مصر تتحوط اقتصادياً لحرب طويلة في المنطقة: هكذا تخطط لمواجهة أزمات الوقود والقمح وممرات التجارة

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/14 الساعة 16:04 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/14 الساعة 16:05 بتوقيت غرينتش
تحديات كثيرة تنتظر مصر في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة/ عربي بوست

كشفت مصادر حكومية واقتصادية مصرية لـ"عربي بوست" أن القاهرة تتعامل مع احتمال استمرار الحرب في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة، بعدما وضعت الحكومة سيناريوهات تمتد تداعياتها حتى عام 2030، في مؤشر على أن صانع القرار المصري لا يتعامل مع الصراع الحالي باعتباره أزمة مؤقتة.

دفعت هذه التقديرات إلى اتخاذ إجراءات احترازية تشمل تعزيز الاحتياطي الدولاري، وتأمين مخزونات السلع الأساسية، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستعداد لخفض دعم الوقود والخدمات، إلى جانب البحث عن مسارات بحرية وتجارية بديلة في محاولة لتقليل أثر اضطرابات قناة السويس.

تأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطاً متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة والقمح، وتراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، فضلاً عن تذبذب سعر الجنيه مقابل الدولار، وهي عوامل قد تصبح أكثر كلفة إذا انتقل التصعيد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب.

وقال مصدر حكومي مطلع إن الخطة المصرية تقوم أساساً على توسيع البدائل والتحوط أمام أكثر من سيناريو، بحيث لا يؤدي استمرار الحرب واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الوقود إلى أزمات داخلية ذات تداعيات اقتصادية أو سياسية أو أمنية.

القاهرة تستعد لحرب طويلة

خلال اجتماع حكومي، تحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن وضع سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها السيناريو الأسوأ الذي يفترض استمرار الصراع لسنوات، وصولاً إلى عام 2030، وما يمكن أن يترتب على ذلك من ضغوط على الاقتصاد المصري.

مدبولي أوضح خلال مؤتمر صحافي أن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وضعت عدة سيناريوهات للتعامل مع التداعيات، مشيراً إلى ضرورة "التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة"، وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار والاستهلاك يمثل عبئاً، لكن "مصر لم تشهد أزمة رغم تلك الضغوط".

ولفت المسؤول المصري إلى أن أسعار الغاز والبترول ارتفعت بفعل الاضطرابات الإقليمية، وأن الدولة تحملت خلال السنوات الماضية فاتورة تلك الاضطرابات، موضحاً أن بعض الحكومات تمرر الزيادة كاملة إلى المواطنين، بينما تتحمل حكومات أخرى جزءاً منها عبر زيادة الدين.

وقال إن الحكومة المصرية اختارت البديل الثاني، بحيث تتحمل الدولة جزءاً من الفاتورة في صورة ديون، فيما يتحمل المواطن الجزء الآخر. وكان مدبولي قد لوح في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 إلى احتمال تعامل الدولة مع ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الحرب"، إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية.

احتياطي الدولار والسلع.. تحصين الداخل

قال مصدر حكومي مطلع لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الحكومة تعمل على عدة خطط لاحتواء صدمات الحرب في الشرق الأوسط، في مقدمتها التحوط لتوفير احتياطي نقدي دولاري يمكن أن يشكل حصانة لاستقرار الجنيه أمام أي احتياجات مرتفعة للعملة الصعبة.

المصدر أوضح أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الوقود، ما يرفع كلفة استيراد السلع والطاقة ويزيد الضغوط على الموارد الدولارية، ولذلك تقوم الخطة على توسيع البدائل والسير في اتجاهات متعددة.

كما أشار إلى أن الحكومة تعمل على توفير مخزون من السلع الأساسية يكفي لمدد تتراوح بين 6 أشهر وعام، مع التركيز على القمح والأرز والسكر والزيوت والأعلاف، باعتبارها مكونات رئيسية يمكن أن يؤدي نقصها إلى أزمات داخلية وارتفاع مباشر في أسعار السلع التي يعتمد عليها المواطنون.

