كشفت مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" أن القاهرة تتعامل مع ما تعتبرها محاولات لجرها إلى صراع عسكري خارج حدودها، وفي منطقة لا يوجد فيها تماس مباشر مع حدودها المشتعلة أساساً على اتجاهات استراتيجية عدة، وأن التصعيد الإثيوبي ضد مصر يأتي في سياق محاولات لخلط الأوراق وتحويل أزمة داخلية إلى صراع إقليمي أوسع.
مصدر مصري مطلع قال إن "التصعيد الإثيوبي ضد مصر لا ينفصل، من وجهة نظر القاهرة، عن سياسة إثيوبية مستمرة منذ سنوات، بدأت مع بناء سد النهضة ورفض محاولات التنسيق بشأن بنائه وتشغيله، و تهديد المصالح المصرية في البحر الأحمر، خصوصاً بعد اعترافها بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة".
جاءت اتهامات أديس أبابا لمصر بدعم الجماعات المسلحة المعارضة تزامناً مع تصعيد إعلامي ظهر بوضوح منذ نحو شهرين، وقال إن وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية تحولت إلى منصة لإطلاق تصريحات عدائية تجاه مصر، رغم عدم اتخاذ القاهرة مواقف جديدة بشأن إصرار أديس أبابا على رفض الحلول السياسية لأزمة سد النهضة.
وفق المصدر الرسمي، فقد فوجئت القاهرة كذلك باتجاه إثيوبيا إلى التخطيط لبناء سدود جديدة، رغم عدم التوصل إلى توافق بشأن سد النهضة، واعتبر أن ذلك "يستدعي تأكيد موقف مصر الرافض لإقامة سدود يمكن أن تؤثر سلباً على الأمن المائي المصري، في ظل استمرار الخلاف حول قواعد ملء السد وتشغيله".
سياق التصعيد الإثيوبي ضد مصر
قال المصدر المصري المطلع إن التصعيد الإثيوبي ضد مصر يأتي في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصعيداً، مع تمدد الصراعات وعدم اقتصارها على المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ويرى أن هناك محاولات لخلق مزيد من البؤر المشتعلة في مناطق تتماس ببعضها بعضاً، ولو بصورة غير مباشرة.
ومن وجهة نظر القاهرة، لا يمكن فصل عسكرة مضيق هرمز والتهديدات المستمرة في البحر الأحمر عما يجري في القرن الأفريقي. ويتزامن ذلك مع تصعيد في مضيق باب المندب وصراع حوثي خليجي أصبح أكثر وضوحاً، وسط توقعات بمزيد من المعارك والعمليات العسكرية خلال الفترة المقبلة.
أضاف المصدر أن هذه التطورات تأتي أيضاً في ظل ضغوط عديدة تمارس على القاهرة بشأن القبول بتهجير الفلسطينيين. ولذلك ترى مصر أن فتح مسار صراع جديد في محيطها الإقليمي قد يضاعف الضغوط عليها، في وقت تواجه فيه بالفعل ملفات أمنية وسياسية متعددة على اتجاهات استراتيجية مختلفة.
كما لفت المصدر إلى أن التصعيد الإثيوبي ضد مصر جاء في وقت تجاهلت فيه القاهرة محاولات عديدة لجرها إلى التصعيد الإقليمي، وبالضبط منذ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. وقال إن مصر تدرك أن الخطر الأكثر حساسية قد يأتي من حدودها المباشرة، بينما لا تزال قضية المياه، رغم خطورتها، قابلة للتعامل معها عبر أدوات متعددة.
القاهرة ترفض الدخول في حرب بعيدة
يرى مصدر "عربي بوست" أن الدخول في حروب بعيدة عن الحدود المصرية ستكون كلفته مرتفعة، وقد يجعل القاهرة أكثر عرضة للضغط من جانب إسرائيل. وقال إن إسرائيل تحاول التحرش بمصر وخلق حالة عدائية معها رغم وجود اتفاق سلام تؤكد القاهرة مراراً وتكراراً التزامها به.
يؤكد المصدر أن التماهي الإثيوبي الإسرائيلي بشأن الاعتراف بإقليم أرض الصومال، إلى جانب توالي الاتفاقيات الأمنية والدبلوماسية وزيارات المسؤولين على مستوى الرؤساء ووزراء الخارجية، يكشف، من وجهة نظر القاهرة، عن خيوط بشأن توافق بين الطرفين في سياسات تعتبرها مصر عدائية لأمنها القومي.
