تجاوزت مصر وإيطاليا عملياً الخلافات التي أعقبت مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر قبل 10 سنوات، وبدأتا مرحلة جديدة من التعاون تشمل الأمن والهجرة والطاقة والنقل البحري والاستثمار، بالتزامن مع تحولات إقليمية دفعت البلدين إلى إعادة تفعيل قنوات الاتصال السياسي والاقتصادي.
وكشفت مصادر مصرية ودبلوماسية لـ"عربي بوست" أن ترتيبات دبلوماسية وأمنية استمرت لسنوات مهدت لعودة اللجنة المصرية–الإيطالية المشتركة إلى الانعقاد للمرة الأولى منذ عقد، فيما ساهمت التطورات الإقليمية، ولا سيما حرب إيران واضطرابات سلاسل الإمداد والممرات البحرية، في تسريع البحث عن مصالح مشتركة.
تتجه القاهرة وروما، وفق المصادر، إلى بناء شراكة تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية، مع تركيز إيطالي متزايد على مصر باعتبارها منصة لوجستية وصناعية للوصول إلى أسواق الخليج وأفريقيا، مقابل اهتمام مصري بجذب الاستثمارات والتكنولوجيا الإيطالية وتعزيز دور البلاد كمركز إقليمي للتجارة والطاقة.
نهاية عقد من التوتر بين مصر وإيطاليا
جاءت زيارة وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني إلى القاهرة بعد سنوات من الفتور الذي أصاب العلاقات بين مصر وإيطاليا بسبب قضية ريجيني، وما رافقها من تحقيقات واتهامات أثرت على مستوى التنسيق بين البلدين في ملفات إقليمية، أبرزها الملف الليبي.
وانعقدت اللجنة المشتركة بين مصر وإيطاليا الأسبوع الأول من سبتمبر/ أيلول 2026، للمرة الأولى منذ 10 سنوات، بمشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وتاياني، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي.
تناولت اللجنة ملفات زيادة الاستثمارات الإيطالية، والاستفادة من موقع مصر كمركز لوجستي وتجاري ومحور للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، بالتزامن مع انعقاد مجلس الأعمال المصري–الإيطالي بمشاركة ممثلين عن مجتمع الأعمال والشركات والمؤسسات الاقتصادية والاستثمارية في البلدين.
مصدر مصري مطلع قال لـ"عربي بوست" إن مصر وإيطاليا تجاوزتا بشكل كامل الخلافات التي نشبت بسبب مقتل ريجيني، موضحاً أن زيارة تاياني جاءت بعد سنوات من الترتيبات الدبلوماسية والأمنية لتسوية الخلافات.
وأشار إلى أن السفارة المصرية في روما لعبت دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر، فيما شكلت التطورات الجارية في المنطقة، وبخاصة الحرب الإيرانية، دافعاً إضافياً لتجاوز الخلافات والاتجاه إلى علاقات تقوم على تحقيق مكاسب مشتركة.
يربط المصدر، الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، هذا التحول أيضاً بأزمات سلاسل الإمداد العالمية، ورغبة مصر وإيطاليا في تحقيق عوائد اقتصادية تساعد على تعويض الخسائر الناتجة عن تداعيات الصراعات الإقليمية.
مصر بوابة إيطاليا إلى الخليج وأفريقيا
تريد إيطاليا، بحسب المصدر المصري، أن تصبح نقطة تجارة تدعم وصول مصادر الطاقة من الدول الخليجية إلى أوروبا، إلى جانب نقل السلع والمنتجات من أوروبا إلى الخليج عبر خط "الرورو"، الذي بدأ العمل في مرحلته الأولى خلال مارس/ آذار 2026.
تنظر روما إلى ميناء دمياط، المرتبط بالخط، باعتباره ممراً لوجستياً عالمياً يمكن أن يعزز مكاسبها الاقتصادية، خصوصاً في ظل اضطرابات الممرات البحرية وتغير خريطة التجارة الدولية.