وتهدف التغييرات التي جرى إدخالها على ملكية جهاز مستقبل مصر وانتقاله من الجيش إلى مؤسسة الرئاسة إلى تسهيل مهمة توفير احتياطات ضخمة من السلع، خصوصاً في ظل وجود أكثر من 120 مليون مستهلك داخل البلاد، بينهم المصريون والوافدون.

تشمل الخطة، وفق مصدر "عربي بوست"، التوسع في الاعتماد على الإنتاج المحلي والحد من الاستيراد قدر الإمكان، في محاولة لتقليل تعرض السوق المصرية للصدمات الخارجية إذا طال أمد الحرب.

الوقود والقمح.. فاتورة الاستيراد تحت الضغط

تضع الحكومة في حساباتها، بحسب المصدر ذاته، أنها ستكون مضطرة إلى زيادة فاتورة استيراد الوقود نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، وعدم وجود عوائد مباشرة للتوسع في الاستكشافات المحلية خلال العام المقبل.

ينطبق الأمر كذلك على القمح الذي ارتفعت أسعاره خلال الشهر الماضي بسبب التوترات في البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، بينما يمكن أن تتراجع عوائد الدولار نتيجة أوضاع قناة السويس والسياحة في المنطقة.

لهذا، يقول المصدر، سيكون الاعتماد على المنتجات المحلية في المرتبة الأولى، فيما ترى الحكومة أن التوترات الحالية يمكن أن تمثل فرصة للارتقاء بالإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الخارج.

يمكن تطبيق ذلك، بحسب المصدر، على قطاع الأدوية، إذ يستحوذ الإنتاج المحلي حالياً على نحو 90% من سوق الدواء، ومن المتوقع أن يشهد السوق مزيداً من التراجع في الاستيراد من الخارج.

تقشف تدريجي وخفض متوقع للدعم

تشمل خطة الحكومة أيضاً إجراءات تقشفية، لكن بصورة مختلفة عن الإجراءات التي اتخذتها في بداية الحرب، عندما اتجهت إلى إغلاق المحال مبكراً، وهو ما ترك تداعيات اقتصادية سلبية.

وقال المصدر إن التقشف سيتجه هذه المرة إلى خفض نفقات الهيئات الحكومية، وإتاحة مساحات أكبر للقطاع الخاص لكي يؤدي دوراً أكبر في الاقتصاد، إلى جانب مراجعة بنود الدعم الحكومي للسلع والخدمات.

من المتوقع، وفق المصدر، أن يطال خفض الدعم العديد من الخدمات، في مقدمتها الوقود والكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، ضمن مسعى لتقليص الأعباء التي تتحملها الموازنة.

في هذا السياق، تتوقع مؤسسة "فيتش سوليوشنز" عبر خدمتها البحثية "BMI" أن ترفع مصر أسعار الوقود خلال سبتمبر/ أيلول 2026 للمرة الأولى منذ مارس/ آذار، في حال استمرار المسار الحالي للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.

بحسب تقرير للمؤسسة حول مصر صدر الخميس، فإن سعر خام برنت سيكون عاملاً حاسماً في القرار، فإذا كان عند مستوى أقرب إلى 70 دولاراً للبرميل، وهو مستوى استرداد التكلفة الذي تقدره المؤسسة، فقد تُبقي الحكومة الأسعار من دون تغيير، مقارنة بنحو 80 دولاراً كسيناريو آخر، بينما يتداول برنت حالياً بالقرب من 100 دولار للبرميل وقت كتابة التقرير.

وكانت مصر قد رفعت في مارس/ آذار الماضي سعر البنزين والسولار بنحو 3 جنيهات للتر، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط بسبب التبعات السلبية للحرب الأمريكية الإيرانية.

وتوقعت "فيتش سوليوشنز" رفع أسعار الوقود لتحقيق الأهداف المالية للسنة المالية 2026/2027، الممتدة من يوليو/ تموز 2026 إلى يونيو/ حزيران 2027، والتي تفترض خفضاً حاداً في الإنفاق على دعم الوقود.

كما قال مدبولي في وقت سابق إن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية ستعقد اجتماعها خلال الربع الأول من العام المالي الجاري، بين يوليو وسبتمبر 2026، لبحث تعديل أسعار الوقود وفق تطورات أسعار النفط والحرب.

