“سوفا 53” يتجه جنوباً.. مصادر تكشف كيف تتوسع إسرائيل على حدود سوريا وإقامتها حزاماً أمنياً

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/05 الساعة 12:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/05 الساعة 12:46 بتوقيت غرينتش
إسرائيل استأنفت أعمال الحفر والتجريف ضمن "مشروع سوفا 53"/ عربي بوست

استأنفت إسرائيل أعمال الحفر والتجريف ضمن "مشروع سوفا 53" في ريف القنيطرة الجنوبي، مع وصول آليات هندسية وعسكرية إلى محيط العشة والرفيد واتجاهها نحو حوض اليرموك، في أحدث تطور لمسار بدأ من شمال القنيطرة ويتوسع تدريجياً جنوباً.

بحسب مصادر عسكرية سورية، فإن أهمية التطور الأخير لا تتعلق فقط باستئناف مشروع بدأ قبل سنوات، وإنما بطبيعة المنشآت التي يجري تنفيذها، من خنادق وسواتر وطرق عسكرية ونقاط مراقبة، ما قد يحول المنطقة المحاذية للجولان المحتل من "منطقة فصل" إلى نطاق أمني تتحكم إسرائيل بقواعد الحركة داخله.

مصادر سورية قالت لـ"عربي بوست" إن المشروع يمتد من محيط حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب والحميدية، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي جنوباً، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى أن الطريق العسكري يبلغ عرضه نحو 8 أمتار، وتصل بعض السواتر المحيطة به إلى 5 أمتار.

يأتي ذلك في ظل انتقال الأعمال إلى محور العشة والرفيد، بالتزامن مع استخدام مسيّرات إسرائيلية لمراقبة المنطقة وتحركات الصحفيين، وسط قراءة سورية تعتبر أن المشروع بات يتجاوز فكرة التحصين الحدودي إلى إنشاء بنية تسمح بالحركة والمراقبة والتحكم بالمجال الواقع شرق خط الفصل.

إسرائيل تغيّر وظيفة المنطقة العازلة

صباح الأحد 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، دخلت آليات هندسية وعسكرية إسرائيلية إلى المنطقة الواقعة غربي قرية العشة وبلدة الرفيد، وبدأت حفر خنادق ورفع سواتر ترابية وشق مسارات عسكرية جديدة.

كانت الآليات قد تمركزت في المنطقة قبل نحو أسبوع من بدء العمل، قبل أن تتحرك باتجاه محور العشة وصولاً نحو حوض اليرموك، فيما تؤكد مصادر رسمية سورية أن الأعمال تشمل استكمال خندق عميق قرب خط الفصل.

تزامن ذلك مع استخدام مسيّرات إسرائيلية لمراقبة المنطقة وتحركات الصحفيين، بينما يمتد المشروع من محيط حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب والحميدية، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي جنوباً.

بدأت إسرائيل العمل على "مشروع سوفا 53" في منتصف عام 2022 من شمال القنيطرة، قبل أن يتوسع المشروع تدريجياً باتجاه الجنوب، مروراً بعدد من قرى المحافظة وأحراشها.

خلال المراحل السابقة، تفاوت عمق الأعمال داخل الأراضي السورية من منطقة إلى أخرى، ووصل في بعض النقاط إلى مئات الأمتار، فيما أدى شق الطرق وإقامة السواتر إلى اقتطاع أراضٍ زراعية ومراعٍ وعزل مساحات عن أصحابها.

وقالت مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" إن قراءة المسار على الخريطة تظهر أن الهدف يتجاوز إقامة "حاجز دفاعي" تقليدي.

بحسب أحد المصادر، فإن "التركيز يجب ألا يكون فقط على عمق التوغل الإسرائيلي في كل قرية، وإنما على محاولة ربط المواقع ببعضها. عندما يصبح لديك طريق عسكري متصل ومحمي بسواتر وخنادق ومواقع مراقبة، يصبح بالإمكان إدارة المنطقة عسكرياً حتى من دون نشر قوات كبيرة في كل نقطة".

هذا النوع من البنية، يوضح المصدر، يسمح للجيش الإسرائيلي بنقل الدوريات والقوات والآليات بسرعة، ومراقبة الحركة شرق الخط، وإغلاق محاور محددة عند الحاجة.

بمعنى آخر، لا تحتاج إسرائيل، وفق القراءة العسكرية السورية، إلى احتلال كل المساحة الواقعة أمام مواقعها بصورة مباشرة، ما دامت تستطيع التحكم بمداخلها ومحاور الحركة داخلها.

المشكلة ليست في الخندق وحده

قال مصدر أمني سوري مطلع على تقييمات ملف الجنوب لـ"عربي بوست" إن دمشق تنظر إلى "مشروع سوفا 53" ضمن سياق أوسع بدأ يتبلور بصورة أكثر وضوحاً منذ نهاية 2024. ويقوم هذا السياق على الانتقال الإسرائيلي من التدخل عند وجود تهديد إلى منع تشكل التهديد أصلاً عبر السيطرة المسبقة على الأرض.

