صراع تيغراي يربك حسابات سد النهضة.. مصادر تكشف لماذا تخشى القاهرة اتساع المواجهة في إثيوبيا

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/30 الساعة 19:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/30 الساعة 19:19 بتوقيت غرينتش
تداعيات أزمة تيغراي على ملف سد النهضة/ عربي بوست

ترى القاهرة أن تجدد القتال في إقليم تيغراي لا يصب في مصلحتها، خلافاً لما تردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن استفادة مصر من اضطراب الداخل الإثيوبي. وقال مصدر مصري مطلع إن عدم وضوح مآلات الصراع والتحولات السياسية والأمنية التي قد تنتج عنه يجعل أزمة سد النهضة أكثر تعقيداً، ويصعّب الحديث عن استئناف مفاوضات جديدة.

وأوضح المصدر لـ"عربي بوست" أن استمرار الاضطرابات قد يقود إلى قيادة إثيوبية أكثر تشدداً، فيما قد يتحول سد النهضة نفسه إلى أداة في الحرب الداخلية، تستخدمها الأطراف المتصارعة لخدمة أهدافها. وبذلك، فإن أي مكاسب محتملة من انشغال أديس أبابا بصراعاتها الداخلية تظل محدودة مقارنة بالمخاطر التي قد تنتج عن اتساع الأزمة.

وحافظت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة على موقف موحد من ملف سد النهضة باعتباره أداة لتخفيف الضغوط الداخلية في ظل الانقسامات العرقية والإثنية، وبالتالي فإن هذا الموقف مرشح للاستمرار. كما أن الحكومة الفيدرالية لن تكون مستعدة لتقديم تنازلات يمكن أن تؤلب عليها الرأي العام بعد سنوات من الاستقطاب الداخلي.

تيغراي يربك حسابات القاهرة

بحسب المصدر، قد لا تملك القاهرة في الظروف الحالية فرصة مواتية لممارسة ضغط أكبر على الحكومة الفيدرالية لدفعها نحو التفاوض بشأن سد النهضة، بعدما أصبح تركيزها منصباً على صراعات داخلية تهدد تماسك الدولة الموحدة.

لكن انشغال إثيوبيا بصراعاتها قد يمثل، وفق المصدر، الفائدة الوحيدة المحتملة لمصر، من زاوية احتمال عدم اتخاذ أديس أبابا قرارات جديدة لبناء سدود أخرى، كما لوحت بذلك أكثر من مرة قبل اندلاع الحرب الأخيرة. ومع ذلك، فإن ملف المياه قد يصبح أكثر تعقيداً إذا تمدد الصراع في القرن الأفريقي ودخلت قوى أخرى على خطه.

فيما يحذر المصدر من أن التطورات الأخيرة في تيغراي تنذر باحتمال تصاعد التوتر والمواجهات خلال الفترة المقبلة، في ظل تحالف جديد يضم مكونات إثنية وعسكرية متعددة، بينها عناصر وقوات من إقليم أمهرة تمتلك خبرات سابقة في القتال، مع قدرات متفاوتة في التدريب والتنظيم والتسليح.

كما أن تعدد مكونات التحالف يجعل من الصعب التكهن بمسار الأحداث، وهو ما تضعه القاهرة في الاعتبار، لأن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى خلط الأوراق وإطالة أمد الصراع. ويؤكد أن عدم الاستقرار في إثيوبيا لا يصب في مصلحة مصر، وأن الخلاف الأساسي بين القاهرة وأديس أبابا يتعلق بسد النهضة وليس بدعم جماعات مسلحة لإسقاط الحكومة.

اتهامات إثيوبية ونفي مصري

في المقابل، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، مصر والسودان بدعم تحالف جديد من جماعات مسلحة وسياسية تسعى إلى الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، قائلاً إن هذه الجماعات لا يمكنها مواجهة الحكومة من دون دعم خارجي.

واتهم جولا كذلك إريتريا بالعمل حلقة وصل بين قوى خارجية وهذه الجماعات، لكنه لم يقدم أدلة علنية على اتهاماته. وليست هذه المرة الأولى التي يوجه فيها مسؤولون إثيوبيون اتهامات إلى مصر والسودان بدعم المعارضة خلال النزاعات المسلحة.

