اليمين الإسرائيلي يصعّد ضد مصر.. خطاب متشدد بشأن “احتلال سيناء” ومصادر تكشف خلفياته وموقف القاهرة

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/22 الساعة 19:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/22 الساعة 19:30 بتوقيت غرينتش
اليمين المتطرف الإسرائيلي يتحدث عن "احتلال سيناء"/ عربي بوست

تتجه التوترات بين مصر وإسرائيل إلى مرحلة أكثر حساسية، مع عودة مسؤولين إسرائيليين إلى التلويح باحتمال احتلال شبه جزيرة سيناء، بالتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي المعادي للقاهرة، وجاءت أحدث هذه التصريحات على لسان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش.

في المقابل، اختارت القاهرة الرد بلغة تؤكد تمسكها بالسلام، من دون التنازل عن حقها في حماية أراضيها وصون أمنها. وبدلاً من الدخول في سجال مباشر مع سموتريتش، شدد الرئيس المصري على أن بلاده لا تحمل أطماعاً تجاه أي طرف، وأن استعادة أراضيها بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول لا تعني تخليها عن امتلاك القوة اللازمة لحمايتها.

وقال مصدر عسكري مصري لـ"عربي بوست" إن التصريحات الإسرائيلية تحمل أبعاداً انتخابية، وتسعى إلى تصوير مصر باعتبارها تهديداً. واعتبر أن رسائل السيسي أربكت هذه السردية، مشيراً إلى أن أي تحسن في العلاقات بين البلدين سيظل مرتبطاً بتخلي إسرائيل عن أوهام تهجير الفلسطينيين، والالتزام بالانسحاب من قطاع غزة وضمان عدم تهديد الحدود المصرية.

سموتريتش يعيد التلويح باحتلال سيناء

يوم الاثنين 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، هدّد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش باحتلال شبه جزيرة سيناء إذا شنت مصر هجوماً على إسرائيل، معرباً عن عدم اطمئنانه إلى تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن عدم وجود نية لدى القاهرة لمحاربة إسرائيل.

قال سموتريتش، في حديث لمنصة إسرائيلية: "كيف سأضمن ألّا تهاجمنا مصر؟ يجب أن يفهموا أن المرة القادمة التي يهاجمون فيها لن تكون هناك سيناء". كما شكك في جدوى التصريحات المصرية، معتبراً أن أحد دروس هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 يتمثل في ضرورة الاستعداد لقدرات الخصوم، بدلاً من الاكتفاء بتقدير نياتهم.

أضاف الوزير الإسرائيلي أن مصر "لديها قدرات"، في إشارة إلى ما اعتبره ضرورة التعامل مع إمكاناتها العسكرية باعتبارها مصدر تهديد محتمل. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يلوّح فيها سموتريتش بمصير سيناء، إذ سبق أن أدلى بتصريحات مماثلة في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 لموقع "هشتيفلك".

قال سموتريتش آنذاك: "لن تكون هناك سيناء إذا تعرضنا لهجوم من مصر"، مضيفاً أن القاهرة لن تهاجم إسرائيل خشية أن تعيد تل أبيب احتلال شبه الجزيرة. وتأتي هذه التصريحات في سياق حملات سياسية وإعلامية إسرائيلية تتحدث عن تنامي القدرات العسكرية المصرية في سيناء.

يرى مصدر عسكري مصري أن توقيت هذه التصريحات ليس منفصلاً عن الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، إذ تسعى الحكومة اليمينية إلى إقناع جمهورها بأنها تواجه أخطاراً خارجية تحتاج إلى قيادة قادرة على التصدي لها، وقال إن تصوير مصر باعتبارها تهديداً محتملاً يخدم هذا الخطاب، رغم أن القاهرة تؤكد تمسكها بمعاهدة السلام.

يعتبر المصدر أن رد السيسي أفقد هذه السردية جزءاً من فاعليتها، بعدما أكد أن مصر لا تستهدف أحداً، وأن أولوياتها تتركز على حماية حدودها وأمنها واستقرارها. كما أن التصريحات الإسرائيلية تضع الحكومة أمام إحراج سياسي، لأنها تتحدث عن تهديد مصري في الوقت الذي تعلن فيه القاهرة تمسكها بالسلام.