أضاف المصدر: "التقدير لدينا أن إسرائيل تريد تغيير البيئة الأمنية للجنوب السوري وليس فقط مراقبتها. هناك فارق بين أن تدخل قوة عسكرية قرية ثم تنسحب، وبين أن تبني طريقاً وخندقاً وساتراً ونقاطاً عسكرية تسمح لها بالعودة إلى المنطقة في أي وقت ووفق شروطها".

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، توسع الوجود والتحرك العسكري الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة ومحيطها، فيما تطالب الحكومة السورية بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى تطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتشير بيانات نقلتها وسائل إعلام عن الخارجية السورية إلى تسجيل عشرات التوغلات الإسرائيلية خلال أشهر الصيف وحدها، إلى جانب عمليات اعتقال ومداهمة داخل قرى جنوب سوريا.

بالنسبة إلى المصدر الأمني السوري، فإن الخطر لا يكمن في كل عملية بصورة منفردة، وإنما في أن التوغلات المتكررة، والاستطلاع، ونقاط المراقبة، ثم البنية الهندسية، بدأت تشكل أجزاء من منظومة واحدة.

بينما قال مصدر عسكري سوري في المنطقة الجنوبية إن التقييم الميداني لدى الجهات العسكرية السورية يشير إلى أن إسرائيل تعمل على تحويل أجزاء من الشريط المحاذي للجولان المحتل من "منطقة فصل" إلى نطاق أمني تتحكم هي بقواعد الحركة داخله.

أضاف المصدر: "مشروع سوفا 53 لم يعد مجرد ساتر ترابي أو خندق حدودي. نحن أمام طريق عسكري، وخنادق، وسواتر، ونقاط مراقبة ومسارات تسمح للقوات الإسرائيلية بالتحرك طولياً بين مواقعها، وفي الوقت نفسه تعيق الحركة من الشرق باتجاه خط الفصل".

مشروع سوفا 53 نحو حوض اليرموك

تكتسب المرحلة الأخيرة من المشروع حساسية إضافية بسبب انتقال الأعمال إلى محور العشة والرفيد واتجاهها جنوباً نحو منطقة حوض اليرموك. وتشير المعلومات الميدانية الواردة من القنيطرة إلى أن هذا المحور لم يكن ضمن المناطق التي شهدت سابقاً الكثافة نفسها من الأعمال، ما يعني أن المشروع ينتقل إلى استكمال الجزء الجنوبي من مساره.

وقال مصدر عسكري سوري إن المنطقة الجنوبية تختلف عسكرياً وجغرافياً عن شمال القنيطرة، بسبب طبيعة التضاريس واقترابها من المثلث الحدودي السوري–الأردني–الجولان المحتل.

لذلك، فإن استكمال الطريق في هذه المنطقة يمنح إسرائيل محور حركة متصلاً من الشمال باتجاه الجنوب، بدلاً من الاعتماد على مواقع منفصلة.

ولا يعني ذلك، بحسب المصدر نفسه، أن جميع أجزاء المسار ستكون متطابقة من حيث الخنادق أو عمق التوغل، إذ تفرض الأودية والتلال وطبيعة الأرض الزراعية تعديلات على شكل المنشآت الهندسية.

وتشير المصادر السورية إلى أن "مشروع سوفا 53" يشمل طريقاً عسكرياً يبلغ عرضه نحو 8 أمتار، تحيط به سواتر يصل ارتفاع بعضها إلى 5 أمتار، إلى جانب الخنادق ونقاط المراقبة والمواقع العسكرية.

من "خط" إلى "حزام أمني"

هنا تحديداً تتغير دلالة "مشروع سوفا 53″، فالمشروع الذي يمكن النظر إليه ظاهرياً باعتباره طريقاً عسكرياً محصناً، يؤدي عملياً إلى إنشاء خط ثانٍ على الأرض إلى جانب خطوط الفصل المعترف بها بموجب ترتيبات عام 1974.

وقالت الخارجية السورية، الأحد 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، إن استكمال العمل في "مشروع سوفا 53" يمثل "خرقاً فاضحاً" لاتفاق فصل القوات لعام 1974 وانتهاكاً للسيادة السورية، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات لوقف التحركات الإسرائيلية.

كما أثار استئناف المشروع إدانات من قطر والأردن والكويت، التي اعتبرت الأعمال انتهاكاً للسيادة السورية واتفاق فض الاشتباك. لكن المصدر الأمني السوري يعتقد أن الجانب الأكثر أهمية بالنسبة إلى دمشق هو الواقع الذي يمكن أن ينتجه المشروع إذا اكتمل.

يشرح المصدر الأمني قائلاً: "المشكلة ليست أن إسرائيل ترسم حدوداً دولية جديدة بصورة رسمية. المشكلة أنها تستطيع إنشاء حدود أمنية فعلية، أي خط لا يستطيع السكان تجاوزه بسهولة، وتتحكم هي بما يحدث غربه وشرقه".