تعزيز مخزونات الوقود للكهرباء

في إطار الإجراءات الاحترازية، رفعت وزارة البترول المصرية وارداتها من المازوت إلى نحو 320 ألف طن خلال سبتمبر/ أيلول المقبل، بزيادة نسبتها 14%، بهدف تعزيز مخزونات الوقود المخصصة لمحطات الكهرباء وتأمين احتياجاتها حتى نهاية الصيف الجاري، وفق مصدر مسؤول.

تعكس هذه الخطوة جانباً من استعدادات الحكومة لاحتمال استمرار الضغوط على سوق الطاقة، خصوصاً مع ارتفاع الاستهلاك خلال أشهر الصيف وتزايد أسعار الغاز والبترول بفعل الاضطرابات الإقليمية.

تتعامل القاهرة، وفق السيناريوهات الحكومية، مع استمرار المواجهات بوصفه احتمالاً قد يأخذ أشكالاً مختلفة، من حرب متقطعة وممتدة إلى توسع إقليمي واسع تكون تداعياته الاقتصادية أكثر حدة.

الدعم النقدي لتقليص فاتورة القمح

يرى خبير اقتصادي أن الحكومة قد تتجه إلى التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، باعتبار ذلك جزءاً من خطة تقشف تستهدف تقليص فاتورة الدعم بوجه عام.

وقد ينعكس هذا التحول على معدلات استهلاك القمح، خصوصاً أن وزارة التموين بدأت في مايو/ أيار 2026 إجراءات لتنقية بطاقات التموين وحذف غير المستحقين، فيما تتريث الحكومة في اتخاذ القرار النهائي انتظاراً لتوقيت لا يعاني فيه الاقتصاد من تداعيات كبيرة حفاظاً على الوضع الداخلي.

أشار الخبير إلى أن تنقية البطاقات التموينية ساهمت بالفعل في تراجع احتياجات منظومة الخبز المدعمة، التي تتراوح حالياً بين 8 و8.5 مليون طن سنوياً، مقارنة بنحو 10 ملايين طن قبل نحو 6 سنوات.

جاء ذلك بعد استبعاد غير المستحقين، إلى جانب إجراءات فنية اتخذتها وزارة التموين لرفع كفاءة استخدام القمح داخل المنظومة. وتوقع المصدر أن يؤدي الانتقال إلى منظومة الدعم النقدي إلى تحقيق وفر يتراوح بين 1.6 و2.55 مليون طن من القمح سنوياً مقارنة بمستويات الاستهلاك الحالية.

كما أوضح أن الدولة لن تكون مطالبة بتوفير كامل احتياجات المنظومة بالطريقة المعمول بها حالياً، مع زيادة مساهمة القطاع الخاص في تلبية الطلب على القمح داخل السوق المحلية.

سيناريوهات الحرب في الشرق الأوسط

تضع الحكومة، وفق المصدر، سيناريو لاستمرار المواجهات بصورة متقطعة من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما قد يبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبياً، مع استمرار الضغوط على السياحة وقناة السويس وسوق الصرف.

يرى المصدر أن كلفة الحرب في هذه الحالة ستكون كبيرة، لكنها قابلة للتعامل معها، في حين يتمثل السيناريو الأكثر خطورة في اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط وما قد يترتب عليه من اضطراب طويل في إمدادات الطاقة.

قد يؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع فاتورة الواردات والتضخم وعجز الموازنة، إلى جانب ممارسة ضغوط إضافية على النشاط السياحي، ما يزيد من حدة الضغوط على الاقتصاد المصري.

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه في مارس/ آذار الماضي الحكومة بدراسة كل الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة بشأن استمرار الحرب.

وحذر السيسي آنذاك من تداعيات تفاقم التوتر الإقليمي على أمن واستقرار المنطقة ومقدرات شعوبها، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية لامتداد الحرب، خصوصاً على الأسعار والطاقة والملاحة في البحر الأحمر.

مليارات السياحة تحت التهديد

تشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الحرب كلفت مصر بالفعل مليارات الدولارات من الإيرادات السياحية، مع إلغاء جزء من الحجوزات خلال ذروة التوترات.

