إسرائيل تبحث عن جنود.. كيف يستقطب جيش الاحتلال المهاجرين والمتطوعين من الخارج؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/14 الساعة 09:40 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/14 الساعة 11:37 بتوقيت غرينتش
جيش يبحث عن جنود.. كيف تستقطب إسرائيل المهاجرين والمتطوعين من الخارج؟ /عربي بوست

في ظل أزمة متفاقمة في القوى البشرية، يواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي صعوبات متزايدة في توفير الجنود اللازمين لعملياته العسكرية، وسط ضغوط على قوات الاحتياط وخلافات داخلية بشأن توسيع نطاق التجنيد وتمديد الخدمة الإلزامية.

ومع استمرار هذا المأزق، تبرز برامج استقطاب المهاجرين والمتطوعين من الخارج بوصفها إحدى القنوات التي تعتمد عليها إسرائيل لتعزيز صفوف جيشها.

ولا تقتصر هذه البرامج على استقبال الراغبين في الخدمة العسكرية، بل تشمل تأهيلهم للالتحاق بالوحدات المختلفة، وتقديم مساعدات مالية وسكنية واجتماعية لبعضهم. وتمتد بعض أشكال الدعم إلى ما بعد التسريح، حين يختار جزء من القادمين من الخارج الاستقرار في إسرائيل بدلًا من العودة إلى بلدان إقامتهم السابقة.

لكن هذه الجهود تثير تساؤلات بشأن قدرتها الفعلية على تخفيف أزمة التجنيد، في ظل الفجوة بين احتياجات الجيش وأعداد القادمين من الخارج، فضلًا عن اختلاف أوضاع المهاجرين الذين ينتقلون للإقامة في إسرائيل والمتطوعين الذين يلتحقون بالخدمة دون اشتراط الهجرة الدائمة.

فكيف تستقطب إسرائيل هؤلاء المجندين، ومن أين يأتون وإلى أي وحدات يتجهون؟ وما الحوافز والمساعدات التي يحصلون عليها؟ وإلى أي مدى تسهم هذه البرامج في معالجة نقص الجنود، وما دورها في استقرار بعض القادمين من الخارج بعد انتهاء خدمتهم؟

من أين يأتي المجندون، وإلى أي وحدات يتجهون؟

تتصدر الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وأوكرانيا قائمة بلدان المنشأ للجنود المهاجرين الذين يخدمون دون دعم أسري في إسرائيل. ووفق بيانات عُرضت أمام الكنيست في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بلغ عدد هؤلاء 3614 جنديًا، يمثلون 52% من إجمالي "الجنود المنفردين" آنذاك. وجاء 30% منهم من الولايات المتحدة، و18% من روسيا، و12% من فرنسا، و7% من أوكرانيا.

وتقدم دفعات التجنيد مؤشرًا آخر على تدفق المهاجرين. فقد نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن الجيش أن دفعة مارس/آذار وأبريل/نيسان 2025 ضمت 1113 مهاجرًا جديدًا تقرر تجنيدهم، مقابل 883 في الفترة نفسها من عام 2024، و799 في 2023؛ أي بزيادة تقارب 39% خلال عامين. وهذه مقارنة بين دفعات محددة، وليست إحصاءً سنويًا شاملًا لجميع القادمين من الخارج.

أما برنامج "محال"، فتقول وزارة الدفاع إنه يستقبل مئات المتطوعين سنويًا، وإن نحو 90% من المشاركين فيه يلتحقون بوحدات قتالية، دون تحديد الفترة الزمنية التي يغطيها هذا التقدير.

ولا يضمن البرنامج للمشارك الالتحاق بوحدة بعينها؛ إذ يتوقف توزيعه على احتياجات الجيش واللياقة الطبية ونتائج الاختبارات ومستوى إتقانه اللغة العبرية.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث فئات متداخلة: مهاجرون انتقلوا إلى إسرائيل وحصلوا على جنسيتها، ومتطوعون مقيمون في الخارج يؤدون الخدمة دون اشتراط الهجرة، و"جنود منفردون" لا يتوافر لهم دعم أسري داخل البلاد، ومن بينهم إسرائيليون نشؤوا فيها.

لماذا يستقطب جيش الاحتلال متطوعين من الخارج؟

لا يعود التجنيد الخارجي إلى الحروب الإسرائيلية الأخيرة في غزة ولبنان وإيران؛ فقد شارك متطوعون من خارج إسرائيل في حرب عام 1948، واستمر هذا المسار لاحقًا عبر برنامج "محال" وبرامج أخرى مرتبطة بالهجرة.