بناءً على ذلك، يقول المصدر إن مصر حريصة على عدم خلط الأوراق، وتؤكد الحفاظ على وحدة الدول الأفريقية وسلامة أراضيها ورفض التدخل في شؤونها. وترفض القاهرة تحويل الأزمة الداخلية في إثيوبيا إلى صراع إقليمي موسع تستفيد منه قوى معادية لمصر.
لعل ذلك ما أكد عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، عندما شدد على موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية. ودعا إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبارها مبادئ أساسية لا غنى عنها لاستقرار القارة.
وقال السيسي، خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي 8 لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، الذي تستضيفه مصر بمدينة العلمين الجديدة، إن علاقات الدول يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والحوار والتشاور.
حسابات داخلية وإقليمية وراء التصعيد
بحسب مصدر مصري آخر مطلع على الملف، فإن التصعيد الإثيوبي ضد مصر يرتبط بتشابك مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية. وفي مقدمة هذه العوامل الضغوط التي تواجه الحكومة الإثيوبية على خلفية التوترات مع بعض القوى والتحالفات الإثنية المسلحة.
يشير المصدر إلى الخلافات المستمرة بين إثيوبيا ودول الجوار بشأن ملفات الأمن والنفوذ الإقليمي. ولا يمكن فصل التحركات الإثيوبية عن التنافس الإقليمي والدولي في منطقة القرن الأفريقي، مع عدم استبعاد حضور أطراف إقليمية ودولية في حسابات التصعيد، وعلى رأسها إسرائيل.
وشدد المصدر على أن العلاقات المصرية الإثيوبية مرشحة لمزيد من التوتر خلال الفترة المقبلة، في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة وتداخل الخلافات الثنائية مع تعقيدات المشهد الأمني والسياسي في القرن الأفريقي.
ويرى أن اتهام القاهرة بدعم جبهة تحرير تيغراي والتدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية يمثل تطوراً لافتاً في مسار الأزمة، خصوصاً في ظل نفي مصر لهذه الاتهامات وتمسكها بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
طرد الدبلوماسيين يرفع مستوى التصعيد
بدأ التصعيد بين مصر وإثيوبيا يأخذ مسارات أكثر حدة بعدما وجهت أديس أبابا اتهامات صريحة للقاهرة بالتدخل في الشأن الإثيوبي. وقال رئيس الأركان العامة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية، برهانو جولا، قبل أسبوع، إن قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها.
وأكد جولا أن جبهة تيغراي والتحالف لا يستطيعان تحقيق شيء بمفردهما، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى. ورفض مصدر مصري، بحسب ما نشرت وكالة الأنباء الرسمية المصرية، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي بمصر في الأزمة الجديدة في تيغراي شمالي البلاد.
جاء ذلك بعد عودة المعارك قبل نحو أسبوع بين الجبهة المعارضة والحكومة الفيدرالية، بعد نحو 4 سنوات من اتفاق سلام أنهى عامين من الحرب. وتزامن التصعيد العسكري في تيغراي مع انتقال التوتر مع القاهرة إلى المجال الدبلوماسي، في خطوة زادت تعقيد العلاقات بين البلدين.
وأعلنت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً، هو أحمد محرم أحمد سليمان، "شخصاً غير مرغوب فيه"، وأبلغت السفارة المصرية في أديس أبابا بضرورة مغادرته الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة. وقالت الخارجية الإثيوبية إن القرار اتخذ وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، من دون تقديم سبب للخطوة.
بعد القرار الإثيوبي، أعلنت مصر، تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل، اعتبار مستشار السفارة الإثيوبية في القاهرة شخصاً غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.
ووصف مصدر مصري الإجراء الإثيوبي بأنه "مؤسف" و"غير مبرر"، مؤكداً أن القاهرة ما دامت أكدت رفضها التام للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم التعليق على أحداث في دول أخرى، ومن بينها إثيوبيا.
عقب قطع إثيوبيا وإريتريا العلاقات الدبلوماسية، وتبادل القاهرة وأديس أبابا طرد دبلوماسيين، دعت مفوضية الاتحاد الأفريقي إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وخفض التوتر.
وأكدت المفوضية استعدادها، بالتشاور مع الدول المعنية، لدعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية للخلافات.
القاهرة تعترض على بيان الاتحاد الأفريقي
رداً على بيان المفوضية الأفريقية، نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية، السبت 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، عن مصدر مطلع بالغ الاستغراب تجاه البيان الأخير الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن ما وصفه البيان بتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر.
