كشفت مصادر سورية دبلوماسية وعسكرية لـ"عربي بوست" أن الأردن يستعد للانخراط بصورة أكبر في معركة دبلوماسية حول مستقبل الجنوب السوري، بالتوازي مع تحركات إسرائيلية متصاعدة في المنطقة، وسط مساعٍ لمنع تثبيت نفوذ إسرائيلي جديد وإسقاط أي مشاريع تستهدف فصل السويداء عن الدولة السورية.
تقول المصادر إن عمّان ترى أن التطورات في القنيطرة وجبل الشيخ وبيت جن والسويداء لم تعد ملفات منفصلة، وإنما باتت تتقاطع بصورة مباشرة مع أمن الأردن وحدوده ورغبة عمّان في أن يكون لها دور أكبر في ملف الجنوب السوري، خصوصاً مع محاولة إسرائيل توسيع نطاق تحركاتها البرية داخل الأراضي السورية واختبار نقاط انتشار جديدة.
بحسب مصادر في وزارة الدفاع السورية، فإن طبيعة التوغلات الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة تشير إلى ارتفاع حجم القوات المشاركة واتساع نطاق تحركها، مع استخدام الدبابات وناقلات الجند والجرافات والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع إقامة حواجز مؤقتة وعمليات تفتيش ورصد في مناطق مأهولة وزراعية.
تتركز التحركات الإسرائيلية، وفق المصادر، على 3 محاور رئيسية: شمال القنيطرة انطلاقاً من محيط الحميدية باتجاه عين النورية وتل أحمر، وجنوب القنيطرة باتجاه الرفيد وكودنة والمزارع المحيطة، إضافة إلى محور بيت جن ومزرعة بيت جن في ريف دمشق الغربي.
اختبار إسرائيلي تحت المجهر
تنظر وزارة الدفاع السورية باهتمام خاص إلى العملية الإسرائيلية الأخيرة في تل أحمر شمالي القنيطرة، بعدما دخلت قوة كبيرة إلى المنطقة وبقيت فيها لنحو 20 ساعة قبل أن تنسحب.
وقالت مصادر الوزارة لـ"عربي بوست" إن القوة ضمت عشرات الآليات العسكرية، بينها دبابات وناقلات جند ومصفحات، لكن المعاينة التي أُجريت بعد الانسحاب لم تظهر إنشاء تحصينات ثابتة أو تنفيذ أعمال هندسية واسعة.
طول مدة البقاء وحجم القوة المشاركة يدفعان إلى التعامل مع العملية باعتبارها "مهمة استطلاع عسكري موسعة"، شملت اختبار الموقع ورصد طرق الوصول إليه والخروج منه وتقييم مجال الرؤية والسيطرة الذي يوفره على المناطق المحيطة.
ويمثل تل أحمر نقطة مرتفعة تبعد نحو 9 كيلومترات عن السياج الفاصل مع الجولان المحتل، ولذلك تتابع دمشق ما إذا كان التحرك الإسرائيلي مجرد عملية استطلاع، أم مقدمة لاعتماد الموقع ضمن شبكة نقاط تتحرك بينها القوات الإسرائيلية مستقبلاً.
في السياق نفسه، شهد محيط عين النورية تحركات متكررة، شملت دخول آليات إسرائيلية إلى محيط القرية وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة على الطرق المؤدية إليها، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع مسيّرة.
كما تحركت دوريات إسرائيلية باتجاه مزارع الأمل ومناطق أخرى في شمال القنيطرة، بينما سُجلت في الجنوب عمليات توغل في الرفيد ومحيط كودنة وصيدا الحانوت، تخللت بعضها عمليات تفتيش للمنازل وتوقيف لسكان ومزارعين.
جبهة ضغط موازية
أما المحور الآخر الذي تراقبه دمشق عن كثب، فهو بيت جن ومزرعة بيت جن في ريف دمشق الغربي، حيث تكثفت العمليات الإسرائيلية خلال الأسبوعين الأخيرين.
إذ قالت مصادر وزارة الدفاع السورية إن القوات الإسرائيلية تستخدم في هذا المحور نمطاً متكرراً يقوم على الدخول بقوات برية محدودة أو متوسطة، والانتشار لفترات قصيرة قرب الأراضي الزراعية ومداخل البلدات، وإقامة حواجز وتفتيش المزارعين قبل الانسحاب.
يترافق ذلك مع استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة لتغطية التحركات البرية، ما يعكس، وفق المصادر، اعتماد نمط عملياتي يجمع بين الحركة البرية والمراقبة والاستطلاع من الجو.
خلال إحدى العمليات الأخيرة، دخلت قوة تضم دبابتين وجرافة وأكثر من 10 آليات عسكرية إلى منطقة الكروم قرب مزرعة بيت جن، فيما تعرضت أراضٍ زراعية غربي البلدة لقصف مدفعي.
