مجلس النواب الليبي: مصادر تكشف كواليس الإطاحة بعقيلة صالح ودور صدام حفتر في إدارة المسار السياسي

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/08 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/08 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
حفتر والإطاحة بعقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب الليبي/ عربي بوست

كشفت مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" أن الإطاحة بعقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب الليبي لم تبدأ داخل قاعة البرلمان، وإنما سبقتها اجتماعات واتصالات قادها صدام حفتر مع عدد من أعضاء المجلس، في إطار ترتيبات هدفت إلى إنهاء رئاسة عقيلة وإعادة تشكيل هيئة الرئاسة.

بحسب المصادر، أبلغ صدام نواباً اجتمع بهم أن عقيلة "وصل إلى خط النهاية"، داعياً إلى حشد أكبر عدد ممكن من النواب لتغيير هيئة رئاسة المجلس. وفي الوقت نفسه، كانت أسماء الرئاسة الجديدة متداولة قبل التصويت، فيما بدأت ترتيبات أوسع لمرحلة ما بعد عقيلة.

لم يتوقف التحرك عند تغيير رئيس مجلس النواب، إذ تكشف المصادر أن المرحلة التالية يجري ربطها بمسار سياسي ودستوري جديد، يكون صدام حفتر مسؤولاً عن إدارته. وفي هذا السياق، أبلغ خليفة حفتر مصباح دومة دعمه لاتفاق "4+4" وضرورة المضي في تضمينه ضمن المسار المقبل.

وجاء انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً لمجلس النواب لاحقاً ليعلن انتهاء المرحلة العلنية من معركة عقيلة صالح، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر حول مستقبل المؤسسة التشريعية والمسار السياسي الذي ستسلكه بعد تغيير رئاستها.

تربط مصادر "عربي بوست" بين هذه التطورات وبين سلسلة تحركات جرت خلف الأبواب المغلقة، شملت اجتماعات صدام مع النواب، وتبايناً داخل الدائرة القريبة من خليفة حفتر بشأن مستقبل عقيلة، وتحركاً مصرياً، ثم انتقال النقاش إلى ترتيبات سياسية ودستورية تتجاوز مجرد تغيير رئيس البرلمان.

كواليس بدأت قبل الإطاحة بعقيلة

قال مصدر برلماني مطلع لـ"عربي بوست" إن صدام حفتر عقد سلسلة اجتماعات مباشرة مع أعضاء في مجلس النواب قبل انطلاق إجراءات تغيير الرئاسة. وأبلغ صدام الحاضرين بأن عقيلة صالح "وصل إلى خط النهاية"، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تغيير هيئة رئاسة المجلس وحشد أكبر عدد ممكن من النواب لتحقيق ذلك.

أضاف المصدر أن صدام تناول خلال الاجتماعات واقعة منع نواب من دخول مقر المجلس لعقد جلسة سابقة في بنغازي، ووصف ما حدث بأنه "خطأ"، وقال إن خليفة حفتر تدخل لمعالجته.

أبلغ صدام النواب حينها بأن لقاءً سيُعقد لاحقاً مع والده، وهو ما حدث بالفعل بحضور عدد من أعضاء المجلس وصدام وبلقاسم حفتر.

وبحسب المصدر، لم تكن تلك الاجتماعات تتعلق فقط بالنقاش حول تعديل اللائحة، وإنما كانت ترتيبات مرحلة ما بعد عقيلة قد بدأت بالفعل، بما في ذلك حشد الكتلة المطلوبة لتغيير هيئة الرئاسة.

حسب مصادر برلمانية، فإن شكل هيئة الرئاسة الجديدة كان بدوره محل تفاهمات قبل استكمال عملية الاختيار داخل المجلس. وقال مصدر لـ"عربي بوست" إن الترتيب الذي جرى تداوله بين النواب تضمن الصالحين عبد النبي رئيساً، وطارق الأشتر نائباً أول، مع بقاء مصباح دومة نائباً ثانياً.

كما تحدث المصدر عن زايد هدية مقرراً للمجلس ومحمد تامر نائباً للمقرر، مشيراً إلى أن بعض هذه المواقع كان يُتعامل معها باعتبارها محسومة بالتوافق وليس عبر منافسة مفتوحة.

وجاء إعلان انتخاب الصالحين لاحقاً متطابقاً مع أول الأسماء التي تحدث عنها المصدر، فيما ضمت المنافسة على منصب النائب الأول طارق الأشتر والصديق حمودة وعز الدين قويرب.

