أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في جنوب غرب اليمن جبهتين جبليتين إلى واجهة القتال بين الحوثيين والقوات الحكومية والقوى المتحالفة معها: كهبوب شرقي باب المندب، وجرداد بين الوازعية والشمايتين في تعز. وتكمن أهمية الموقعين في ارتباطهما بطرق حركة وممرات تصل الساحل بالداخل، ما يجعل السيطرة عليهما مؤثرة في قدرة كل طرف على حماية جناحه أو الضغط على خطوط خصمه.
وتأتي هذه المواجهات بعد سنوات من الجمود النسبي الذي أعقب هدنة الأمم المتحدة عام 2022، حين استقرت معظم خطوط القتال من دون أن تنتهي الحرب أو تتوحد البلاد. لكن هذا التوازن بدأ يتغير خلال سبتمبر/ أيلول 2026، مع تصعيد واسع على جبهات الساحل الغربي وتعز.
فبعد تقدم الحوثيين ودخولهم مدينة المخا، التي كانت تمثل مركزاً رئيسياً للقوات الحكومية على ساحل البحر الأحمر، امتد القتال جنوباً باتجاه ذُباب وباب المندب، بالتوازي مع تحركات عسكرية على المحاور الجبلية الممتدة من الوازعية نحو جنوب تعز. ومع انتقال جزء من المواجهة من الساحل المفتوح إلى المرتفعات الواقعة خلفه، أصبحت الجبال والممرات البرية جزءاً أساسياً من معركة تثبيت المكاسب أو احتوائها.
تتبع "عربي بوست" أحدث التطورات العسكرية في الجبهتين، ويفحص ما يمكن التحقق منه بشأن خطوط السيطرة، كما يشرح لماذا يسعى الحوثيون والقوات الحكومية إلى التمسك بهما، وما الذي يمكن أن تغيره السيطرة على كهبوب وجرداد في خريطة القتال الأوسع حول تعز وباب المندب.

أين تقع جبال كهبوب؟
تقع منطقة كهبوب في الأطراف الغربية لمديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، شرقي باب المندب وقرب الحدود مع محافظة تعز.
وتتركز الجبهة في منطقة جبلية حول جبل كهبوب، الذي تسجل البيانات الجغرافية المفتوحة قمته عند نحو 253 متراً فوق سطح البحر. ويضع معهد دراسة الحرب الجبهة على مسافة تقارب 30 كيلومتراً إلى الداخل من البحر الأحمر، قرب المنطقة الفاصلة بين تعز ولحج.
ويجعل هذا الموقع كهبوب مختلفة عن جبهة الساحل نفسها. فهي تقع إلى الشرق من القوات التي تتحرك على محور المخا وذباب وباب المندب، حيث تنتقل الأرض تدريجياً من السهل المكشوف إلى تضاريس جبلية أكثر وعورة.
لماذا كهبوب مهمة؟
تكمن أهمية كهبوب في موقعها خلف جبهة الساحل. فبعد التقدم الحوثي من المخا نحو ذو باب وباب المندب، أصبحت المرتفعات الواقعة شرق الساحل جزءاً من المعركة على تأمين هذا التقدم أو تهديده.
فالسهل الساحلي أكثر انكشافاً للحركة والرصد، بينما توفر الجبال طرقاً وممرات أكثر وعورة وأقل تعرضاً. لذلك فإن السيطرة على كهبوب يمكن أن تمنح الطرف الموجود فيها قدرة أفضل على مراقبة بعض طرق الحركة والمقاربات البرية، وتأمين جناحه أو الضغط على جناح خصمه.
ولهذا يرى معهد دراسة الحرب أن التحرك الحوثي باتجاه كهبوب قد يكون محاولة لاستخدام التضاريس الجبلية للالتفاف على القوات الحكومية المنتشرة في السهل الساحلي، بدلاً من التقدم أمامها مباشرة عبر أرض مفتوحة.
فبالنسبة للحوثيين، فإن تثبيت مواقعهم في كهبوب يمكن أن يساعد في تأمين الظهر الشرقي لمكاسبهم على الساحل، وربط التقدم من ذو باب وباب المندب بمحور جبلي يتيح لهم مساحة أكبر للحركة والمناورة.