كما سُجلت تحركات عند المدخل الجنوبي قرب باب السد وفي جورة اللوز ومحيط تل باط الوردة، لتضاف هذه المناطق إلى نطاق التحركات الإسرائيلية التي تتابعها دمشق.
تقول المصادر إن دمشق لا تتعامل مع بيت جن والقنيطرة باعتبارهما مسارين منفصلين، بل تراقب النشاط الإسرائيلي على امتداد القطاع الممتد من سفوح جبل الشيخ إلى القنيطرة باعتباره مساحة عمليات مترابطة.
وتتوافق الوقائع الأساسية لهذه التحركات مع تقارير سورية حديثة وثقت التوغل الإسرائيلي في بيت جن وعين النورية وتل أحمر، وإقامة حواجز لتفتيش المزارعين والمارة.
إسرائيل ترفع سقف الوقائع قبل أي تفاهم
مصدر دبلوماسي سوري مطلع على الاتصالات المتعلقة بالجنوب قال لـ"عربي بوست" إن القراءة الموجودة في دمشق تقوم على أن إسرائيل تحاول "رفع سقف الوقائع الميدانية قبل تثبيت أي تفاهم سياسي أو أمني جديد يخص جنوب سوريا".
بحسب المصدر، تخشى دمشق من انتقال إسرائيل تدريجياً من مفهوم المنطقة العازلة المرتبط بترتيبات ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلى محاولة فرض "حزام أمني فعلي" تتحرك داخله القوات الإسرائيلية بحرية أكبر.
وقد يترافق ذلك، وفق القراءة السورية، مع الاحتفاظ بنقاط مرتفعة ومواقع يمكن استخدامها للمراقبة والسيطرة النارية، ما يمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم في المجال المحيط بمواقع انتشارها الحالية.
وتعتبر دمشق أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منطقة جبل الشيخ تحمل في هذا السياق دلالة سياسية تتجاوز بعدها الميداني، إذ تريد الحكومة الإسرائيلية، وفق القراءة السورية، إظهار أن مستقبل انتشارها العسكري لن يُحسم فقط استناداً إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
قال المصدر الدبلوماسي إن القلق السوري الأكبر لا يتعلق بإقامة قاعدة إسرائيلية جديدة في كل موقع تدخل إليه القوات، وإنما بـ"تطبيع عمليات الدخول والخروج"؛ قد تتحول المناطق الواقعة شرق مواقع الانتشار الإسرائيلي الحالية تدريجياً إلى نطاق عمليات مفتوح أمام الجيش الإسرائيلي، وهو ما تعتبره دمشق أكثر خطورة من عملية توغل منفردة.
دمشق تختار المسار الدبلوماسي
في مقابل النشاط الإسرائيلي، تقول مصادر دبلوماسية سورية إن قرار دمشق في المرحلة الحالية يقوم على تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بالتوازي مع رفع مستوى التحرك السياسي مع واشنطن والدول العربية والأمم المتحدة.
وتعتبر دمشق أن الأولوية تتمثل في إعادة تثبيت مرجعية اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ورفض تحويل التطورات التي أعقبت سقوط النظام السابق إلى أساس قانوني أو أمني لوجود إسرائيلي طويل الأمد داخل الأراضي السورية.
وكانت دمشق قد كثفت تحركها في الأمم المتحدة بعد زيارة نتنياهو إلى جبل الشيخ، مؤكدة أن سيادة سوريا وسلامة أراضيها ليستا موضع تفاوض.
ويقول المصدر الدبلوماسي إن الجانب السوري يطلب من واشنطن بصورة أساسية منع إسرائيل من توسيع انتشارها شرقاً، وعدم السماح بتحويل الملفات الداخلية السورية، وخصوصاً السويداء، إلى مبرر لإنشاء مناطق نفوذ إسرائيلية دائمة في الجنوب.
الأردن يدخل على خط الجنوب السوري
يتقاطع الموقف السوري في هذه النقطة مع تحرك أردني متزايد تجاه ملف السويداء والجنوب السوري، في ظل اعتبار عمّان أن أي تغيير في طبيعة المنطقة قد يكون له انعكاسات مباشرة على أمنها القومي، وأيضاً لخشيتها من أن يتم تهميشها مستقبلاً من أي تفاهمات تخص ملف الجنوب السوري والحدود.
مصادر دبلوماسية سورية قالت إن زيارة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الأخيرة إلى دمشق لم تكن منفصلة عن التطورات الميدانية، وإن الجانب الأردني نقل موقفاً واضحاً بأن وحدة الجنوب السوري واستمرار السويداء ضمن الدولة السورية يمثلان مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأردني.
أظهرت الاجتماعات التي عقدها الصفدي مع الرئيس السوري ووزير الخارجية تقارباً واضحاً حول 3 عناوين رئيسية. وتتمثل هذه العناوين في رفض إنشاء كيان منفصل في السويداء، وإعادة مؤسسات الدولة تدريجياً إلى المحافظة ضمن تسوية سياسية، ومنع إسرائيل من استثمار الانقسامات الداخلية لإقامة منطقة نفوذ ملاصقة للحدود الأردنية.
