لماذا أحجم ترامب عن مهاجمة الحوثيين بعد سيطرتهم على باب المندب؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/17 الساعة 12:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/17 الساعة 12:34 بتوقيت غرينتش
لماذا أحجم ترامب عن مهاجمة الحوثيين بعد سيطرتهم على باب المندب؟ \عربي بوست

قبل نحو عام ونصف، شنّت الولايات المتحدة واحدة من أعنف حملاتها العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، استخدمت خلالها نحو 2000 ذخيرة ضد أكثر من 1000 هدف، بتكلفة تجاوزت 750 مليون دولار للذخائر وحدها. لكن عندما عاد الحوثيون في سبتمبر/ أيلول 2026 وتقدموا سريعاً على الساحل الغربي، وسيطروا على جزر ومواقع استراتيجية عند باب المندب، اختارت إدارة الرئيس دونالد ترامب هذه المرة عدم العودة إلى القصف المباشر.

وبدلاً من دخول الحرب، أبقت واشنطن دورها عند حدود تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة لحلفائها، وفي مقدمتها السعودية، بينما فتحت في الوقت نفسه قناة اتصال مباشرة مع الحوثيين. وأبلغت الجماعة المسؤولين الأمريكيين بأنها لا تعتزم مهاجمة السفن الأمريكية، وأنها لا تزال ملتزمة بوقف إطلاق النار الذي أنهى المواجهة بين الطرفين في مايو/ أيار 2025.

ويأتي الموقف الأمريكي بينما تخوض واشنطن بالفعل حرباً مستمرة مع إيران، وتواجه إدارة ترامب ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني. ومع تهديد التقدم الحوثي ممراً بحرياً تمر عبره نحو 7% من إمدادات النفط العالمية ونحو 12% من التجارة العالمية، أصبح باب المندب جبهة إضافية قد تزيد الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها واشنطن.

فلماذا أحجم ترامب عن مهاجمة الحوثيين هذه المرة؟ وما الذي تغير منذ حملة 2025؟

التركيز على إيران بدل فتح جبهة جديدة

عزت مصادر أمريكية عدم التدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين إلى رغبة إدارة ترامب في تجنب فتح جبهة جديدة، مع استمرار تركيز القوات الأمريكية على الحرب مع إيران ومضيق هرمز.

ونقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين أن إدارة ترامب لا تخطط في الوقت الحالي للتدخل المباشر ضد الحوثيين. كما أبلغ مسؤولون عسكريون ومدنيون أمريكيون نظراءهم السعوديين بأن توجيهات ترامب تقضي بإبقاء القوات الأمريكية مركزة على إيران ومضيق هرمز، وتجنب فتح جبهة عسكرية إضافية بعدما دخلت الحرب مع إيران شهرها السابع.

وتقول وكالة رويترز إن مواجهة الحوثيين ستضيف مهمة عسكرية جديدة إلى قوات منشغلة بالفعل بالقتال مع إيران، وقد تحتاج إلى موارد بحرية وجوية كبيرة، فضلاً عن تحويل قدرات استخباراتية لتحديد مواقع الحوثيين التي تغيرت منذ الحملة الأمريكية السابقة.

مضيق هرمز
تضيق الخيارات أمام الإدارة الأمريكية في حل معضلة فتح مضيق هرمز ٬ تعبيرية (عربي بوست)

وعوضاً عن الدخول المباشر في القتال، اختارت واشنطن حتى الآن مساندة حلفائها. وقال مسؤول كبير في الإدارة لرويترز إن الولايات المتحدة تركز على مصالح أمنها القومي، ومنها ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع تمكين شركائها الإقليميين من تولي الدور الرئيسي في مواجهة التحديات الأمنية. وبعد التقدم الحوثي، عرضت واشنطن تقديم المساعدة الاستخباراتية بدل التدخل العسكري المباشر.