أما القوات الحكومية، فإن الاحتفاظ بالمرتفعات يمنع الحوثيين من تحويل تقدمهم الساحلي إلى خط سيطرة متصل يمتد من البحر إلى الداخل، ويُبقي جناح القوات الحوثية المنتشرة قرب الساحل عرضة للضغط من الشرق.
وبهذا المعنى، تدور معركة كهبوب حول السيطرة على الجناح الجبلي الذي يحمي جبهة باب المندب أو يتيح تهديدها.

ماذا يحدث الآن في كهبوب؟
خلال الأيام الماضية، أشارت بعض التقارير إلى وصول الحوثيين إلى نطاق الجبل والتقدم في عدد من مواقعه. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الجبهة لم تُحسم.
فقد بدأ ذلك في 14 سبتمبر/ أيلول، عندما أشارت بعض التقارير إلى تقدم حوثي من جهة العرادي باتجاه كهبوب وعدد من المرتفعات المحيطة بها. لكن تتبع "عربي بوست" لتطورات الجبهة ومقارنة خرائط التقدم بالمعلومات الميدانية المتاحة أظهرا أن هذا التحرك لم يتحول إلى سيطرة مستقرة على كامل نطاق كهبوب، إذ استمرت الاشتباكات قرب الجبل وتوقف امتداد الهجوم شرقاً. ويتقاطع ذلك مع تقييم نشره معهد دراسة الحرب (ISW) في اليوم نفسه، ووضع خطوط الاشتباك قرب الجبل، لا إلى الشرق منه.
وأظهرت المقاطع المنشورة استمرار القتال داخل الجبهة، بينها مقطع نشره المركز الإعلامي لألوية العمالقة قال إنه يوثق استهداف آلية BMP حوثية في كهبوب، قبل أن تعلن القوات نفسها ودرع الوطن خلال 15 و17 سبتمبر/ أيلول إسقاط مسيرات واستهداف آليات ومواقع حوثية داخل الجبهة.
وبحسب ما نشره وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان على X، فإن المعارك ما زالت "مستمرة و بوتيرة قوية بين التشكيلات العسكرية التابعة للقوات المسلحة والحوثيين في سلسلة جبال كهبوب في سلسلة جبال كهبوب الواقعة بين محافظتي لحج وتعز"، في مؤشر على أن الجبهة ما تزال تشهد قتالاً مباشراً ولم تُحسم بعد لأي من الطرفين.
أما أحدث تطورات الجبهة، فتمثلت في هجوم حوثي مضاد على مواقع القوات الحكومية في كهبوب ليل 17 سبتمبر/ أيلول. وبحسب بيان لقوات درع الوطن، استمرت الاشتباكات أكثر من 3 ساعات، وقالت إنها صدت الهجوم على 3 موجات وأجبرت المهاجمين على التراجع. وفي صباح اليوم التالي، أعلنت ألوية العمالقة مواصلة استهداف تحركات وآليات حوثية داخل الجبهة.
وإلى الشمال الشرقي من كهبوب، تتشكل جبهة مختلفة في طبيعتها ووظيفتها. ففي جرداد، ينتقل القتال من نطاق باب المندب إلى المرتفعات الواقعة على المداخل الغربية لجنوب تعز.
أين تقع جرداد؟
تقع منطقة جرداد غربي مديرية الشمايتين وشرقي الوازعية في جنوب غرب تعز، ضمن حزام جبلي يفصل مناطق الوازعية عن مرتفعات الحجرية والتربة، ويتوسطها جبل جرداد الذي يحمل الاسم نفسه. وتأتي أهميتها من موقعها على المحاور المؤدية من الوازعية إلى داخل جنوب تعز، حيث تمنح طبيعة الأرض المرتفعة أفضلية في مراقبة الممرات والأودية وحماية طرق الحركة بين الجبهات المحيطة.
لماذا جرداد مهمة؟
تكمن أهمية جرداد في أنها تقع على الاتجاه الجبلي الذي يمكن أن ينتقل عبره القتال من الوازعية إلى داخل جنوب تعز. فالجبل يطل من جهة على مناطق الوازعية، ومن الجهة الأخرى على بني عمر في الشمايتين، ما يجعل مرتفعاته مفيدة لمراقبة طرق الحركة والممرات القريبة والدفاع عنها.
