قبل أسابيع من الموعد المعلن للانتخابات التشريعية الفلسطينية، تخوض حركة فتح سباقاً موازياً داخل صفوفها لحسم خلافاتها الداخلية وترتيب قائمتها الانتخابية، في وقت لا تزال فيه احتمالات تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية مطروحة داخل أروقة الحركة، بحسب ما أكدته المصادر في التقرير.
تبدو معركة فتح هذه المرة أكثر تعقيداً من مجرد اختيار مرشحين، إذ تتداخل فيها الخلافات التنظيمية مع مستقبل عدد من القيادات البارزة، وفي مقدمتها جبريل الرجوب ومحمود العالول، إلى جانب ملف المفصولين وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان، وهو ما توضحه المصادر المختلفة من داخل الحركة لـ"عربي بوست".
وفيما تؤكد قيادة حركة فتح، بروايتها الرسمية للإعلام، أن الحوار الداخلي يستهدف الوصول إلى قائمة واحدة تمثل مختلف أطر فتح، فإن تعدد المواقف بشأن الانتخابات، وطرح مقترحات لتأجيلها، يكشفان عن خلافات لم تُحسم بالكامل بعد. وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أعلن إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026.
خلافات فتح تنتقل إلى طاولة الانتخابات
في قلب المشهد الداخلي لحركة فتح، تبدو مسألة توحيد الصفوف مرتبطة بصورة مباشرة بالاستحقاق الانتخابي المقبل. فالحركة، رغم ضبابية موقفها من خوض الانتخابات في موعدها أم لا، بدأت تشكيل المجمعات الانتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تمهيداً لاختيار ممثليها في القائمة الانتخابية.
بحسب مصدر قيادي في فتح تحدث لـ"عربي بوست"، فإن أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري يقودون لقاءات في المحافظات المختلفة بهدف اختيار المرشحين، بالتوازي مع محاولة تثبيت وحدة الحركة قبل تقديم القوائم الخاصة بانتخابات المجلس التشريعي.
يقول المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، إن النقاشات الداخلية تستهدف الوصول إلى قائمة رسمية واحدة تعبر عن مختلف أطر حركة فتح، في ظل إدراك داخل الحركة بأن الانقسام على أكثر من قائمة قد يهدد قدرتها على الحفاظ على موقعها في الانتخابات المقبلة.
لا يقتصر الخلاف على أسماء المرشحين، بل يمتد إلى شكل العلاقة بين الأجنحة المختلفة داخل حركة فتح، وإلى الملفات التنظيمية التي ظلت عالقة خلال السنوات الماضية، ما في ذلك ملف المفصولين والعلاقة مع تيار الإصلاح الديمقراطي.
دحلان والمفصولون.. عقدة أخرى أمام توحيد فتح
ضمن محاولات معالجة الانقسام الداخلي قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، عقدت حركة فتح اجتماعاً مع تيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان، في لقاء وُصف بأنه الأول من نوعه على هذا المستوى وبشكل علني بين مسؤولين يمثلون الحركة والتيار في شهر أغسطس/ آب 2026.
رغم الترحيب بعقد الاجتماع والنظر إليه بإيجابية، فإنه لم ينتهِ إلى خطوات عملية، وفق سمير مشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي. لكن مصدراً قيادياً في فتح قال إن الحركة لديها قرار بالعمل على إعادة المفصولين، وإن هذا المسار بدأ قبل الاجتماع الأخير.
وأوضح المصدر أن الاجتماع تناول قضايا حركية يمكن العمل على حلها، لكنه تضمن أيضاً نقاطاً اعتبرتها فتح أقرب إلى الإملاءات، وهو ما ترفضه الحركة.
مع ذلك، لا يبدو أن قناة الحوار أُغلقت، فالمصدر أكد استمرار التواصل مع تيار الإصلاح بهدف معالجة القضايا العالقة، في وقت أصبح فيه ملف توحيد الحركة أكثر إلحاحاً مع اقتراب موعد تقديم القوائم الانتخابية، وفق تقديره.
الرجوب يعود بعد شهرين من المقاطعة
في موازاة ذلك، برزت أزمة أخرى داخل القيادة المركزية لحركة فتح قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، تمثلت في الخلافات مع جبريل الرجوب ومحمود العالول.