مخزون الصواريخ يضيف قيداً على فتح جبهة جديدة

ولا يقتصر الضغط الذي تفرضه الحرب مع إيران على انتشار القوات الأمريكية، بل يمتد إلى مخزونات الصواريخ والذخائر، خصوصاً صواريخ الاعتراض التي ستحتاج إليها واشنطن إذا عادت إلى مواجهة الحوثيين في البحر الأحمر.

وتضع رويترز هذا العامل ضمن المأزق الذي يواجه ترامب، مشيرة إلى أن مواجهة الحوثيين ستعني تخصيص قوات أمريكية ومزيد من ذخائر الدفاع الجوي في وقت تراجعت فيه المخزونات بالفعل. كما أن عودة السفن والقوات الأمريكية إلى القتال قد تعني تعرضها مجدداً للصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، ومن ثم استهلاك مزيد من صواريخ الاعتراض.

وتكشف تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حجم الضغط الذي تعرض له المخزون خلال حرب إيران. ففي تقدير نشره المركز في يوليو/ تموز، قال إن مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية انخفض إلى أقل من 1000 صاروخ، بينما بلغ مخزون صواريخ منظومة ثاد نحو 250 صاروخاً، بعد الاستخدام المكثف للدفاعات الجوية في الحرب.

صواريخ اعتراضية
هل دخلت الولايات المتحدة الحرب ومخزونها تحت الضغط بالفعل؟ \عربي بوست

ويحذر المركز من أن تراجع المخزونات قد يجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على تحمل مخاطر أكبر عند تحديد الصواريخ التي ينبغي اعتراضها، في ظل عدم وجود بدائل جيدة لباتريوت وثاد في الدفاع ضد الصواريخ الباليستية.

ولا تبدو استعادة مستويات ما قبل الحرب سريعة. ويقدر المركز في دراسة أخرى أن إعادة بناء مخزونات عدد من الصواريخ الرئيسية إلى مستوياتها السابقة للحرب ستستغرق بين عام و4 أعوام، حتى مع زيادة الإنتاج، بينما ستحتاج الولايات المتحدة إلى فترة أطول للوصول إلى المستويات التي يريدها المخططون العسكريون. كما أشار إلى أن المخزونات قبل حرب إيران كانت بالفعل غير كافية لمواجهة محتملة مع خصم كبير مثل الصين.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية، الخميس 17 سبتمبر/ أيلول، عن مصادر أن السعودية تعاني من نقص في صواريخ الاعتراض. وقال مسؤولون إن السعودية طلبت من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر نشر تعزيزات للدفاع الجوي في المنطقة، للمساعدة في التصدّي للصواريخ والطائرات المسيّرة التي يطلقها الحوثيون.

انتخابات التجديد النصفي تدخل الحسابات

إلى جانب الحسابات العسكرية، تضيف انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني عاملاً سياسياً واقتصادياً إلى الضغوط التي تواجه إدارة ترامب مع استمرار الحرب.

وكشفت رويترز في 2 سبتمبر/ أيلول، نقلاً عن 4 أشخاص مطلعين على المناقشات داخل الإدارة، أن كبار مساعدي ترامب يدفعون إلى الحد من تصعيد الحرب مع إيران قبل الانتخابات، وسط مخاوف من تداعياتها السياسية على الجمهوريين في الكونغرس. وقال مسؤول في البيت الأبيض للوكالة إن نوفمبر يمثل "أولوية".

وتظهر استطلاعات "رويترز/ إبسوس" التي أوردها التقرير أن 31% فقط من الأمريكيين كانوا يؤيدون الحرب مع إيران في أواخر أغسطس/ آب، مقابل 63% يعارضونها، بينما يمثل ارتفاع أسعار الوقود مصدر ضغط إضافياً على الإدارة والجمهوريين. وفي المقابل، نفى ترامب أن تكون الانتخابات عاملاً في تحديد استراتيجيته تجاه إيران.