وشدد المصدر على أن مصر، التي تعتز بانتمائها الأفريقي وكونها إحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي، ترى في البيان محاولة غير مفهومة للزج بها في قضية إثيوبية داخلية.
وأكد أن سياسة مصر الخارجية ترتكز إلى قواعد القانون الدولي ومبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي، ومنها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشأن الداخلي والالتزام بحسن الجوار.
وأضاف المصدر أن الأزمة الحالية في إثيوبيا هي أزمة داخلية ولا علاقة لمصر بها، وأنه يتعين عدم الانسياق خلف محاولة البعض صرف الانتباه عن الدوافع الداخلية الحقيقية خلف ما يحدث في إثيوبيا.
القاهرة ترى تصعيداً من طرف واحد
يرى مصدر مسؤول أن ما يثير شكوك القاهرة بشأن وجود محاولات للزج بها في صراع خارجي هو أيضاً ما صدر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي. ويعتبر أن البيان ساوى بين الدول الثلاث، في حين أن التصعيد جاء أساساً من إثيوبيا، بدءاً من إغلاق سفارتها في إريتريا ثم إعلان دبلوماسي مصري شخصاً غير مرغوب فيه.
وأشار المصدر إلى أنه لم تتم إدانة إثيوبيا رغم أنها، بحسب تقديره، بدأت التصعيد، كما لم تطلب المفوضية أدلة أو براهين تثبت الاتهامات الموجهة إلى مصر. ولفت إلى أن الاتهامات الإثيوبية لمصر تعبير عن الضعف، بعد أن نجحت الجهود المصرية في كشف "ألاعيب أديس أبابا" بشأن أزمة المياه وسد النهضة.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن القاهرة ترى وجود تدخلات خارجية تقف حائلاً أمام محاولات إنجاح خطوات التنمية والتكامل بين الدول الأفريقية، وهو ما يجعل الدبلوماسية والحوار، من وجهة نظرها، المسار الأكثر حضوراً في التعامل مع الأزمة.
سد النهضة يظل العقدة الرئيسية
لم يستبعد المصدر المسؤول أن تتجه أديس أبابا إلى اتخاذ خطوات إضافية في إطار التصعيد السياسي والدبلوماسي مع القاهرة، ما قد يستدعي تحركات مصرية مقابلة لحماية مصالحها ومؤسساتها الدبلوماسية. ولفت إلى أن الخلاف بشأن سد النهضة يظل العامل الأكثر تأثيراً في مسار العلاقات بين البلدين.
كما أشار إلى غياب اتفاق قانوني ملزم يحظى بقبول الأطراف المعنية، معتبراً أن استمرار إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية من شأنه تعميق انعدام الثقة وإضعاف فرص العودة إلى مفاوضات جادة تفضي إلى تسوية مستدامة.
وأكد المصدر أن القاهرة لا تزال تفضل المسار الدبلوماسي لمعالجة الخلافات، لكنها تنظر إلى قضية مياه النيل باعتبارها مرتبطة مباشرة بأمنها القومي ومصالح مواطنيها.
ويجعل ذلك خيارات القاهرة المستقبلية مرتبطة بطبيعة التطورات على الأرض ومدى تأثيرها في مصالحها، مع ترجيح استمرار التوتر السياسي والدبلوماسي خلال المرحلة المقبلة.
ولا يستبعد المصدر بقاء احتمالات اتخاذ إجراءات متبادلة قائمة، محذراً من أن تزامن أزمة سد النهضة مع التوترات الإثيوبية الإريترية والصراعات الداخلية قد يحول الخلاف الثنائي إلى أزمة إقليمية أوسع.
ويرى أن هذا السيناريو يفرض ضرورة احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة يصعب تقدير تداعياتها، خصوصاً في ظل التوترات المتزامنة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتؤكد المصادر أن القاهرة لا تزال ترى أن هناك مزيداً من الفرص للتفاهم، وأن خطابها يركز على الدبلوماسية والحوار، بعيداً عن الانخراط في صراعات لا طائل منها ولن تحقق فائدة لمصر أو إثيوبيا.
بذلك، تحاول القاهرة، وفق المصادر، الحفاظ على هامش للمناورة الدبلوماسية، مع رفض الاتهامات الإثيوبية وعدم السماح بتحويل الأزمة الداخلية في إثيوبيا إلى مواجهة إقليمية تتجاوز حدود البلدين.