خلال منتدى الأعمال المصري–الإيطالي، جرى بحث التعاون بين الموانئ المصرية والإيطالية وزيادة حركة الترانزيت بين أوروبا ودول الخليج، والاستفادة من موقع مصر لدعم التجارة الإقليمية والدولية.
ولا تنظر إيطاليا، وفق المصدر، إلى مصر فقط باعتبارها سوقاً تضم أكثر من 100 مليون نسمة، وإنما أيضاً منصة للوصول إلى أسواق الخليج وأفريقيا.
يرتبط هذا التوجه باتفاق الحكومة الإيطالية مع مجلس التعاون الخليجي في يوليو/ تموز 2026 لإنشاء آلية منظمة للمشاورات في مجالات أمن الطاقة والربط والممرات الاستراتيجية، ومنها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بالتزامن مع توسع الشركات الإيطالية في الخليج.
تدفع السياسة الإيطالية القائمة على زيادة الحضور الاستثماري في دول عربية تتمتع بمقومات الاستقرار، ولا سيما دول الخليج، روما إلى تعزيز تعاونها مع مصر التي يمكن أن تتحول إلى منصة لوجستية وصناعية للشركات الإيطالية الراغبة في الوصول إلى الخليج وأفريقيا.
فيما يتوقع المصدر أن يتركز الاستثمار الإيطالي في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا الصناعية والرقمنة والزراعة، وهي قطاعات تتقاطع مباشرة مع خطط الاستثمار الخليجية، كما حظيت بأولوية في اجتماعات اللجنة المشتركة ومجلس الأعمال.
أرقام تكشف حجم المصالح
شارك عبد العاطي وتاياني في منتدى الأعمال المصري–الإيطالي بالقاهرة، بالتزامن مع انعقاد اللجنة العليا المشتركة، وبمشاركة واسعة من ممثلي مجتمع الأعمال والشركات والمؤسسات الاقتصادية والاستثمارية.
وقال عبد العاطي إن انعقاد المنتدى يعكس الزخم المتنامي في العلاقات، مشيراً إلى أن إيطاليا تعد الشريك التجاري الأول لمصر بين دول الاتحاد الأوروبي والرابع عالمياً. وأعرب عن تطلع القاهرة إلى زيادة الاستثمارات الإيطالية والاستفادة من موقع مصر الاستراتيجي وسوقها الواعدة.
الوزير المصري شدد على أهمية توسيع التعاون بين مصر وإيطاليا في الطاقة والطاقة المتجددة وتوطين الصناعة والبنية التحتية والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا والتحول الرقمي، والبناء على مشروعات ناجحة، من بينها تطوير مدينة الروبيكي لصناعات الجلود.
كما أكد أهمية دور القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة في دفع العلاقات الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز التكامل في سلاسل الإنتاج الإقليمية والدولية.
من جانبه، اعتبر تاياني أن العلاقات السياسية المتميزة بين البلدين تمثل أساساً لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، مشيراً إلى تنامي اهتمام الشركات الإيطالية بالسوق المصرية، وداعياً إلى تحويل الزخم السياسي إلى مشروعات واستثمارات ملموسة.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإيطاليا نحو 5.9 مليار يورو خلال عام 2025، فيما بلغت الاستثمارات الإيطالية في مصر نحو 23.4 مليار دولار خلال الفترة من 2004/2005 حتى 2024/2025، عبر نحو 1400 شركة مساهمة إيطالية.
وشهد المنتدى توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة وبنك الإسكندرية، المملوك لمجموعة إنتيسا سان باولو الإيطالية، بهدف دعم الاستثمار وتيسير أعمال المستثمرين.
كما بحث المنتدى تعزيز التعاون بين الموانئ المصرية والإيطالية وزيادة حركة الترانزيت غير المباشر بين أوروبا ودول الخليج، ما يعزز موقع مصر كمحور للتجارة الإقليمية والدولية ويفتح مجالات جديدة للتعاون في النقل واللوجستيات والتجارة.
