كشفت مصادر لبنانية ودبلوماسية أوروبية لـ"عربي بوست" عن مخاوف متزايدة في بيروت من استغلال إسرائيل أي مواجهة إقليمية جديدة مع إيران لشن عملية عسكرية أوسع في جنوب لبنان، قد تمتد إلى مناطق شمال نهر الليطاني وتفرض وقائع ميدانية جديدة قبل استكمال المفاوضات الجارية.
تتركز المخاوف اللبنانية على احتمال أن يؤدي انخراط جديد لحزب الله في مواجهة مرتبطة بإيران، في ظل تداخل جبهات التصعيد الإقليمي، خاصة على الجبهة اليمنية والهجمات على السعودية، إلى توسيع العمليات الإسرائيلية وفرض شروط أمنية وسياسية إضافية على الدولة اللبنانية.
في موازاة ذلك، تتابع الأجهزة الأمنية اللبنانية مؤشرات على إعادة حزب الله تنظيم بنيته العسكرية واللوجستية، بالتزامن مع تداول معلومات عن حصوله على تمويل إيراني مخصص للتعويضات وإعادة الإعمار، ويثير ذلك تساؤلات بشأن الجاهزية العسكرية للحزب.
على المسار السياسي، تستعد بيروت لجولة جديدة من المفاوضات العسكرية في الولايات المتحدة، وسط خلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي وصلاحيات التحقق الميداني، بالتزامن مع تباين أميركي أوروبي حول مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد الانسحاب التدريجي لقوات "اليونيفيل".
مخاوف بيروت من عملية إسرائيلية أوسع
كشف مصدر حكومي لبناني لـ"عربي بوست" أن الاتصالات الدبلوماسية والأمنية التي تجريها بيروت مع أطراف دولية تركز على احتمال انتقال التصعيد الإقليمي إلى الجبهة اللبنانية. وأشار إلى أن الرسائل التي تصل إلى المسؤولين اللبنانيين تتضمن تحذيرات من استغلال إسرائيل أي انخراط جديد لحزب الله في مواجهة مرتبطة بإيران لتوسيع عملياتها العسكرية.
لا تقتصر المخاوف اللبنانية على احتمال اندلاع الحرب، بل تشمل طبيعة الأهداف الإسرائيلية المحتملة، خصوصاً المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، حيث تعتبر إسرائيل أن الحزب أعاد بناء أجزاء من بنيته العسكرية. وتخشى بيروت أن تتحول هذه التقديرات إلى مبرر لاستهداف مناطق جديدة، تشمل إقليم التفاح وجبل الريحان ومناطق متصلة بالبقاع الغربي.
في المقابل، قال مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع على الاتصالات المتعلقة بلبنان لـ"عربي بوست" إن العواصم الغربية لا تتعامل مع اندلاع حرب شاملة في المنطقة باعتباره أمراً محسوماً، لكنها ترى أن تداخل الجبهات الإقليمية وتراجع فعالية آليات التهدئة يزيدان احتمالات الانزلاق إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
يضيف المصدر أن الهجمات التي استهدفت السعودية أصبحت جزءاً من التقديرات الأمنية المتعلقة بلبنان، بسبب احتمال انتقال التصعيد بين الجبهات المرتبطة بإيران، حتى في غياب قرار إقليمي موحد بفتح حرب واسعة. ويتطلب تحديد طبيعة التحرك الإيراني مراقبة ما إذا كانت العمليات ستبقى محصورة في اليمن، أم ستترافق مع تحركات متزامنة في لبنان والخليج.
لا تستبعد التقديرات اللبنانية لدى الرئاسة ورئاسة الحكومة أن تقترن أي مواجهة واسعة بإجراءات إسرائيلية تستهدف حركة النقل والإمداد، بما في ذلك فرض قيود جوية وبحرية وبرية، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد اللبناني وقدرة المؤسسات على الاستمرار في تقديم الخدمات.
يرى المصدر الدبلوماسي الأوروبي أن الخطر الأكبر يتمثل في انتقال إسرائيل من استخدام العمليات العسكرية للضغط على حزب الله إلى محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد يصبح أساساً للمفاوضات بشأن الانسحاب والترتيبات الحدودية.
وإذا توسعت المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان، فستجد بيروت نفسها مضطرة إلى التفاوض على انسحابات إضافية بدلاً من استكمال الانسحاب من المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية.
حزب الله وإعادة بناء القدرات العسكرية
تتابع الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية مؤشرات على استمرار حزب الله في إعادة تنظيم بنيته العسكرية واللوجستية، مستفيداً من الفترة التي أعقبت توقف العمليات العسكرية الواسعة.
بحسب مصدر أمني لبناني، تشمل التحركات إعادة تأهيل مواقع سابقة وتعزيز الانتشار في مناطق استراتيجية شمال الليطاني، إلى جانب المحافظة على مجموعات صغيرة قادرة على العمل في ظروف أمنية معقدة، وفق ما صرح به لـ"عربي بوست".