بحسب المصدر، فإن إسرائيل بذلك تحاول خلق أمر واقع ثم تجعل أي تفاوض مستقبلي يبدأ من هذا الواقع، بدلاً من أن يبدأ من خطوط اتفاق 1974.

وتقول مصادر عسكرية سورية إن أهمية التحرك الأخير لا تكمن في استئناف أعمال مشروع بدأ قبل سنوات فحسب، وإنما في المكان الذي وصلت إليه الأعمال وطبيعة المنشآت التي تبنيها إسرائيل.

هل النموذج سوري فقط؟

مصدر أمني سوري تحدث إلى "عربي بوست" يضع "مشروع سوفا 53" ضمن تصور إسرائيلي أوسع للحدود الشمالية، ويقول إن دمشق تراقب وجود تشابه بين الأدوات المستخدمة في جنوب سوريا والنقاش الإسرائيلي بشأن مستقبل جنوب لبنان.

لا يعني ذلك، بحسب المصدر، وجود قرار إسرائيلي بنسخ "مشروع سوفا 53" حرفياً في لبنان، نظراً إلى الاختلاف الكبير بين الجبهتين، لكنه يرى أن الفلسفة الأمنية واحدة تقريباً، وهي إبعاد التهديد عن الحدود، وفرض عمق أمني، والتحكم بحركة السكان والقوى المسلحة، وإنشاء قدرة دائمة على المراقبة والتدخل.

تكتسب هذه المقارنة أهمية لأن إسرائيل تسعى، في كل من سوريا ولبنان، إلى الانتقال من مفهوم حماية خط الحدود نفسه إلى التحكم بالمساحات الموجودة خلفه.

في الحالة السورية، يجري ذلك عبر الخنادق والسواتر والطرق العسكرية والتوغلات المتكررة، أما في لبنان، فتدور الأفكار الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة الواقعة شمال الخط الأزرق، وحجم انتشار الجيش اللبناني، وعودة السكان، وسلاح حزب الله، وطبيعة الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تضمن عدم عودة البنية العسكرية للحزب إلى المناطق الحدودية.

وبحسب المصدر الأمني السوري، فإن القاسم المشترك هو محاولة إبعاد أي قوة مسلحة معادية عن الحدود، والتحكم بالمساحات التي يمكن أن تتحرك فيها، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة خط الفصل نفسه.

نموذج الجولان أو سيناء؟

بحسب المصدر الأمني السوري، يمكن قراءة التصور الإسرائيلي للمناطق الحدودية من خلال نموذجين سبق لإسرائيل التعامل معهما.

الأول هو نموذج الجولان، أي السيطرة المباشرة على الأرض وفرض واقع أمني وجغرافي يصعب تغييره لاحقاً. والثاني هو نموذج سيناء، حيث لا تكون السيطرة الإسرائيلية المباشرة ضرورية، مقابل وجود ترتيبات أمنية صارمة، ومناطق ذات انتشار عسكري مقيد، وآليات رقابة وضمانات خارجية.

ويرى المصدر أن ما يجري في جنوب سوريا أقرب حالياً إلى النموذج الأول، لأن إسرائيل تنشئ بنيتها العسكرية بنفسها داخل الأراضي السورية، فيما يمكن أن تدفع في لبنان باتجاه صيغة أقرب إلى النموذج الثاني إذا توصلت إلى ترتيبات أمنية تضمن إبعاد حزب الله عن الحدود وانتشار الجيش اللبناني ووجود آلية رقابة دولية أو أميركية.

لكن القاسم المشترك بين النموذجين، بحسب المصدر، هو أن إسرائيل تريد أن تصبح المسافة بينها وبين أي قوة مسلحة معادية جزءاً من مفهوم الحدود نفسه.

وهنا تكمن أهمية "مشروع سوفا 53″، فما يجري في القنيطرة ليس مجرد حفر خندق إضافي على جبهة ظلت هادئة لعقود، وإنما محاولة لإعادة تعريف المنطقة الفاصلة نفسها: من مساحة يفترض أن تضبطها اتفاقية دولية إلى مساحة تتحكم إسرائيل عسكرياً بجغرافيتها وحركة السكان داخلها.

ومع وصول الجرافات إلى العشة والرفيد واتجاه الأعمال نحو حوض اليرموك، ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة لمعرفة أين ستتوقف المنشآت الجديدة، وما إذا كان اكتمال المسار سيحوّل "مشروع سوفا 53" نهائياً من مشروع تحصين حدودي إلى حزام أمني إسرائيلي طويل يمتد على معظم جبهة القنيطرة.

إذا حدث ذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى دمشق لن يعود متعلقاً فقط بمدى توغل القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بل بما إذا كانت إسرائيل قد بدأت بالفعل في رسم حدود أمنية جديدة من طرف واحد، قد تصبح لاحقاً نقطة الانطلاق لأي تفاوض حول مستقبل الجنوب السوري.

تحميل المزيد