رد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، السفير نادر نبيل زكي، بالتأكيد على أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

زكي أكد أن مصر ملتزمة بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وترفض أي ممارسات من شأنها تقويض الأمن والاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من حرصها على إرساء دعائم الأمن والسلم والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والقارة الأفريقية.

وقال مصدر "عربي بوست" إن الاتهامات الإثيوبية بشأن دعم القاهرة لجماعات مسلحة لا تستند إلى أدلة واضحة، مشيراً إلى أن مصر تتبنى منذ سنوات سياسة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

أضاف أن العقيدة العسكرية المصرية لا تقوم على دعم جماعات مسلحة أو توظيفها لإسقاط حكومات في المنطقة، موضحاً أن القاهرة ليست معنية بإثارة عدم الاستقرار داخل إثيوبيا، بل إن استقرار البلاد يمثل مصلحة مصرية بالنظر إلى تداعيات أي اضطرابات واسعة على أمن القرن الأفريقي ودول الجوار.

يمكن أن يُفهم التصعيد في الخطاب الإثيوبي في ضوء الضغوط الداخلية التي تواجه الحكومة، مع اتساع المواجهات وتعدد الفصائل المسلحة وتداخل الانقسامات الإثنية والمناطقية.

كما أن تحميل أطراف خارجية مسؤولية الأزمات الداخلية ليس جديداً، إذ لجأت حكومات إثيوبية متعاقبة إلى الإشارة إلى أدوار محتملة لمصر والسودان وإريتريا خلال مراحل تصاعد الخلافات.

يعتقد المصدر أن تقديم الأزمة باعتبارها نتيجة تدخلات أو مؤامرات خارجية قد يساهم في إعادة ترتيب الجبهة الداخلية وتوجيه جزء من الاهتمام الشعبي نحو خصم خارجي، بدلاً من التركيز على جذور الصراع داخل البلاد.

لكنه يحذر من أن اتساع التحالفات بين مكونات قومية ومناطقية مختلفة قد يرفع مخاطر انتقال تداعيات الصراع إلى نطاق أوسع.

من حرب 2020 إلى التحالف المسلح الجديد

بعد توليه رئاسة الوزراء، أعاد آبي أحمد تشكيل الائتلاف الحاكم وحل الجبهة التي كانت تضم الأحزاب الإثنية الرئيسية، وأسس حزب الازدهار. ورفض قادة تيغراي هذه الخطوة، لتتصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والقيادة الإقليمية.

واندلعت الحرب في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، بعدما اتهمت الحكومة الإثيوبية قوات تيغراي بمهاجمة قاعدة للجيش الفيدرالي في الإقليم، بينما قالت قيادة تيغراي إن تحركها جاء رداً على ما اعتبرته تهديداً من الحكومة المركزية.

وانضمت إريتريا إلى جانب الجيش الإثيوبي، كما شاركت قوات من إقليم أمهرة في القتال، بينما خاضت قوات تيغراي الحرب إلى جانب حلفاء محليين. وبعد نحو عامين من القتال والانتهاكات التي اتُّهمت مختلف الأطراف بارتكابها، توصلت الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي إلى اتفاق بريتوريا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.

وأوقف الاتفاق الحرب، لكنه لم يحسم جميع الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي، وظلت قضايا سياسية وأمنية وإقليمية عالقة. وفي سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت 7 جماعات مسلحة تشكيل "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي، وجيش تحرير أورومو، وقوات فانو الأمهرية.

وقالت الجماعات إنها تسعى إلى إزاحة حكومة آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية، بينما يضم التحالف جماعات من مناطق وأعراق مختلفة، بينها أطراف كانت في أوقات سابقة على جبهتي الصراع.

ويشير المصدر المصري إلى أن استمرار المواجهات بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة، خصوصاً مع اتساع التحالفات بين مكونات مختلفة، قد يرفع مخاطر انتقال الأزمة خارج الأقاليم المتأثرة حالياً.