بحسب المصدر، أثارت طريقة ترتيب الأسماء اعتراضات بين نواب رأوا أن هيئة الرئاسة الجديدة يجري تشكيلها تحت تأثير سياسي مباشر، وهو ما دفع بعض الأعضاء إلى مغادرة بنغازي، بينما عاد آخرون إلى مناطقهم وبدأت اتصالات بشأن التحرك الجاري في طرابلس.

صدام حفتر يتولى المسار السياسي

تضيف تفاصيل اجتماع مصباح دومة مع خليفة حفتر بُعداً أوسع لفهم ما جرى بعد تغيير رئاسة مجلس النواب. بحسب المصدر المطلع، أبلغ حفتر دومة بأنه يدعم اتفاق "4+4"، وأن على المجلس المضي في تضمينه ضمن المسار السياسي والدستوري المقبل، فيما أكد أن إدارة المسار السياسي من جانبه ستكون من اختصاص صدام حفتر.

كان مجلس النواب قد أعلن في وقت سابق دعمه لاتفاق "4+4" ومخرجاته، ما جعل ملف تضمينه دستورياً أحد الملفات المطروحة أمام المجلس في المرحلة التالية.

وقال مصدر برلماني لـ"عربي بوست" إن تغيير رئاسة المجلس كان يُنظر إليه داخل الكتلة الداعمة له باعتباره خطوة تسبق الانتقال إلى إجراءات دستورية مرتبطة بمخرجات الاتفاق، بينها ما يصفه المصدر بالتعديل الدستوري الرابع عشر.

بذلك، وفق رواية المصادر، لا تبدو إزاحة عقيلة هدفاً مستقلاً، بل جزءاً من إعادة ترتيب المؤسسة التشريعية قبل مرحلة سياسية جديدة، يكون فيها صدام مسؤولاً عن إدارة المسار السياسي من جانب القيادة العامة.

كان المعلن رسمياً عن اجتماع دومة وحفتر قد اقتصر على بحث "المستجدات السياسية" ودعم توحيد المؤسسات والدفع بالمسار السياسي، من دون الكشف عن تفاصيل تتعلق باتفاق "4+4" أو تكليف صدام بإدارة الملف السياسي.

لكن المصادر تربط بين ما جرى داخل مجلس النواب وبين هذا الاجتماع، باعتبار أن انتخاب رئاسة جديدة للمجلس يمثل، في تصورها، خطوة تمهيدية للانتقال إلى ترتيبات سياسية ودستورية أوسع.

القاهرة تحاول الإبقاء على عقيلة

لكن عملية تغيير عقيلة لم تحظَ بإجماع كامل داخل الدائرة القريبة من خليفة حفتر. وقال مصدر برلماني إن بلقاسم حفتر كان يدعم استمرار عقيلة، وأجرى اتصالات مع نواب في محاولة للحد من الكتلة التي تتحرك لتغييره، في مقابل الدور المباشر الذي لعبه صدام في حشد كتلة التغيير.

في الوقت نفسه، تقول مصادر مطلعة إن عقيلة توجه خلال الأزمة إلى القاهرة برفقة نجله بلقاسم صالح، طلباً لدعم مصري. وبحسب المصادر، دخل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد على خط الاتصالات، ونقل إلى خليفة حفتر رغبة القاهرة في بقاء عقيلة، بينما رد حفتر بأن القضية "شأن داخلي".

لا توجد بيانات رسمية تؤكد تفاصيل الزيارة أو الاتصالات التي تحدثت عنها المصادر. وقال مصدر برلماني إن احتمال التدخل المصري طُرح بصورة مباشرة خلال أحد اجتماعات صدام مع النواب.

بحسب المصدر، سأله أحد الحاضرين عن احتمال تدخل حسن رشاد للوصول إلى تسوية تُبقي عقيلة، فأجاب صدام: "خلاص، استنفدنا كل الحلول. المرة هذه حتى لو يجي السيسي معاه، عقيلة لازم يتنحى بأي طريقة. ولازم نجمع أكبر عدد من النواب ونعقد جلسة لإزاحته".

ولا توجد تصريحات علنية لصدام تؤكد العبارة، لكن أهميتها، وفق رواية مصادر "عربي بوست"، تكمن في أنها إذا جُمعت مع الحديث عن التحرك المصري، تشير إلى أن عملية تغيير عقيلة مضت رغم وجود رغبة مصرية في الإبقاء عليه.

من معركة الرئاسة إلى أزمة داخل البرلمان

نجاح كتلة التغيير في إبعاد عقيلة لم يُنهِ الأزمة داخل مجلس النواب، بل نقل الخلاف إلى مستوى آخر يتعلق بشرعية المسار الجديد وطبيعة العلاقة بين المؤسسة التشريعية والمؤسسة العسكرية.