رسائل سلام من موقع القوة

خلال كلمته في الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، التي أقيمت بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر/ تشرين الأول، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن مصر خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها وتمكنت من استعادة كامل أراضيها. وأكد أن الهدف الأول والأخير للدولة المصرية هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها، نافياً وجود أي أجندات خفية لدى القاهرة.

وتساءل السيسي عما إذا كانت لدى بعض الأوساط في إسرائيل تصورات أو هواجس غير مبررة بشأن وجود مطامع مصرية تجاهها، مشدداً على أن الأولوية الأساسية لمصر تتمثل في حماية الحدود والحفاظ على الأمن، ضمن إطار من السلام والاستقرار.

الرئيس المصري أكد أن معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل تمثل الإطار الحاكم للعلاقات بين الجانبين، مجدداً التأكيد على عدم وجود أطماع مصرية تجاه أي طرف.

في قراءة المصدر العسكري، فإن هذه الرسائل لم تكن محاولة لتخفيف التوتر مع إسرائيل بقدر ما كانت تأكيداً على المنهج المصري في التعامل مع التهديدات، مع إبقاء السلام خياراً أساسياً ما دامت إسرائيل تحترم التزاماتها.

وفي احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، عاد السيسي إلى الحديث عن علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كاشفاً أنه طرح خلال لقاءاته معه منذ عام 2013 أهمية إقامة دولة فلسطينية باعتبارها مدخلاً لتحقيق الاستقرار الحقيقي في المنطقة، وتهيئة الظروف لاندماج إسرائيل فيها.

وقال السيسي إن إتاحة الفرصة لإقامة دولة فلسطينية من شأنها تحقيق الاستقرار للجميع، وإتاحة اندماج حقيقي لإسرائيل في المنطقة، لكنه أشار إلى أن نتنياهو لم يكن مقتنعاً بهذا الطرح. وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتحمل مسؤولية إدارة شؤون دولته، ويدرك أن مصر لا تمثل تهديداً لإسرائيل.

وتطرق السيسي كذلك إلى حوار دار بينه وبين نتنياهو بشأن تسليح مصر، موضحاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سأله عن أسباب تسلح القاهرة. ورد عليه، وفق روايته، بأن القوة الإسرائيلية لا تمثل تهديداً لمصر، داعياً إلى التعامل مع القوة المصرية باعتبارها ليست مصدراً لتهديد إسرائيل.

ويقول المصدر العسكري إن السيسي تعمد عدم الرد مباشرة على سموتريتش أو ذكر اسمه، مفضلاً توجيه رسائل أوسع إلى إسرائيل والولايات المتحدة والعالم. ووفق المصدر، فإن القاهرة تريد التأكيد على أنها دولة سلام، لكنها لن تقبل بتحويل هذا الالتزام إلى مبرر للتنازل عن سيادتها أو تجاهل التهديدات التي تستهدف أراضيها.

أضاف أن الرسائل المصرية تأتي أيضاً في ظل ضغوط أمريكية غير مباشرة لتحسين العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، رغم استمرار الخلافات بشأن الحرب في غزة والملفات الأمنية المرتبطة بها. وترى القاهرة أن أي حديث عن استعادة العلاقات إلى مستويات أفضل يجب أن يرتبط بالتزامات إسرائيلية واضحة، لا بمجرد تصريحات سياسية.

التهجير ومحور فيلادلفيا

كشف المصدر العسكري أن التصريحات الإسرائيلية قد تحمل أهدافاً أخرى تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة، بينها الرد على محاولات إسرائيلية غير معلنة جرت خلال الفترة الماضية لتحسين العلاقات مع مصر واستعادة التمثيل الدبلوماسي.

لكنه أشار إلى أن القاهرة رفضت هذه المحاولات، وتمسكت بضرورة ضمان عدم تنفيذ خطط تهجير الفلسطينيين والانسحاب من قطاع غزة، وفق ما نص عليه اتفاق شرم الشيخ. وتشمل المطالب المصرية، بحسب المصدر، ضمان عدم تهديد الحدود المصرية والانسحاب من محور فيلادلفيا، الذي تحتله القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة.

ويعتبر أن استمرار الخلاف حول هذه الملفات دفع حكومة الاحتلال إلى تصعيد خطابها ضد مصر، في وقت تواصل فيه القاهرة التأكيد على مبادئ السلام وحل القضية الفلسطينية وصون سلامة الأراضي العربية.