فالرجوب، الذي يشغل منصب أمين سر اللجنة المركزية، قاطع اجتماعات اللجنة لنحو 2 من الأشهر قبل أن يعود للمشاركة في اجتماعها الأخير، في تطور تزامن مع التحركات الرامية إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة.
اللافت أن اللجنة المركزية أعادت انتخاب الرجوب أميناً لسرها، في مؤشر على أن الخلاف معه لم يتحول إلى قطيعة تنظيمية نهائية، وفق المصادر من الحركة.
وبحسب المصدر القيادي، "كانت هناك ملاحظات يعترض عليها الرجوب والعالول، وجرى فتح قنوات للحوار معهما. وأفضت الاتصالات مع الرجوب إلى عودته لحضور اجتماعات اللجنة، بينما استمر التواصل مع العالول بهدف حل الخلاف معه".
هذا التطور يجعل عودة الرجوب إلى اجتماعات المركزية جزءاً من مسار أوسع لإعادة ترتيب مراكز القرار داخل فتح، خصوصاً أن الخلافات جاءت في توقيت حساس يتزامن مع إعداد القوائم الانتخابية.
اتصالات لإنهاء أزمة العالول
أما محمود العالول، نائب رئيس حركة فتح سابقاً، فظل في قلب الاتصالات الداخلية التي تقودها الحركة لإنهاء الخلافات داخل قيادتها، بحسب المصادر.
في 13 سبتمبر/ أيلول، التقى وفد من اللجنة المركزية والمجلس الثوري العالول في منزله بمدينة نابلس، قبل أن يتوجه برفقتهم إلى اجتماع المجمع الانتخابي للحركة في المحافظة.
تشير هذه الخطوة، بحسب المصادر، إلى محاولة احتواء الخلاف مع العالول وإعادته إلى المسار التنظيمي، خصوصاً أن الاجتماع جاء في مرحلة تعمل فيها فتح على تحديد ممثليها في القوائم الانتخابية.
وتابعت: "لا يظهر ملف الرجوب والعالول منفصلاً عن المعركة الأوسع داخل فتح حول شكل القائمة الانتخابية المقبلة، وإن كانت المادة المتاحة لا تثبت استبعادهما من القائمة بصورة نهائية، لكن الثابت هو وجود خلافات معهما، ومحاولات قيادية لمعالجتها قبل إغلاق ملف الترشيحات".
فيما لم يتسنَّ الحصول على تعليق منهما على هذه المعلومات، لعدم تلقي رد منهما على محاولات الاتصال.
مبادرة البرغوثي من أجل قائمة واحدة
في خضم هذه الخلافات، طُرحت داخل المجلس الثوري مبادرة من مروان البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والأسير في السجون الإسرائيلية، تقوم على توحيد الحركة وتشكيل قائمة واحدة تضم مختلف أطرها.
تشمل المبادرة أيضاً ترتيبات لإعادة المفصولين، ومن بينهم المحسوبون على تيار الإصلاح الديمقراطي. ووفق المصدر، حظيت المبادرة بترحيب من المجلس الثوري وحركة فتح والرئيس محمود عباس.
في البيان الختامي للمجلس الثوري، أعلنت الحركة قرارها خوض الانتخابات ضمن قائمة وطنية موحدة تضم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
شبح دحلان يهدد احتكار فتح للتمثيل
الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب يرى أن تشتت الحركة قد يصبح أحد أبرز التحديات أمام قدرتها على السيطرة على المجلس التشريعي المقبل.
أشار حرب في حديثه لـ"عربي بوست" إلى احتمال وجود القائمة الرسمية لحركة فتح إلى جانب قائمة محمد دحلان، فضلاً عن إمكانية تحالفات أخرى مع أطراف في قطاع غزة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
في هذه الحالة، فإن الخطر بالنسبة لفتح لا يتمثل فقط في خسارة مقاعد لمنافسين تقليديين، بل في انتقال أصوات من داخل القاعدة الانتخابية نفسها إلى قوائم تنطلق من بيئة فتح أو من شخصيات محسوبة عليها، بحسب رأيه.
موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية
لا تتوقف الخلافات داخل فتح عند تشكيل القوائم، بل تمتد إلى السؤال الأكبر: هل تجري الانتخابات في موعدها أم تؤجل؟ ففي الوقت الذي أكد فيه محمود عباس، خلال افتتاح أعمال الدورة 1 للمجلس الثوري، أن الانتخابات ستجري في موعدها، طُرحت داخل المجلس مقترحات لتأجيلها لأشهر عدة.