تتركز المتابعة الأمنية على مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي ومحيط النبطية، التي تكتسب أهمية عسكرية بسبب طبيعتها الجغرافية وموقعها بين جنوب لبنان والبقاع الغربي.
وأوضح المصدر أن إسرائيل تولي هذه المناطق اهتماماً خاصاً، استناداً إلى تقديراتها بشأن وجود بنية عسكرية تحت الأرض ومرافق لوجستية تعود إلى مراحل سابقة، بعضها أُنشئ قبل حرب يوليو/ تموز 2006.
تتحدث المعلومات الأمنية أيضاً عن اهتمام متزايد لدى الحزب بتطوير قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، بما يشمل تحسين مداها وقدراتها التشغيلية. غير أن حجم هذه القدرات ومدى استعادتها لا يزالان موضع تقديرات متباينة، ولا تتوافر معطيات دقيقة تسمح بتحديد مستوى الجاهزية العسكرية الفعلية للحزب.
تكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية في ضوء حوادث ضبط مواد متفجرة في مناطق لبنانية مختلفة، أبرزها البقاع وضهر البيدر، والتي أثارت أسئلة بشأن مصادر المواد المضبوطة ووجهاتها والجهات التي كانت ستستخدمها.
لكن المصدر الحكومي شدد على ضرورة أن تحدد التحقيقات طبيعة الاستخدام المقصود قبل استخلاص نتائج بشأن وجود مخطط أمني داخلي أو استعدادات عسكرية محددة، مؤكداً أن مجرد ضبط المتفجرات لا يكفي لإثبات الغاية النهائية من نقلها.
تتقاطع هذه المعطيات مع الموقف الإسرائيلي الذي يعتبر الترتيبات الأمنية الحالية غير كافية لمنع الحزب من إعادة بناء قدراته، ويطالب بإجراءات لبنانية أكثر تقدماً في ملف السلاح.
في المقابل، تخشى بيروت أن تتحول هذه المطالب إلى مدخل لتوسيع العمليات العسكرية، خصوصاً في المناطق التي تقول إسرائيل إن الحزب يعيد فيها تنظيم وجوده.
التمويل الإيراني والضغط المالي
لا تنفصل التطورات العسكرية عن الضغوط المالية المتزايدة على حزب الله، في ظل تداول معلومات عن حصوله على تمويل إيراني مخصص للتعويضات وإعادة الإعمار، ويتزامن ذلك مع مخاوف من أن يؤدي اتساع الاستهداف الإسرائيلي للبنية المالية للحزب إلى زيادة التوتر الاجتماعي في المناطق المتضررة من الحرب.
بحسب المحلل السياسي الدكتور ربيع دندشلي، تخشى أوساط لبنانية أن تتفاقم هذه الضغوط إذا استمر تعثر التعويضات وإعادة الإعمار، ما يزيد الأعباء على السكان في المناطق التي تضررت من العمليات العسكرية. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد احتمالات تصعيد جديد قد يفاقم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية.
لكن دندشلي يشير في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن المؤشرات السياسية الداخلية لا توحي حالياً باتجاه الحزب إلى مواجهة مباشرة مع الحكومة، مستشهداً باستمرار مشاركته في المؤسسات وعدم تعطيل عدد من الاستحقاقات السياسية.
ويرى أن المحافظة على الاستقرار الداخلي تتطلب مسارين متوازيين: دعم المؤسسات اللبنانية اقتصادياً وأمنياً، ومنع التصعيد العسكري من تقويض قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها.
تضع هذه المعطيات الحكومة اللبنانية أمام تحدي احتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للحرب، بالتزامن مع الخلافات بشأن سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي والضمانات الأمنية. ولا تحسم المعلومات المتداولة عن التمويل الإيراني، في حد ذاتها، طبيعة تأثيره في الاستعدادات العسكرية للحزب أو مستوى قدراته الفعلية.
جولة مفاوضات جديدة في تامبا
تستعد بيروت لجولة جديدة من المفاوضات العسكرية المقررة في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026. وكشف المصدر الحكومي اللبناني أن قيادة الجيش تلقت دعوة للمشاركة، وأن التحضيرات تتجه إلى انتقال الوفد العسكري اللبناني إلى الولايات المتحدة قبل موعد الاجتماعات، ما لم يطرأ تطور أمني أو سياسي يؤدي إلى تأجيلها.