ولا يقتصر التأثير على انخفاض أعداد السائحين، وإنما يمتد إلى ارتفاع كلفة التأمين على الرحلات الجوية وزيادة كلفة تشغيل شركات الطيران، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار برامج السفر إلى المنطقة.

يمثل قطاع السياحة أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية لمصر، بعدما حقق إيرادات تجاوزت 15 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، فيما استقبلت البلاد نحو 16 مليون سائح.

وبالتالي، فإن استمرار الصراع لفترة طويلة لا يمثل بالنسبة للقاهرة تهديداً أمنياً فقط، وإنما يضغط على أحد أهم مصادر تدفق النقد الأجنبي، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى كل مواردها الدولارية لمواجهة فاتورة الاستيراد.

قناة السويس وباب المندب

تبقى قناة السويس أكثر القطاعات المصرية حساسية لأي اضطراب في الخليج أو البحر الأحمر، إذ توضح بيانات البنك المركزي المصري أن إيرادات القناة تراجعت خلال العام المالي 2024-2025 إلى نحو 4 مليارات دولار.

وتقارن هذه الإيرادات بنحو 10.3 مليار دولار في العام المالي السابق، أي بانخفاض يقترب من 61% نتيجة اضطرابات الملاحة.

ومع أي تصعيد جديد في المنطقة، تظل احتمالات استمرار تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح قائمة، وهو ما يحد من سرعة تعافي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر.

وقال مصدر مسؤول إن القاهرة اتجهت، ضمن خطتها للتعامل مع تداعيات الحرب، إلى تنويع الخطوط البحرية والربط المباشر مع العديد من الدول الأفريقية والأوروبية، بحثاً عن عوائد من التجارة والترانزيت تعوض جزءاً من خسائر قناة السويس.

وأضاف أن هذه الخطوة تهدف أيضاً إلى تسهيل عمليات نقل سلاسل الإمداد وضمان عدم تأثر الأسواق المحلية سلباً، بالتوازي مع تأمين احتياجات السوق من السلع الأساسية وضمان استقرار إمدادات الطاقة.

وتعمل الحكومة كذلك على البحث عن بدائل لمصادر الاستيراد، خصوصاً القمح الروسي والأوكراني، في ظل مخاطر استمرار التوترات في البحر الأسود واحتمال انتقال تأثيراتها إلى سلاسل الإمداد العالمية.

تتعامل القاهرة كذلك مع احتمال انتقال مركز الصراع من مضيق هرمز، الذي يشكل حالياً بؤرة رئيسية للتوتر، إلى مضيق باب المندب، خصوصاً مع توسيع جماعة الحوثي سيطرتها على أجزاء جديدة من المضيق.

وسيكون لهذا السيناريو تداعيات أكثر فداحة على الاقتصاد المصري، الذي يعاني بالفعل من آثار الحرب وعدم الاستقرار، سواء من خلال سعر الجنيه مقابل الدولار أو العوائد الدولارية من السياحة وقناة السويس.

وتكشف التحركات المصرية أن الحكومة لا تبني خطتها على انتهاء سريع للصراع، وإنما على قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل فترة أطول من الاضطرابات.

ولهذا تتزامن خطط الاحتياطي الدولاري ومخزونات القمح والسلع والوقود، مع تقليص الدعم وتنويع مصادر الاستيراد وفتح مسارات بحرية بديلة، في محاولة لتوزيع المخاطر وعدم ترك الاقتصاد رهينة لمسار واحد.

وقال مصدر مسؤول إن الحكومة لديها تخوفات من تعرض التدفقات الدولارية لضغط مباشر، مشيراً إلى أن الحديث الحكومي عن سيناريوهات مواجهة حرب ممتدة يمهد للمواطنين لاحتمال استمرار موجة ارتفاع الأسعار في ظل عدم استقرار المنطقة.

ويرى المصدر أن هذا الخطاب يهدف كذلك إلى رفع وعي المواطنين بحجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد المصري، وإعداد الداخل لمرحلة قد تستمر فيها تداعيات الحرب حتى في حال عدم تحولها إلى مواجهة إقليمية شاملة.

تحميل المزيد