ثم جاء تقدم الحوثيين ليضيف مخاطرة اقتصادية أخرى. ففي تقريرها عن المأزق الذي يواجه واشنطن في باب المندب، ربطت رويترز بين احتمال تعطل ممر بحري رئيسي وبين مخاطر زيادة الضغوط على أسعار الطاقة والاقتصاد الأمريكي في الفترة السابقة للانتخابات.

ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/عربي بوست

الحفاظ على وقف المواجهة مع الحوثيين

يتزامن الابتعاد عن القتال مع محاولة واشنطن الحفاظ على وقف إطلاق النار الذي أنهى حملتها العسكرية السابقة ضد الحوثيين.

وكشفت تقارير صحفية عدة أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية في مسقط، بعد أيام من التقدم الكبير للجماعة على ساحل البحر الأحمر. وأكدت 5 مصادر لرويترز انعقاد اللقاء، فيما قال مصدران إن الحكومة العُمانية ساعدت في ترتيبه.

وخلال الاجتماع، أبلغ الحوثيون المسؤولين الأمريكيين بأنهم لا يعتزمون مهاجمة السفن الأمريكية، وأكدوا التزامهم بوقف إطلاق النار المبرم مع واشنطن في 2025. وجاء الاجتماع في الوقت الذي امتنعت فيه الولايات المتحدة عن التدخل العسكري المباشر ضد الجماعة.

وأكد نائب الرئيس جي دي فانس وجود اتصالات أمريكية مع الحوثيين، بينما أفاد موقع أكسيوس بأن محادثات مسقط ركزت على الحفاظ على وقف إطلاق النار بين الطرفين، وضمان بقاء باب المندب مفتوحاً أمام الملاحة.

باب المندب
مناطق سيطرة الحوثيين حول باب المندب\عربي بوست

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية إن هذا الاجتماع يساعد في تفسير قرار ترامب بإدانة التقدم الحوثي على طول الساحل الغربي لليمن لتهديده حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب، من دون اتخاذ أي رد عسكري لدعم الرياض.

وقال نبيل خوري، نائب السفير الأمريكي السابق لدى اليمن، لصحيفة الغارديان إن "نوعاً من التفاهم الضمني" قد تم التوصل إليه بين إدارة ترامب والحوثيين. وأضاف خوري: "يعد الحوثيون الإدارة الأمريكية بأن الملاحة الأمريكية والدولية لن تتأثر في البحر الأحمر، لكن الخطر الوحيد يكمن في السفن السعودية أو تلك التي تحمل النفط السعودي".

حملة سابقة تكشف حدود الضربات الأمريكية

تضيف تجربة الحملة الأمريكية السابقة عاملاً آخر لفهم صعوبة الخيار العسكري.

فخلال حملة 2025، استخدمت القوات الأمريكية نحو 2000 ذخيرة ضد أكثر من 1000 هدف حوثي، بتكلفة تجاوزت 750 مليون دولار للذخائر وحدها، بحسب مسؤول عسكري أمريكي تحدث إلى وكالة أسوشيتد برس. كما أسقط الحوثيون 7 طائرات أمريكية مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، تزيد تكلفة الواحدة منها على 30 مليون دولار.

لكن النتيجة الأهم ظهرت بعد توقف الحملة. فرغم سنوات من الضربات التي نفذتها السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، احتفظ الحوثيون بقدرات عسكرية كبيرة، قبل أن يتمكنوا في سبتمبر/ أيلول من تحقيق تقدم ميداني جديد على ساحل البحر الأحمر.

وتعزو أسوشيتد برس قدرة الجماعة على الصمود إلى عوامل عدة، بينها الطبيعة الجبلية للمناطق التي تسيطر عليها، والتي تسمح بتشتيت المقاتلين والبنية العسكرية، والدعم والخبرات والأسلحة القادمة من إيران وحلفائها، إلى جانب الانقسامات بين القوى اليمنية المناهضة للحوثيين. كما تشير إلى أن الضربات الجوية وحدها لا تستعيد الأراضي، في غياب قوة برية قادرة على السيطرة عليها.

تحميل المزيد