وشدد المصدر على أن مصر ترى أن إسرائيل ما زالت تخالف التزاماتها المرتبطة باتفاق السلام، من خلال استمرار احتلال محور فيلادلفيا. وفي المقابل، تعمل القاهرة على تأمين حدودها في مواجهة أي تجاوزات إسرائيلية، سواء ارتبطت بمحاولات التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم أو بأي تحركات عدائية أخرى.

بحسب المصدر، فإن التصريحات المصرية لا تستهدف طمأنة إسرائيل بقدر ما تؤكد أن القاهرة اختارت السلام من موقع قوة، بعد استعادة أراضيها، وأنها قادرة على حمايتها من أي اعتداء. كما أن التمسك بالسلام لا يعني القبول باستمرار الحرب أو تجاهل التهديدات الإسرائيلية للأراضي العربية.

ويشير مصدر مطلع إلى أن مصر تدرك طبيعة الأفكار التوسعية الإسرائيلية، رغم التزامها بالسلام، ولذلك تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية مع التركيز بصورة أساسية على الجوانب الدفاعية وردع المخاطر المحتملة.

ويقول إن العقيدة العسكرية المصرية تقوم على أن الحفاظ على السلام الذي حكم العلاقات بين البلدين لعقود يتطلب تجهيز القوات المسلحة وتطوير وحداتها بصورة مستمرة.

يضيف المصدر أن القاهرة تسعى إلى الحفاظ على توازن عسكري يدفع الطرف الآخر إلى التفكير مليّاً قبل اتخاذ أي خطوة عدائية. وعندما وجدت مصر، وفق المصدر، أن الحصول على أسلحة تحافظ على الردع الاستراتيجي يواجه قيوداً، اتجهت إلى تنويع مصادر التسليح.

وتتعامل القاهرة، بحسب المصدر المطلع، بهدوء مع التصريحات الاستفزازية، لكنها لا تستبعد تطورات أخرى تستدعي التعامل معها وفق طبيعتها. ويرى أن بعض الأطراف تسعى إلى إشعال الحروب في المنطقة وإغراقها في صراعات تخدم المخططات التوسعية الإسرائيلية، وهو ما يدفع مصر إلى تعزيز قدراتها.

ولفت المصدر إلى أن الإعلام الإسرائيلي سلط خلال الأشهر الماضية الضوء على إجراءات مصرية في شبه جزيرة سيناء، ما فيها مشروعات التنمية، إلى جانب أحاديث متكررة عن وجود قوات مسلحة إضافية أو تجاوز اتفاقية كامب ديفيد.

ويعتبر أن هذه التغطية تسهم في تغذية المخاوف الإسرائيلية بشأن التحركات المصرية، رغم تأكيد القاهرة أن تعزيز الأمن في سيناء يستهدف حماية الحدود والأراضي المصرية.

يقول المصدر إن رسائل السيسي الأخيرة أحدثت انقساماً داخل الأوساط الإسرائيلية، إذ قرأها بعضهم باعتبارها محاولة للتهدئة والطمأنة، بينما رأى آخرون أنها تحمل تحذيرات غير مباشرة من التفكير في الاعتداء على الحدود المصرية.

ويعكس هذا التباين، وفق المصدر، اختلاف التقديرات الإسرائيلية بشأن طبيعة الموقف المصري وحدود ما يمكن أن تقبله القاهرة.

تحريض ومخاوف من تغير ميزان القوة

لم تبدأ التصريحات المعادية لمصر مع تهديدات سموتريتش الأخيرة، إذ استمرت خلال الأشهر الماضية حملات تحريض أطلقها سياسيون ومسؤولون إسرائيليون ضد القاهرة، على خلفية ما وصفوه بـ"إعادة تسليح وتغيير الواقع العسكري في سيناء". وتربط هذه الخطابات بين تعزيز القدرات المصرية وبين مخاوف إسرائيلية من تغيّر موازين القوة في المنطقة.

