بعد نحو عام من الاتفاق على التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، ينتقل التعاون العسكري والصناعات الدفاعية بين مصر وتركيا من مرحلة تلبية الاحتياجات المحلية، خصوصاً للجيش المصري، إلى مرحلة جديدة تستهدف تسويق المنتجات المشتركة وتصديرها إلى أسواق عربية وأفريقية.
جاء هذا التحول مع توقيع اتفاقية حديثة بين الجانبين خلال معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، الذي اختتم أعماله الأسبوع الماضي، ما يعكس اتجاهاً نحو توسيع الشراكة الصناعية والعسكرية، ويشير إلى وصول مستوى التفاهم والتنسيق بين القاهرة وأنقرة إلى مراحل متقدمة.
مصدر عسكري مصري قال لـ"عربي بوست" إن العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا وصلت إلى أعلى مستوياتها، مشيراً إلى وجود تنسيق معمق بين البلدين بشأن التطورات الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بمواجهة التهديدات المتلاحقة في المنطقة.
أضاف المصدر أن الشراكة التي ركزت خلال العام الماضي بصورة أكبر على التصنيع المشترك حققت نجاحاً مهماً، ظهرت بعض نتائجه في معرض العلمين، الذي شهد استعراض عدد من المسيّرات المصرية المتطورة، بينها منصات جرى تطويرها أو تصنيعها بالشراكة مع الجانب التركي.
من الإنتاج المحلي إلى التصدير الإقليمي
تتجه القاهرة وأنقرة إلى فتح أسواق عربية وأفريقية صديقة أمام المنتجات الدفاعية المشتركة، مع الاستفادة من الانتشار الذي حققته الأسلحة التركية بالفعل في عدد من الدول الأفريقية، وفق ما أوضحه المصدر العسكري في تصريحه لـ"عربي بوست".
ويركز التعاون العسكري بين مصر وتركيا بصورة أكبر على نقل التكنولوجيا والتدريب والتصدير، إذ استفادت القاهرة من التكنولوجيا التركية المتطورة، بينما وفرت لمشروعات الشراكة قاعدة صناعية وبنية إنتاجية جرى تدشينها خلال السنوات الماضية.
كما توفر مصر، وفق المصدر، خبرات عملياتية في التعامل مع التهديدات الإقليمية في الشرق الأوسط، في ظل الخبرة التي يمتلكها الجيش المصري، بينما تستفيد تركيا من الموقع الجغرافي لمصر الذي يسهل وصول منتجاتها إلى الأسواق الأفريقية.
كما أن مشاركة الجيش المصري، الذي يحظى بمرتبة متقدمة بين جيوش المنطقة، في تسويق المنتجات العسكرية تمنحها فرصة أكبر للانتشار، فيما استفادت القاهرة من الخبرة التركية المتقدمة والمتنامية في مجالات المسيّرات والإلكترونيات والأنظمة البرية والبحرية والصناعات الدفاعية.
تطور الصناعات الدفاعية بين مصر وتركيا
تشهد الشراكة بين البلدين تنامياً سريعاً، يقول المصدر العسكري، مضيفاً: "بل يمكن وصف ما حدث خلال العام الماضي بأنه قفزة نوعية، إذ بات الجانبان يشاركان في تصنيع مسيّرات هجومية واعتراضية، إلى جانب التعاون في مجال تصنيع القنابل".
ويرى المصدر أن هذا المستوى من التعاون في الصناعات الدفاعية بين مصر وتركيا لم يكن ممكناً من دون تطور العلاقات السياسية بين القاهرة وأنقرة، مشيراً إلى وجود تنسيق لعقد دورة جديدة للمجلس الاستراتيجي المصري-التركي في أنقرة، خلال العام الحالي أو أوائل العام المقبل.
فيما توقع أن يأتي التعاون العسكري على رأس مجالات التعاون خلال الاجتماع المرتقب، مع إمكانية توسيع نطاق الشراكة عما هو قائم حالياً، خصوصاً أن البلدين لديهما رغبة في تحقيق تكامل في التعامل مع التهديدات الراهنة في المنطقة.
قد يشمل ذلك، بحسب المصدر، التوسع في تصنيع المسيّرات والاستمرار في التدريبات المشتركة التي تعددت خلال العامين الماضيين، وربما مشاركة أطراف أخرى صديقة، إلى جانب تطوير التنسيق بين القوات الجوية والبحرية.
"حمزة-1".. أول اختبار للتصدير المشترك
في 10 سبتمبر/ أيلول 2026، وقعت شركة "هافيلسان" HAVELSAN التركية والهيئة العربية للتصنيع AOI اتفاقية لبيع الطائرة المسيّرة "حمزة-1″، المطورة ضمن التعاون الصناعي بين الجانبين، ما يفتح الطريق أمام تسويقها وتصديرها إلى مستخدمين خارج مصر.