حكمت الهجري.. العقبة أمام التسوية
تقول المصادر الدبلوماسية السورية إن القيادة الأردنية باتت أكثر انخراطاً في محاولة تفكيك أزمة السويداء، وإنها تدفع باتجاه صيغة سياسية تسمح بإعادة دمج المحافظة ضمن مؤسسات الدولة.
تقوم هذه الصيغة، بحسب المصادر، على ضمان ترتيبات محلية وحقوق سكان السويداء، بدلاً من انتقال الملف إلى مواجهة عسكرية جديدة أو مسار يقود إلى انفصال المحافظة عن مؤسسات الدولة.
لكن أحد أبرز العوائق أمام هذا المسار، وفق المصادر، يبقى موقف الشيخ حكمت الهجري والقوى المرتبطة به، في ظل استمرار الخلاف حول شكل العلاقة بين المحافظة والسلطة المركزية.
تشير المعطيات إلى أن الهجري رفض المشاركة في لقاء كان الأردن يسعى إلى عقده لمعالجة ملف السويداء، بينما تتمسك عمّان بخريطة الطريق الثلاثية مع دمشق وواشنطن باعتبارها الإطار الأساسي لمعالجة الأزمة.
وتؤكد المواقف الأردنية العلنية أن الحل يجب أن يقوم على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وهو المبدأ الذي يتقاطع مع المسار الذي تدفع إليه دمشق والأطراف الدولية المعنية.
تقول المصادر السورية إن دمشق أبلغت الجانب الأردني استعدادها لإبداء مرونة في شكل الإدارة والترتيبات المحلية في السويداء، شرط عدم المساس بوحدة الدولة أو إنشاء مؤسسات عسكرية وسياسية مستقلة عنها.
الجنوب السوري ملف إقليمي واحد
قال مصدر دبلوماسي سوري لـ"عربي بوست" إن دمشق باتت تنظر إلى ملفات القنيطرة وجبل الشيخ وبيت جن والسويداء باعتبارها أجزاءً مترابطة من معادلة أمنية واحدة، وليست أزمات منفصلة.
فالجانب العسكري من المعادلة يتعلق بحجم ونطاق الانتشار الإسرائيلي، بينما يرتبط الجانب السياسي بمستقبل السويداء، أما البعد الإقليمي فيتصل مباشرة بالأردن والولايات المتحدة وتركيا.
تعتقد دمشق، وفق المصدر، أن إسرائيل تحاول الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة العسكرية قبل استقرار الترتيبات السياسية الداخلية السورية، فيما يعمل الأردن على منع نشوء فراغ أمني أو كيان منفصل على حدوده.
في المقابل، تدفع واشنطن باتجاه تنفيذ خريطة الطريق الخاصة بالسويداء وتجنب جولة جديدة من العنف، وكان المبعوث الأمريكي توم براك قد أعاد خلال الأيام الماضية التأكيد على الخريطة الثلاثية باعتبارها أساس إعادة دمج السويداء ضمن الدولة السورية.
توغل مؤقت أم انتشار دائم؟
بحسب مصادر وزارة الدفاع السورية، فإن المؤشر الذي تراقبه دمشق خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد التوغلات الإسرائيلية وحده، وإنما طبيعتها ومدتها.
والسؤال الأساسي بالنسبة للمؤسسة العسكرية السورية هو ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستستمر في تنفيذ عمليات دخول وانسحاب مؤقتة، أم ستبدأ بإقامة تحصينات وطرق عسكرية ونقاط دائمة جديدة شرق مواقعها الحالية.
وتضيف المصادر أن ظهور أعمال هندسية ثابتة أو تمركز طويل الأمد في مواقع مثل تل أحمر أو المحاور المحيطة ببيت جن سيُقرأ في دمشق باعتباره انتقالاً من مرحلة "الضغط والاستطلاع العسكري" إلى محاولة فرض خط انتشار إسرائيلي جديد داخل جنوب سوريا.
في هذه المعادلة، يبدو أن الأردن يتحرك لمنع تحول أزمة السويداء إلى مدخل لتثبيت هذا الانتشار، بينما تحاول دمشق احتواء التصعيد عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، في انتظار اختبار الموقف الأمريكي تجاه أي توسع إسرائيلي جديد.
وهكذا يتجه جنوب سوريا إلى مرحلة يصبح فيها الميدان والدبلوماسية متداخلين بصورة أكبر: إسرائيل تختبر حدود انتشارها، ودمشق ترفض تحويل الأمر الواقع إلى ترتيبات دائمة، فيما يسعى الأردن إلى منع تفكك الجنوب أو نشوء نفوذ إسرائيلي جديد على مقربة من حدوده.