يؤكد نائب أمين سر المجلس الثوري أنطون سلمان أن مقترح التأجيل نوقش بالفعل، لكن القرار النهائي اتجه إلى إجراء الانتخابات في موعدها، انسجاماً مع موقف عباس، وفق ما صرح به لـ"عربي بوست".
في المقابل، كرر جبريل الرجوب، في تصريحات صحفية منفصلة، أن إجراء الانتخابات في موعدها غير ممكن، وهو موقف يضيف بعداً جديداً إلى النقاش الداخلي حول الاستحقاق الانتخابي.
لكن مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال يرى أن موقف الرئيس عباس هو الأكثر أهمية، باعتباره صاحب القرار، وأشار في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن البيان الختامي للمجلس الثوري أكد المضي نحو الانتخابات.
من جانبه، رفض قدورة فارس اعتبار الخلافات الداخلية أو الحديث عن الحوار الوطني مبرراً كافياً لتأجيل الانتخابات، وأن المبرر الوحيد الذي يمكن أن يمثل مشكلة لوجستية هو تزامن الانتخابات الفلسطينية مع الانتخابات الإسرائيلية، في حين أن بقية المبررات، بحسب تقديره، لا تبرر تأجيل استحقاق طال انتظاره.
ويحذر فارس، في تصريحاته لـ"عربي بوست"، من أن الحكومة الإسرائيلية قد تسعى إلى تقويض الانتخابات، لكنه ينتقد في الوقت ذاته من يطرحون الحوار الوطني أو المرحلة الانتقالية ذريعة للتأجيل، متسائلاً عن سبب عدم طرح هذه القضايا خلال السنوات السابقة.
من وجهة نظره، فإن الفصائل الفلسطينية لا يمكن أن تتعامل مع نفسها باعتبارها بديلاً دائماً عن الناخب الفلسطيني، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
العقبة التي لا تملك فتح وحدها حلها
بعيداً عن الحسابات الداخلية، توجد عقبات سياسية وأمنية يمكن أن تجعل إجراء الانتخابات أكثر تعقيداً، خصوصاً في القدس وقطاع غزة.
من جانبه، يرى جهاد حرب أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل أحد أبرز التحديات، سواء عبر احتمال منع الانتخابات في القدس المحتلة أو بسبب الوضع في قطاع غزة واستمرار استهداف الشرطة التي يُفترض أن تتولى حماية مراكز الاقتراع.
وأضاف عاملاً آخر يتعلق بالموقف الأمريكي من إجراء الانتخابات في غزة، في ضوء التطورات السياسية المرتبطة بالقطاع، معتبراً أن هذه الملفات السياسية لا تملك السلطة الفلسطينية حتى الآن إجابات واضحة بشأنها.
أما من الناحية الفنية، فيرى عارف جفال أن لجنة الانتخابات المركزية أعلنت جاهزيتها أكثر من مرة، ما في ذلك الاستعدادات الخاصة بقطاع غزة والطباعة وصناديق الاقتراع.
بالتالي، فإن المشكلة الأساسية، وفق هذه القراءة، ليست في القدرة التقنية على تنظيم الاقتراع، وإنما في الظروف السياسية التي تحيط به.
ولكن جهاد حرب يرى أن اختيار 28 نوفمبر/ تشرين الثاني موعداً للانتخابات يمثل أحد عوامل التعقيد، بسبب غياب حكومة إسرائيلية مستقرة في تلك المرحلة.
وأوضح أنه "في حال فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، أو عدم فوزه، قد تكون الحكومة في وضع انتقالي أو في مرحلة تشكيل ائتلاف جديد، وهو ما قد يجعل اتخاذ قرارات مرتبطة بإلغاء العراقيل ضد إجراء الانتخابات في القدس أو أكثر صعوبة".
لذلك، يعتقد حرب أن غياب حكومة إسرائيلية منتخبة ومستقرة يمكن أن يصبح أحد العوامل المانعة لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها، بحسب تقديره.
كما أنه يرى أن الاتحاد الأوروبي، رغم ضغطه لإجراء الانتخابات، بدأ يتفهم احتمال تأجيلها إلى بداية العام المقبل، ما يسمح بوجود حكومة إسرائيلية مستقرة يمكن مخاطبتها بشأن القدس وقطاع غزة.