وتزداد أهميتها عند النظر إلى الصورة الأوسع. فمعهد دراسة الحرب يقول إن الحوثيين واصلوا منذ 9 سبتمبر/ أيلول التقدم شرقاً من الوازعية إلى الشمايتين، وإن أي تقدم أعمق في هذا الاتجاه قد يهدد خطوط الحركة والإمداد المرتبطة بمدينة التربة، التي تمثل عقدة مهمة على الطريق بين تعز وعدن.
وتظهر خرائط الطرق المحلية أيضاً وجود مسارات تربط بني عمر والعلقمة وراسن باتجاه الوازعية والمضاربة ورأس العارة، ما يفسر لماذا تُعد جرداد جزءاً من الحزام الذي يصل مرتفعات جنوب تعز بالمناطق الواقعة غرباً باتجاه الساحل.
بالنسبة للحوثيين، فإن التقدم في جرداد يسمح بدفع الجبهة من الوازعية شرقاً نحو بني عمر والشمايتين، ويضع مزيداً من الضغط على الطرق والمواقع التي تحمي داخل جنوب تعز.
أما القوات الحكومية، فالاحتفاظ بمرتفعات جرداد يمنع هذا التقدم من التحول إلى اختراق أعمق باتجاه الشمايتين والتربة، ويبقي خط الدفاع إلى الغرب من المناطق الأكثر كثافة بالطرق والتجمعات السكانية.
ماذا يحدث الآن في جرداد؟
اشتدت المواجهات في جرداد مع محاولات حوثية للتقدم من جهة الوازعية باتجاه مواقع القوات الحكومية في غرب الشمايتين. وخلالها نشرت وكالة تسنيم الإيرانية في 12 سبتمبر/ أيلول رواية قالت إن الحوثيين سيطروا على جبل جرداد، وهي الرواية التي انتشرت لاحقاً على نطاق واسع في الحسابات الموالية للجماعة.
لكن الصورة الميدانية التي ظهرت خلال الساعات التالية كانت أكثر تعقيداً. ففي 13 سبتمبر/ أيلول ظهر المسؤول الإعلامي في مجلس المقاومة الشعبية أمين دبوان في تسجيل قال ناشروه إنه صُوّر من جرداد، نافياً سقوط الجبل.
وفي اليوم نفسه، نقلت وكالة سبأ الحكومية عن مصدر عسكري في محور تعز أن القوات الحكومية استعادت "مواقع مطلة على منطقة جرداد" كانت قوات حوثية قد دخلتها، ثم تقدمت باتجاه غيل بني عمر.
وتوالت خلال 15 و16 سبتمبر/ أيلول التقارير عن الزيارات العسكرية إلى المواقع الأمامية في جبهة جبل جرداد، ثم إلى الجبهات المشتركة جنوب تعز، بالتزامن مع استمرار التحركات الحوثية على المحاور القادمة من الوازعية.
وفي 17 سبتمبر/ أيلول، أفادت تقارير بأن القوات الحكومية ومقاتلين محليين صدوا هجمات حوثية على محور الغيل العجرم في بني عمر باتجاه سوق الصافية، ومحور علقمة باتجاه راسن. وتقع بني عمر والغيل العجرم إلى الشرق من جرداد داخل مديرية الشمايتين، أي في الاتجاه الذي امتد إليه القتال بعد جرداد، بينما تقع علقمة وراسن على محور موازٍ جنوباً قرب تخوم الوازعية.
حتى الآن، لا تبدو أي من الجبهتين محسومة بصورة تسمح برسم خط سيطرة نهائي. لكن تكشف جبهتا جرداد وكهبوب جانباً من التحول الذي طرأ على القتال في جنوب غرب اليمن بعد التقدم الحوثي الأخير على الساحل، إذ انتقل إلى المرتفعات التي تحيط به وتحدد قدرة القوات على الحركة بينها.
ففي كهبوب، تدور المعركة على الجبال الواقعة خلف ساحل باب المندب، حيث يمكن للمرتفعات أن تحمي الجناح الشرقي للقوات المتقدمة على الساحل أو تتيح الضغط عليه. أما في جرداد، فالمعركة أبعد عن البحر وأكثر ارتباطاً بداخل تعز.