جرى توقيع الاتفاقية على هامش معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، في خطوة تعكس انتقال برنامج "حمزة-1" من مرحلة التطوير والإنتاج المشترك إلى مرحلة البيع التجاري.
وتعد الاتفاقية أحدث محطة في مسار التعاون الدفاعي والصناعي المتنامي بين "هافيلسان" والهيئة العربية للتصنيع، إذ يجمع البرنامج بين القدرات الهندسية والتكنولوجية للشركة التركية والبنية الصناعية للهيئة في مصر.
يسمح هذا النموذج بتطوير وإنتاج منصات مخصصة للسوق المصرية، مع إمكانية توجيهها لاحقاً إلى أسواق إقليمية ودولية، وهو ما يجعل التصدير أحد المخرجات الأساسية للتعاون، وليس مجرد هدف لاحق.
يعود أساس التعاون إلى 26 أغسطس/ آب 2025، عندما وقع الجانبان اتفاقية للتعاون الاستراتيجي في مجال الإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل.
وكانت الهيئة العربية للتصنيع قد أوضحت حينها أن الشراكة تستهدف تعميق التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تلبية احتياجات السوق المصرية وفتح منافذ تصدير إلى الأسواق العربية والأفريقية.
وظهرت "حمزة-1" للمرة الأولى أمام الجمهور خلال معرض EDEX 2025 في القاهرة، إلى جانب المركبة البرية غير المأهولة "العقرب" SCORPION/AQRAB، باعتبارهما من المنتجات التي نتجت عن التعاون بين "هافيلسان" والهيئة العربية للتصنيع.
ووفق منصة الدفاع العربي، تمتلك "حمزة-1" إمكانات متطورة، فهي طائرة مسيّرة ذات أجنحة ثابتة وقادرة على الإقلاع والهبوط العمودي VTOL، وهي في الأساس تطوير محلي لمنصة BAHA التركية مع تكييفها وفق متطلبات البرنامج المصري.
وتمنح منظومة الإقلاع والهبوط العمودي الطائرة قدرة على العمل من دون الحاجة إلى مدارج تقليدية، ما يوفر مرونة أكبر في الانتشار وتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات.
وتبرز هذه الميزة خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية المناسبة لتشغيل الطائرات التقليدية، لكن "هافيلسان" والهيئة العربية للتصنيع لم تكشفا حتى الآن رسمياً عن كامل المواصفات الفنية لـ"حمزة-1″، ما في ذلك المدى ومدة التحليق والوزن الأقصى عند الإقلاع.
من المسيّرات إلى منظومات مكافحة المسيّرات
مصدر عسكري آخر أكد لـ"عربي بوست" أن وصول التعاون العسكري بين البلدين إلى مرحلة التصدير يمثل تقدماً نوعياً، لكنه لا يتوقف عند تسويق المنتجات الحالية، بل يتجه أيضاً إلى بناء قدرات إنتاجية مشتركة داخل مصر.
وأوضح أن هذا المسار يمنح الشراكة طابعاً أكثر استدامة، خصوصاً أن تزايد الاعتماد على الطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة جعل منظومات مكافحة المسيّرات واحدة من أهم مجالات الصناعات الدفاعية.
وأشار إلى أن هذا المجال يحظى باهتمام مشترك، متوقعاً تبادل الخبرات بشأن المسيّرات الاعتراضية، وهي المنظومات التي تتمثل مهمتها في اعتراض الطائرات المسيّرة.
وكانت إحدى هذه المنظومات قد طُورت وعُرضت خلال معرض العلمين الأخير وتحمل اسم "إف إل 750″، فيما تتطلع القاهرة إلى الاستفادة من الخبرات التركية في تصنيع منظومة الدفاع الجوي "تولغا".
"تولغا".. منصة أخرى للشراكة
تعتمد منظومة "تولغا"، وفق المصدر، على مفهوم متعدد الطبقات يجمع بين الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية ووسائل الاعتراض، إلى جانب أسلحة مخصصة للتعامل مع أنواع مختلفة من الأهداف الجوية.
ويعني الاهتمام بهذه المنظومة أن التعاون المصري-التركي قد يتجاوز المسيّرات إلى بناء منظومات متكاملة للتعامل مع التهديدات الجوية الحديثة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة في النزاعات الإقليمية.
التصنيع العسكري المشترك بين البلدين يطال أيضاً المعدات الدفاعية والذخائر والمدفعية والمركبات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة.
في حال توسع هذا المسار، يمكن أن تنتقل العلاقة بين القاهرة وأنقرة من مستوى المستورد والمورّد إلى شراكة صناعية حقيقية، وسيكون اختبارها الأساسي مدى قدرة البلدين على تسويق الأسلحة التي جرى تصنيعها بالفعل في أسواق عربية وأفريقية.
وأشار المصدر إلى أن 3 دول صديقة للبلدين طلبت التعاقد على المسيّرات "حمزة-1″، في مؤشر أولي على وجود طلب خارجي على المنتجات الناتجة عن الشراكة.