كما أن تشابك المصالح الأمنية والجيوسياسية في القرن الأفريقي يجعل الصراع الداخلي الممتد قابلاً لإنتاج تداعيات إقليمية، خصوصاً إذا تحول إلى استنزاف طويل الأمد أو أصبح تهديداً مباشراً لاستقرار الحكومة المركزية. وقد تجد أطراف إقليمية نفسها عندها مضطرة إلى اتخاذ خطوات لحماية حدودها ومصالحها الأمنية.

الخلاف الذي لم تحسمه المفاوضات

تطالب مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة، بينما تعتبر إثيوبيا السد مشروعاً وطنياً أساسياً لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية، وتقول إن تشغيله لا يستهدف الإضرار بمصر والسودان. وتستند الدول الـ3 إلى إعلان المبادئ الذي وقعته مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 لتنظيم التعاون بشأن السد.

وتعتمد مصر بدرجة كبيرة على مياه النيل، ولذلك تنظر القاهرة إلى قضية السد باعتبارها مرتبطة بأمنها المائي. وفي سبتمبر/ أيلول، تصاعد التوتر الكلامي بين القاهرة وأديس أبابا بعد تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم بشأن السد، وردت عليها وزارة المياه والطاقة الإثيوبية.

يرى محلل سياسي مصري أن الاضطرابات السياسية والأمنية في إثيوبيا قد تؤثر في أولويات الحكومة وقدرتها على التحرك إقليمياً، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تغيير جوهري في ملف السد.

ويشير إلى أن إثيوبيا تعاملت منذ بدء مشروع سد النهضة مع احتمالات الاضطراب والتهديدات الأمنية باعتبارها أحد التحديات المحيطة بالمشروع، ومن الممكن أن يكون السد مؤمناً من الناحية العسكرية، لكن الفوضى قد تؤثر بشكل كبير على تماسك البلاد إذا امتد الصراع.

ويعود جزء كبير من الأزمة، وفق المحلل، إلى الخلافات الداخلية بين المكونات الإثنية والجهوية والصراع على السلطة والموارد، وهي عوامل ممتدة في المشهد الإثيوبي.

القاهرة تحذر من تدويل أزمة المياه

يرى المحلل المصري أن التوترات المتصاعدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر تؤكد أهمية تحييد ملف مياه النيل عن الصراعات الإقليمية، خصوصاً أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على مواردها المائية المتجددة من النهر، ما يجعل القضية مرتبطة بأمنها القومي.

ويضيف أن الاضطرابات في إثيوبيا لا تمثل شأناً داخلياً فحسب، بل تحمل تداعيات جيوسياسية على شرق أفريقيا، في ظل هشاشة التوازنات الداخلية وتعدد الصراعات بين المكونات الإثنية.

ويحذر من أن استمرار عدم الاستقرار في دولة المنبع قد يعرقل إدارة الملف المائي بالحوار، مشدداً على أن الحفاظ على مصالح دول حوض النيل يتطلب اتفاقاً قانونياً ملزماً ينظم استخدام المياه ويجنب المنطقة تحويل الموارد إلى مصدر لصراعات جديدة.

وفي كلمته أمام مجلس الأمن قبل أيام، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن "الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة"، وشدد على احتفاظ القاهرة، وفق تعبيره، بحقها المشروع والمكفول من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها.

وتزامن خطاب مدبولي مع تحرك مصري لافت خلال سبتمبر/ أيلول لتوسيع نطاق القضية. ففي اجتماع مع وسائل إعلام دولية في القاهرة، قال وزير الموارد المائية والري هاني سويلم إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالسد القائم، وإنما بما وصفه بمحاولات السيطرة الأحادية على مياه النيل الأزرق.

وحذر سويلم من أن تشغيل سد النهضة بصورة منفردة يمكن أن يؤدي إلى تغيرات حادة في التدفقات إلى دول المصب، لتبقى أزمة السد مرتبطة، بالنسبة إلى القاهرة، بضرورة الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم، في وقت قد يؤدي فيه استمرار الصراع الإثيوبي إلى جعل مسار التفاوض أكثر صعوبة وتعقيداً.

تحميل المزيد