وفق المصدر الحكومي، سيحمل الوفد اللبناني مطالب تتعلق بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، واستكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية، والبحث في توسيع المناطق التجريبية التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني، إلى جانب الاتفاق على آلية واضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
في المقابل، تشير المعلومات التي وصلت إلى بيروت إلى استمرار المطالب الإسرائيلية بتوسيع صلاحيات التحقق الميداني، والتشدد في تفكيك المنشآت العسكرية التابعة لحزب الله، مع طرح صيغ لتنسيق أمني أكثر مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وقال المصدر الحكومي إن لبنان يتحفظ على أي ترتيبات تمنح القوات الإسرائيلية صلاحيات دخول المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني أو التدخل المباشر في تنفيذ مهماته، باعتبار أن ذلك يتعارض مع مبدأ السيادة الذي تستند إليه المفاوضات.
أضاف أن الموقف اللبناني يقوم على ضرورة تلازم الإجراءات الأمنية مع الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، بدلاً من تحويل نزع السلاح إلى شرط مسبق لتنفيذ جميع الالتزامات الأخرى.
تكشف هذه الخلافات عن تباين في ترتيب الأولويات بين الطرفين؛ فإسرائيل تطالب بتوسيع التحقق الميداني وتفكيك المنشآت العسكرية التابعة للحزب، بينما تصر بيروت على ربط الإجراءات الأمنية بوقف العمليات العسكرية واستكمال الانسحاب، ورفض أي صلاحيات إسرائيلية مباشرة داخل المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني.
وتكتسب الجولة المقبلة أهمية في ظل المخاوف من أن يسبق التصعيد العسكري التوصل إلى تفاهم، ما قد يؤدي إلى تغيير الوقائع الميدانية وتعقيد المفاوضات، خصوصاً إذا توسعت العمليات الإسرائيلية إلى مناطق جديدة شمال الليطاني.
خلاف غربي على مستقبل جنوب لبنان
بالتوازي مع المفاوضات العسكرية، يبرز خلاف بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية بشأن طبيعة الحضور الدولي في لبنان بعد انتهاء العمليات المقررة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2026، وبدء انسحابها التدريجي.
وقال المصدر الدبلوماسي الأوروبي إن الاتصالات الحالية تتناول 3 مسارات منفصلة يجري الخلط بينها أحياناً: بعثة أوروبية لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية، وقوة محتملة تتولى بعض المهمات بعد انسحاب اليونيفيل، وآلية دولية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل.
وأوضح أن البعثة الأوروبية التي أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس استكمال التخطيط لها خلال زيارتها بيروت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول، تهدف أساساً إلى تدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتعزيز قدراتهما في مراقبة الحدود وإدارة الملفات الأمنية.
وتشير التصورات الأولية إلى احتمال أن تضم البعثة نحو 100 عنصر، مع مكونات متخصصة في التدريب والمشورة، لكنها لا تشكل بديلاً مباشراً عن اليونيفيل، ولا تستهدف تولي مهماتها العسكرية في جنوب لبنان.
بحسب المصدر، تتحفظ واشنطن على إنشاء ترتيبات دولية جديدة يمكن أن تتداخل مع الآلية التي ترعاها، وتفضل إعطاء دور أكبر للجيش اللبناني ضمن إطار تنسيق ومراقبة محدد.
في المقابل، ترى أطراف أوروبية أن تقليص الحضور الدولي من دون توفير ضمانات رقابية مستقلة قد يترك فراغاً أمنياً، خصوصاً مع استمرار العمليات الإسرائيلية وعدم اكتمال الانسحاب من جنوب لبنان.
كشف المصدر الدبلوماسي الأوروبي أن المشاورات بشأن آلية التحقق لا تزال مفتوحة، مع تداول أسماء دول بينها إيطاليا وسويسرا والأردن للمشاركة في ترتيبات رقابية محتملة، إلى جانب نقاشات أخرى تشمل دولاً أوروبية وغير أوروبية.
وأكد أن هذه التصورات لم تتحول بعد إلى اتفاق نهائي، وأن الخلاف لا يتعلق فقط بالدول المشاركة، بل بطبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، وآلية إعداد التقارير، وحدود الانتشار، والجهة التي تتولى التعامل مع الخروقات.
تتمسك بيروت، وفق المصدر الحكومي، بأن تشمل الرقابة تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية أيضاً، وألا تقتصر على مراقبة انتشار الجيش اللبناني أو إجراءات حصر السلاح.
ويضيف المصدر أن أي آلية لا تتضمن ضمانات عملية لوقف الاعتداءات والانسحاب ستواجه صعوبة في الحصول على توافق لبناني واسع، خصوصاً في ظل الحساسية الداخلية المرتبطة بملف سلاح حزب الله.
بذلك، يمتد الخلاف الأميركي الأوروبي إلى طبيعة الضمانات التي يُفترض أن تحكم المرحلة المقبلة، وحدود الدور الممنوح للجيش اللبناني، وكيفية التحقق من التزامات الطرفين.
وبينما تراهن واشنطن على ترتيبات أمنية تقودها الدولة اللبنانية، تخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي تقليص الحضور الدولي قبل توفير بدائل رقابية إلى فراغ أمني يصعب احتواؤه.