لكن أزمة القوى البشرية الراهنة أعادت إبراز أهمية القنوات التي تتيح استقطاب أفراد مؤهلين للخدمة، خصوصًا مع الضغوط التي تواجه القوات المقاتلة وقوات الاحتياط.

وفي مايو/أيار 2026، تناولت صحيفة تايمز أوف إسرائيل تحذيرات الجيش من تفاقم النقص والإرهاق في صفوف قواته، بالتزامن مع نقاشات سياسية بشأن تجنيد اليهود المتدينين المتشددين "الحريديم" وتمديد الخدمة الإلزامية.

وخلال جلسة بالكنيست، حذر العميد شاي طيب، المسؤول عن تخطيط القوى البشرية، من أن استمرار الترتيبات القائمة قد يؤدي إلى اتساع العجز خلال الأشهر التالية.

يسرائيل كاتس وزير جيش الاحتلال الجديد
يسرائيل كاتس وزير جيش الاحتلال/ الأناضول

وتوفر برامج التجنيد الخارجي مصدرًا إضافيًا للجنود، لكنها لا تعالج بمفردها الخلاف بشأن توزيع عبء الخدمة داخل المجتمع الإسرائيلي.

كما لا تتوافر بيانات سنوية موحدة تثبت ارتفاع أعداد متطوعي "محال" بصورة مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ فالزيادة الموثقة في دفعات المهاجرين لا تعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في مختلف مسارات التطوع.

كيف تعمل برامج التجنيد من الخارج؟

تبدأ إجراءات الالتحاق ببرنامج "محال" بتقديم الوثائق اللازمة لإثبات الأهلية، ثم اجتياز الفحوص الطبية والتحقق الأمني والاختبارات العسكرية.

وتوصي إدارة البرنامج ببدء الإجراءات قبل موعد التجنيد بعدة أشهر، والوصول إلى إسرائيل مبكرًا لاستكمال الترتيبات. ولا يعني قبول الطلب الأولي ضمان الالتحاق بالجيش أو بوحدة يختارها المتقدم.

وتشمل الاستعدادات مرحلة لتحسين مستوى اللغة العبرية، والتأهيل البدني والنفسي، والتعرف إلى متطلبات الخدمة. وتوضح وزارة الدفاع أن المتقدم يتحمل نفقات السفر والإقامة قبل التجنيد، رغم مجانية التسجيل؛ أي إنه يتحمل جزءًا من تكاليف الالتحاق قبل أن يبدأ تلقي المخصصات العسكرية.

وإلى جانب "محال"، يعمل برنامج "غارين تسابار"، الذي بدأ عام 1991، ويستهدف شبابًا يهودًا وأبناء إسرائيليين يعيشون في الخارج ويرغبون في الانتقال إلى إسرائيل والخدمة في جيشها. ويكمن الفرق بين البرنامجين في أن "محال" لا يشترط الهجرة الدائمة، بينما يجمع "غارين تسابار" بين الانتقال للإقامة في إسرائيل والاستعداد للخدمة العسكرية.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، عرضت صحيفة يديعوت أحرونوت نموذجًا لهذا المسار، تمثل في افتتاح مقر سكني جديد بمركز حناتون شمال إسرائيل، لاستقبال نحو 30 شابًا وشابة من أمريكا الشمالية.

الجيش الإسرائيلي
قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي/shutterstock

ويوفر المشروع إقامة جماعية وتأهيلًا قبل التجنيد ومرافقة اجتماعية، فيما تحدث مشاركون للصحيفة عن دوافع تراوحت بين الرغبة في الخدمة والشعور بالانتماء وتجاربهم الشخصية في بلدان إقامتهم.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في عدد المشاركين وحده، بل في طبيعة الدعم المقدم؛ إذ تساعد شبكة من المؤسسات والمرافقين القادمين الجدد على التعامل مع متطلبات اللغة والسكن والإجراءات العسكرية. ومع ذلك، تختلف الخدمات المتاحة وشروط الاستفادة منها بحسب البرنامج الذي يلتحق به المتقدم.

من يمول الخدمة؟ المخصصات والسكن وشبكة الدعم

تتوزع مسؤولية تقديم المساعدات بين الجيش ووزارة الهجرة والاستيعاب ووزارة الدفاع وجمعيات أهلية. وتحظى فئة "الجنود المنفردين" بترتيبات خاصة، لأنها تضم أفرادًا يخدمون دون دعم أسري متاح داخل إسرائيل، سواء كانوا مهاجرين أو متطوعين أو إسرائيليين يواجهون ظروفًا عائلية مختلفة.