الطاقة في قلب الشراكة الجديدة
ترى مصادر دبلوماسية أن عودة انعقاد اللجنة العليا المصرية–الإيطالية المشتركة بعد توقف لنحو 10 سنوات تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين مصر وإيطاليا.
وأوضحت أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة جعلت إعادة تفعيل آليات الحوار والتنسيق بين البلدين ضرورة، خصوصاً مع الزخم الذي شهدته العلاقات على مستوى القيادة السياسية والاتصالات الحكومية.
يمثل العامل الاقتصادي أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول، في ظل تنامي اهتمام الشركات الإيطالية بالسوق المصرية ورغبة القاهرة في جذب مزيد من الاستثمارات والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الإيطالية، خصوصاً في الطاقة والصناعة والبنية التحتية والنقل واللوجستيات والتحول الرقمي.
كما يضيف موقع مصر الجغرافي بعداً مهماً للعلاقة، إذ يمكن أن تمثل القاهرة بوابة للشركات الإيطالية إلى الأسواق العربية والأفريقية ومركزاً لحركة التجارة بين أوروبا والشرق الأوسط.
يأتي بحث التعاون بين الموانئ وزيادة حركة الترانزيت بين أوروبا ودول الخليج ليعكس هذا التوجه، فيما يمثل ملف الطاقة ركيزة استراتيجية في العلاقة، في ضوء الدور المصري المتنامي في شرق المتوسط ومشروعات الطاقة المتجددة والربط، بالتوازي مع حاجة إيطاليا إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمنها.
من التجارة إلى الأمن والهجرة
سياسياً، أصبحت التطورات الإقليمية المتسارعة عاملاً إضافياً في تعزيز التنسيق بين مصر وإيطاليا، خصوصاً بشأن غزة وليبيا والسودان والقرن الأفريقي وأمن البحر المتوسط.
يبرز ملف العمالة والهجرة مجالاً عملياً آخر للتعاون، في ظل سعي البلدين إلى تنظيم حركة العمالة المصرية وتوفير مسارات قانونية لها، إلى جانب التدريب والتأهيل.
ويرى مصدر دبلوماسي أن عودة اللجنة المشتركة تهدف إلى بناء شراكة أكثر شمولاً تجمع المصالح الاقتصادية والاستثمارية بالتنسيق السياسي والأمني، ما يتناسب مع أهمية مصر لإيطاليا في جنوب المتوسط، وأهمية إيطاليا للقاهرة داخل الاتحاد الأوروبي.
في بداية زيارته إلى القاهرة، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي تاياني، وتسلم الجانب الإيطالي خطاباً موجهاً إلى رئيسة الوزراء الإيطالية يتضمن تهنئتها على كون حكومتها الأطول عمراً في تاريخ الجمهورية الإيطالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتضمن الخطاب الإشارة إلى التطور الملحوظ في العلاقات الثنائية بمختلف المجالات، ودعوة رئيسة الوزراء إلى زيارة مصر لمواصلة التنسيق والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وحرص تاياني على تعميق التعاون بين مصر وإيطاليا والارتقاء به إلى آفاق أرحب ما يحقق المصالح المشتركة، مع استمرار التنسيق لمواجهة الهجرة غير الشرعية، إلى جانب بحث تطورات القضايا الإقليمية والدولية.
فيما شدد السيسي على أهمية تنفيذ مخرجات اللجنة المصرية–الإيطالية المشتركة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري، إلى جانب تطوير التعاون في الطاقة والتعليم والنقل البحري والزراعة والسياحة.
اتفاق للهجرة مقابل مسارات قانونية
في مؤتمر صحفي مع نظيره المصري، قال تاياني: "نحن مهتمون بحماية حركة الملاحة البحرية عبر قناة السويس والبحر الأحمر أيضاً، حيث يمر عبرهما 40% من حركة الملاحة البحرية الإيطالية، في ظل الظروف الدولية الصعبة التي تشهدها المنطقة".
