تضع هذه التحولات إسرائيل أمام وقائع واستحقاقات، وربما حلول، لم تكن تتوقعها من قبل.
مع ذلك، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بحدود ما يمكن أن يتغير إذا انتقلت السلطة من نتنياهو إلى المعارضة. فالمواقف المعلنة بشأن الأمن والاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية تشير إلى أن التغيير المحتمل قد يطال أسلوب إدارة الصراع أكثر ما يطال أسسه السياسية.
وبينما تراهن السلطة الفلسطينية وبعض العواصم الأوروبية على انتهاء حكم نتنياهو، فإن مواقف قادة المعارضة وبرامجهم الانتخابية لا تقدم حتى الآن مؤشرات واضحة على تحول نحو تسوية نهائية. لذلك، قد تكون أهمية الانتخابات في قدرتها على تغيير شكل الحكم الإسرائيلي وخطابه، لا في ضمان انتقاله إلى سياسة مختلفة جذرياً تجاه الفلسطينيين والمنطقة.