وقالت مصادر لـ"عربي بوست" إن نواباً مقاطعين يعقدون اجتماعات في طرابلس، ويعترضون على ما يصفونه بتزايد تدخل المؤسسة العسكرية في قرارات مجلس النواب. ويناقش هؤلاء إمكانية إعلان جسم نيابي يعمل من العاصمة ويتمتع، وفق تصورهم، باستقلال أكبر في اتخاذ قراراته.

ترافقت هذه المشاورات مع تحركات علنية لنواب في طرابلس، بينها افتتاح مقر للمجلس ودعوات لأعضاء آخرين للالتحاق بهم، ما يجعل خطر الانقسام يتجاوز مجرد الاعتراض الإعلامي. وتؤكد المصادر أن اتصالات تجري مع نواب كانوا في بنغازي لاستطلاع إمكانية انضمامهم إلى جلسات طرابلس المقبلة.

لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن تأسيس مجلس موازٍ، كما لم يتضح عدد النواب المستعدين للسير في هذا الاتجاه. واللافت أن هذه المجموعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد امتداد لمعسكر عقيلة، إذ إن عقيلة والنائب الأول فوزي النويري اعترضا بدورهما على شرعية المسار البرلماني المنطلق من طرابلس.

وبذلك تظهر كتلة ثالثة لا تتمحور بالضرورة حول بقاء عقيلة، بل حول رفض الطريقة التي جرى بها ترتيب مرحلة ما بعده. وهذا يضع الرئاسة الجديدة أمام تحدٍّ يتجاوز تثبيت شرعيتها داخل المجلس، إلى منع تحول الخلاف على طريقة انتقال السلطة البرلمانية إلى انقسام مؤسسي جديد بين بنغازي وطرابلس.

اتهامات مالية واختبار المسار الجديد

إلى جانب الخلافات السياسية، رافقت عملية جمع الأصوات اتهامات بمساومات مالية. وقال مصدر برلماني لـ"عربي بوست" إن عملية جمع الأصوات سبقتها أيضاً مساومات مالية، وإن مجموعة من النواب طلبت مبالغ تصل إلى 200 ألف دولار مقابل ضمان الحضور والتصويت.

لم يتمكن "عربي بوست" من التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية أو تحديد عدد النواب المعنيين، ولا توجد معلومات تثبت دفع مبالغ فعلاً.

وفي اجتماعات طرابلس، تقول مصادر أخرى إن بعض النواب استخدموا وصف "المرتشين" في الحديث عن المشاركين في مسار تغيير عقيلة، وهو اتهام يبقى منسوباً إلى أصحابه ولا يمثل دليلاً مستقلاً على وقوع شراء أصوات.

وانتهت المرحلة العلنية الأولى بانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً، لكن المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" تشير إلى أن تغيير عقيلة لم يكن سوى بداية عملية أوسع.

إذ قاد صدام الحشد السياسي لتغيير الرئاسة، بينما تحرك بلقاسم في الاتجاه المقابل، وحاولت القاهرة الحفاظ على عقيلة. وفي صباح يوم الانتخاب، أبلغ خليفة حفتر مصباح دومة، وفق المصدر، أن اتفاق "4+4" يجب أن يمضي إلى مرحلة التضمين، وأن صدام هو المكلف بإدارة المسار السياسي.

وهنا يقع الاختبار الحقيقي للرئاسة الجديدة، فالمسألة لم تعد تتعلق ببقاء عقيلة أو رحيله، بل بمدى ارتباط مجلس النواب بالمسار السياسي الذي يديره صدام، وما إذا كانت القيادة الجديدة ستتمكن من تمرير ترتيبات المرحلة المقبلة من دون أن تؤدي طريقة تشكيلها إلى انقسام المؤسسة.

في المقابل، تتحرك مجموعة من النواب في طرابلس باتجاه مسار موازٍ، ما يضع المجلس أمام احتمال أن تنتهي عملية تغيير رئاسته إلى انقسام جديد داخله.

وبذلك، لم تكن إزاحة عقيلة نهاية الصراع على مجلس النواب، وإنما انتقالاً إلى معركة أخرى حول من يملك قرار المؤسسة التشريعية، ومن يدير المسار السياسي المقبل، وما إذا كان اتفاق "4+4" سيكون مدخله الأساسي.

في قلب هذا المسار يقف صدام حفتر، الذي تقول المصادر إنه قاد عملية الحشد لإنهاء رئاسة عقيلة، ثم أصبح، وفق ما أبلغه خليفة حفتر لمصباح دومة، مسؤولاً عن إدارة المسار السياسي من جانب القيادة العامة.

تحميل المزيد