وفي مارس/آذار 2026، عرض الجيش أمام الكنيست بيانات تفيد بوجود 7661 جنديًا منفردًا في الخدمة. وبلغت المخصصات المعيشية الشهرية المعلنة للجندي المقاتل المنفرد 3552 شيكلًا (نحو 1150 دولارًا)، مقابل 2101 شيكل لمن يؤدي مهام دعم قتالي.

وشملت ترتيبات السكن 233 شقة ضمن أحد البرامج، و79 شقة في برنامج "البيت الدافئ"، و16 شقة مخصصة للجنود الحريديم.

غير أن هذه المساعدات لا تلغي الصعوبات الاقتصادية. فقد عرض ممثل مكتب مراقب الدولة، خلال الجلسة نفسها، نتائج مراجعة أظهرت أن 65% من الجنود المشمولين بالدراسة ربطوا عدم رضاهم بصعوبات مالية، وأن 5% فقط قالوا إن رواتبهم تغطي نفقاتهم.

وتشارك جهات أهلية في سد بعض الفجوات؛ فبحسب يديعوت أحرونوت، جُمعت نحو 800 ألف شيكل (260 ألف دولار) من أكثر من ألف متبرع لإنشاء مقر حناتون، الذي يربط المشاركين بأسر محلية تساعدهم على الاندماج.

ما بعد التسريح.. من يعود ومن يستقر؟

يتيح برنامج "محال" للمتطوع العودة إلى بلد إقامته بعد انتهاء الخدمة، لكن وزارة الدفاع تشير إلى أن نحو نصف المشاركين يختارون الهجرة إلى إسرائيل أثناء الخدمة أو بعدها.

وفي فئة أخرى، أعلنت وزارة الهجرة والاستيعاب أمام الكنيست، في مارس/آذار 2026، أن 87% من الجنود المهاجرين المنفردين ظلوا في إسرائيل بعد ثلاث سنوات من التسريح. غير أن هؤلاء مهاجرون انتقلوا أصلًا إلى البلاد، ولذلك لا يمكن مساواة معدل بقائهم بنسبة المتطوعين الذين قرروا الهجرة لاحقًا.

وتستمر بعض أشكال الدعم بعد انتهاء الخدمة؛ إذ يقدم برنامج "أجنحة"، وفق البيانات الحكومية، التوجيه المهني والمساعدة في الدراسة والعمل لنحو 800 جندي مسرّح سنويًا. وتساعد هذه الخدمات المستفيدين على الانتقال من الحياة العسكرية إلى المدنية، دون أن تثبت وحدها تأثيرًا مباشرًا في قرار البقاء.

وفي تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال عن أمريكيين انتقلوا إلى إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ظهرت دوافع مختلفة للهجرة؛ فقد جاء بعض الشباب رغبةً في الخدمة العسكرية، بينما ارتبط انتقال آخرين بعوامل عائلية أو دينية أو تعليمية.

وتوضح هذه الحالات صعوبة تفسير الاستقرار بالتجنيد وحده؛ فقد يسبق قرار الهجرة الخدمة العسكرية، أو يتشكل بالتزامن معها، بينما يختار متطوعون آخرون العودة إلى بلدان إقامتهم السابقة.

تجنيد الحريديم
احتجاجات للحريديم ضد التجنيد/ رويترز

هل يعوض التجنيد الخارجي نقص الجنود الإسرائيليين؟

لا يستطيع التجنيد الخارجي، وفق الأرقام المعلنة، سد العجز الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي. فمقابل نقص يبلغ نحو 12 ألف جندي، لا يستقبل برنامج "محال" سوى مئات المتطوعين سنويًا، ما يجعله مصدرًا إضافيًا للقوى البشرية، وليس بديلًا عن معالجة أزمة التجنيد المحلي.

وتكمن المفارقة في أن أثر هذه البرامج قد يمتد إلى ما بعد الخدمة العسكرية، رغم محدودية قدرتها على تعويض نقص الجنود. فبينما تستقطب إسرائيل متطوعين من الخارج لتعزيز صفوف جيشها، يختار بعضهم الاستقرار فيها بعد التسريح، مستفيدين من برامج التأهيل والدعم. غير أن البيانات المتاحة لا تكفي لتحديد مدى تأثير الخدمة العسكرية نفسها في قرار البقاء.

تحميل المزيد