وفي أغسطس/ آب 2026، دعا الجاسوس الإسرائيلي الأمريكي السابق جوناثان بولارد تل أبيب إلى الاستعداد لمواجهات عسكرية جديدة مع مصر وتركيا. واعتبر أن البلدين قد يشكلان "الجبهة القادمة" بعد إيران، وأنهما يمثلان التهديد الاستراتيجي المقبل لإسرائيل من الشمال والجنوب.

وفي مايو/ أيار 2026، حذر الرئيس الأسبق لجهاز الموساد إفرايم هيلفي من حالة الجمود السياسي والتراشق بين القاهرة وتل أبيب. وأشار إلى أن الانتشار المكثف للجيش المصري ودخوله في حالة استنفار مستمرة في المنطقة "ج" من سيناء جعلا هامش المناورة الأمنية الإسرائيلية أكثر تعقيداً.

ورأى هيلفي أن هذا الوضع يتطلب مراجعة شاملة لبروتوكولات السلام الأمنية، لتجنب الاحتكاك أو التصعيد غير المحسوب. وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب تحذيرات بولارد وتهديدات سموتريتش، اتساع النقاش داخل إسرائيل بشأن القدرات العسكرية المصرية ومستقبل الترتيبات الأمنية في سيناء.

لكن المصدر العسكري المصري يعتبر أن تعزيز القدرات المصرية لا ينبغي قراءته باعتباره استعداداً لشن حرب، بل بوصفه جزءاً من استراتيجية ردع تستهدف حماية الأراضي المصرية ومنع أي طرف من التفكير في الاعتداء عليها.

يرى المصدر أن خطاب التهديد باحتلال سيناء يتجاوز حدود التصريحات الفردية، لأنه يعيد طرح أفكار تتعارض مع الأسس التي قامت عليها العلاقات بين البلدين بعد اتفاق السلام. كما أن استدعاء سيناء في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي يثير حساسيات تاريخية وسياسية، في ظل ارتباط استعادتها بالحرب التي خاضتها مصر عام 1973.

ردود مصرية غاضبة

أثارت تصريحات سموتريتش الأخيرة ردود فعل غاضبة في مصر، حيث رفض مسؤولون وشخصيات عامة التلويح بمصير سيناء، معتبرين أن الحديث عن احتلالها يتجاهل تاريخ المواجهة بين البلدين والنتائج التي انتهت إليها حرب أكتوبر/ تشرين الأول.

وهاجم عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري الوزير الإسرائيلي عبر تدوينة على منصة "إكس"، واصفاً إياه بأنه يتسم بـ"وقاحة شديدة". وانتقد بكري تكرار تصريحاته بشأن سيناء، رغم تأكيد الرئيس المصري عدم وجود نية لدى القاهرة لخوض حرب مع إسرائيل.

وقال بكري: "أرجو أن تتذكر درس أكتوبر 73، وكما قال الرئيس السيسي: اللي عملها مرة، قادر أن يكررها مرة أخرى". ويعكس هذا الرد جانباً من الغضب المصري إزاء استخدام سيناء في التصريحات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تمسك القاهرة بالسلام ورفضها التهديدات التي تستهدف أراضيها.

وتستند العلاقات المصرية الإسرائيلية إلى معاهدة السلام الموقعة عام 1979، التي أنهت حالة الحرب بين البلدين ونظمت انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء. كما تتمسك القاهرة برفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وتؤكد أن حل الدولتين، عبر إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، يمثل المسار الضروري لتحقيق الاستقرار.

في ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن تصريحات سموتريتش ستقود إلى تغيير فوري في طبيعة العلاقات المصرية الإسرائيلية، لكنها تضيف مستوى جديداً من التوتر إلى خلافات قائمة بالفعل. فالقاهرة تواصل التأكيد على التزامها بالسلام، مع ربط أي تحسن في العلاقات بوقف التهديدات والالتزام بالترتيبات الأمنية والانسحاب من المناطق التي تطالب إسرائيل بالانسحاب منها.

بحسب المصدر العسكري المصري، فإن استمرار الخطاب الإسرائيلي المعادي لن يغير من ثوابت الموقف المصري، لكنه قد يزيد حدة التوترات إذا اقترن بتحركات ميدانية أو بمحاولات فرض وقائع جديدة على الحدود. في المقابل، تسعى القاهرة إلى إبراز التناقض بين تمسكها بالسلام وبين التصريحات التي تلوح باحتلال أراضٍ مصرية.

تحميل المزيد