في ملف الهجرة، كشف عن توقيع اتفاق مع وزير الخارجية المصري لضمان أن يسهم التعاون بين مصر وإيطاليا في تقليل أعداد المهاجرين غير النظاميين، وزيادة أعداد المهاجرين النظاميين الذين يمكن توظيفهم في الشركات الإيطالية بعد تلقيهم التدريب المناسب.
وتحتاج مصر وإيطاليا، بحسب مصدر دبلوماسي مصري، إلى التعاون في مجالات اقتصادية تحقق أهدافاً تتجاوز الاستثمار المباشر، من بينها الحد من الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا.
وتلمس روما، وفق المصدر، دوراً مصرياً في الحد من الهجرة، لكنها ترى أن استمرار الصعوبات الاقتصادية يجعل الوصول إلى حلول جذرية للأزمة أمراً صعباً.
كما تحتاج المسألة إلى مزيد من التنسيق الأمني باعتبار أن مصر منطقة عبور بالأساس، فيما ترغب روما في حصول القاهرة على دعم يوازي جهود التنمية التي تقوم بها في المناطق المعرضة للهجرة.
خط "الرورو" وممرات التجارة الجديدة
تدفع التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتداعيات حرب إيران والاضطرابات المصاحبة في الممرات البحرية نحو تعزيز التعاون القائم بين البلدين.
تعول إيطاليا على زيادة التجارة عبر خط "الرورو"، والاستفادة من الاستقرار الذي تتمتع به الموانئ المصرية باعتبارها مساراً أكثر استقراراً وأماناً لحركة التجارة الدولية.
يعتمد الخط على نقل الشاحنات المبردة والجافة، ما يسهم في تقليل زمن الرحلة وخفض تكاليف الشحن والحفاظ على جودة السلع، خصوصاً الحاصلات الزراعية. كما يستفيد الخط من التيسيرات الجمركية، وفي مقدمتها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق بمنظومة ACI.
يعزز ذلك دور ميناء دمياط كمركز للتجميع وإعادة الشحن يربط بين القارات الـ3، في ظل توجهات إقليمية لتطوير ممرات لوجستية متعددة الوسائط.
وتكشف أرقام التجارة والاستثمار عن قاعدة المصالح التي تستند إليها هذه الشراكة؛ فإيطاليا تمثل ثالث سوق للصادرات المصرية بحصة سوقية بلغت 6.6%، وهي المورد الـ10 لمصر بحصة 3.4%.
كما تعد إيطاليا من أكبر الدول المستثمرة في السوق المصرية، بأكثر من 1233 مشروعاً تعمل في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية.
تظهر التحركات الأخيرة أن مصر وإيطاليا لا تكتفيان بإعادة فتح قنوات الاتصال التي تعطلت خلال عقد من التوتر، وإنما تعملان على ربط العلاقة بمصالح اقتصادية وأمنية جديدة فرضتها التحولات الإقليمية.
فمصر تحتاج إلى الاستثمارات والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية، بينما ترى إيطاليا في موقع مصر فرصة لتعزيز وصولها إلى الخليج وأفريقيا وحماية خطوط التجارة والطاقة.
في الوقت نفسه، يفتح التعاون في الهجرة والملاحة والطاقة والملفات الإقليمية مجالاً لتنسيق يتجاوز الاقتصاد، ويمنح عودة اللجنة المشتركة إطاراً مؤسسياً لمتابعة هذه الملفات وتحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات عملية.
بذلك، يبدو أن مصر وإيطاليا تدخلان مرحلة جديدة تحاولان فيها تحويل إرث أزمة ريجيني من عائق أمام العلاقة إلى ملف جرى تجاوزه عملياً، مقابل شراكة أوسع تتقاطع فيها مصالح البلدين في الطاقة والتجارة والهجرة والأمن الإقليمي.