"MKE".. شراكة إنتاجية داخل مصر
في مسار موازٍ، ذكر المصدر العسكري، الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه لكونه غير مخول له الحديث للإعلام، أن التعاون بين مصر ومؤسسة "MKE" التركية يقترب من بناء شراكات إنتاجية قابلة للتوسع، وليس مجرد اتفاقات لتوريد منتجات عسكرية.
وأوضح أن إنشاء خطوط إنتاج أو قاعدة تصنيع تركية داخل مصر سيمنح التعاون بعداً مختلفاً، لأن امتلاك القدرة على تصنيع المعدات لا يقل أهمية عن امتلاكها نفسها، ما يتيح توفير الذخائر وقطع الغيار والمكونات.
كما يقلل التصنيع المحلي الاعتماد على الاستيراد في عمليات الصيانة والتشغيل، ويفتح المجال أمام تطوير المنتجات وفق احتياجات المستخدم، فيما يمكن الوصول إلى أسواق خليجية وعربية عديدة إذا نجح البلدان في إنتاج معدات تنافسية من حيث السعر والقدرات.
لكن المصدر أشار في الوقت نفسه إلى تحديات تتعلق ببناء الخبرات المحلية وسلاسل التوريد وقطع الغيار والذخائر، قبل الانتقال لاحقاً إلى تطوير منتجات مشتركة يمكن تسويقها إقليمياً ودولياً.
ويرى أن تجاوز هذه التحديات ممكن إذا أصبح التعاون في مجال التصنيع العسكري جزءاً لا يتجزأ من العلاقة الاقتصادية والصناعية الأوسع بين البلدين.
"ظفر".. منصة تركية للأسواق الأفريقية والخليجية
مؤخراً، كشف المدير العام لمؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية، إلهامي كلش، في حديث لوكالة أنباء الأناضول الرسمية، أن المؤسسة أسست في القاهرة شركة باسم "ظفر" تعمل وفقاً للقانون المصري.
وجاء الإعلان على هامش مشاركة المؤسسة في معرض العلمين الدولي للطيران، الذي اختتم أعماله الجمعة، وقال كلش إن تأسيس الشركة في القاهرة يهدف إلى المساهمة في العمليات التجارية في مصر، وكذلك في الأنشطة التجارية داخل أفريقيا ومنطقة الخليج.
وأضاف أن المؤسسة أبرمت عقداً مع مصر ووزارة الإنتاج الحربي المصرية بشأن الإنتاج المشترك للمواد الطاقية والمواد المتفجرة، إضافة إلى الإنتاج المشترك لمختلف معدات الذخائر.
ويكشف ذلك عن اتساع نطاق التعاون من الطائرات المسيّرة إلى مجالات الذخائر والمواد المستخدمة في الصناعات الدفاعية، مع وضع السوقين الأفريقية والخليجية ضمن الحسابات التجارية للمشروعات المشتركة.
وأكد كلش أن الاهتمام بمنظومة الدفاع الجوي التركية "تولغا" ازداد، خصوصاً في ظل تعدد أنواع التهديدات غير المتكافئة، مشيراً إلى أن مصر مهتمة أيضاً بالمنظومة.
وقال إن عملية بيع رمزية جرت بهدف إدخال "تولغا" إلى مخزون القوات المسلحة المصرية، لكن العمل لا يقتصر على ذلك، بل يستهدف إنشاء بنية تحتية تتيح تسويق المنظومة ليس في مصر وحدها، وإنما في السوق الأفريقية بأكملها ومنطقة الخليج.
وأوضح أن ذلك سيتم عبر المشروع المشترك الذي سيقام في مصر، مضيفاً أن مصر تمتلك قدرة على إنتاج المركبات العسكرية، وأن العمل جارٍ على إنتاج مشترك يدمج هذه القدرات مع الأنظمة والمعدات التركية.
ويعني هذا التوجه أن القاهرة لا تنظر فقط إلى التعاون مع أنقرة باعتباره وسيلة للحصول على معدات عسكرية، وإنما كمدخل لبناء قاعدة إنتاج يمكن أن تخدم السوق المصرية والأسواق الخارجية في الوقت نفسه.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة لم يعد محصوراً في شراء أو تصنيع معدات لتلبية الاحتياجات المحلية، بل يتجه تدريجياً إلى بناء شراكة صناعية لها امتدادات تجارية وإقليمية.
في حال نجح البلدان في تجاوز تحديات سلاسل التوريد والخبرات المحلية وتطوير منتجات قادرة على المنافسة، فإن مصر قد تتحول إلى قاعدة إنتاج وتسويق للصناعات الدفاعية التركية والمصرية المشتركة باتجاه أسواق عربية وأفريقية، ما يفتح مرحلة جديدة في العلاقات العسكرية بين البلدين.