أزمة بنك مصر في الإمارات: تفاصيل تحركات القاهرة وأبوظبي لإنقاذ الفرع من العقوبات الأميركية

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/07 الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/07 الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش
الرئيس المصري ونظيره الأمريكي/ عربي بوست

دخلت القاهرة وأبوظبي في تحرك مصرفي مشترك لاحتواء تداعيات القيود الأميركية المقترحة على فروع بنك مصر في الإمارات، مع بدء مراجعة دقيقة للمعاملات التي أثارت ملاحظات واشنطن، في محاولة لإثبات عدم تورط البنك في تقديم دعم مالي لإيران أو تسهيل عمليات مرتبطة بشبكات خاضعة للعقوبات.

بحسب مصدر مصرفي مصري تحدث لـ"عربي بوست"، فإن البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات المركزي يجريان تحقيقات وفحوصاً مشتركة، بالتنسيق مع الجهات الأميركية، لتحديد طبيعة المعاملات محل الملاحظات وسد أي ثغرات في أنظمة الامتثال قبل تحول الإجراءات الحالية إلى عقوبات نهائية.

كشف المصدر أن الخطر المباشر لا يتعلق ببنك مصر داخل مصر، وإنما بفروعه في الإمارات، التي قد تُمنع، إذا أصبحت الإجراءات الأميركية نهائية، من تنفيذ تحويلات بالدولار إلى خارج الإمارات إلا بعد خضوعها لرقابة أميركية والحصول على موافقات مسبقة.

وتحاول القاهرة، وفق المصدر، استخدام فترة المراجعة الحالية لتقديم الحجج والمستندات التي تبرئ ذمة البنك من الاتهامات الأميركية، فيما تعمل أبوظبي على فحص المعاملات الواردة في الملف باعتبارها جهة الرقابة المباشرة على الفروع المعنية.

ماذا تقول واشنطن عن بنك مصر؟

كانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت فرض إجراءات على بنك مصري وشركة مقرها هونغ كونغ وجهات أخرى ضمن ما سمته "عملية المنبوذ الاقتصادي"، بداعي وجود علاقات تجارية ومالية لها مع إيران.

قالت الوزارة، في منشور عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس"، إن شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) اقترحت قاعدة من شأنها إلغاء إمكانية وصول بنك مصر الإمارات إلى خدمات المراسلة المصرفية لدى المؤسسات المالية الأميركية.

بحسب وزارة الخزانة الأميركية، أجرت فروع بنك مصر في الإمارات معاملات بقيمة نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُشتبه في ارتباطها بشبكات مالية إيرانية، خلال الفترة بين يناير/ كانون الثاني 2024 ويونيو/ حزيران 2026.

وذكرت السلطات الأميركية 3 شركات إيرانية باعتبارها أمثلة على نشاط فرع بنك مصر في الإمارات. وقالت إن إحدى هذه الشركات اشترت سلعاً لصالح وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري، فيما وصفت الثانية بأنها واجهة لشركة صرافة إيرانية.

أما الشركة الثالثة، فقالت وزارة الخزانة إن اسمها ارتبط في تقارير إعلامية بغسل أموال لصالح مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى في إيران.

ما الذي يعنيه القرار المقترح؟

قال المصدر المصرفي المصري إن العقوبات الأميركية، في حال تطبيقها نهائياً خلال 30 يوماً، ستمنع فروع بنك مصر في الإمارات من إجراء تحويلات بالدولار إلى خارج الإمارات دون الخضوع للرقابة المالية في واشنطن والحصول على موافقتها أولاً.

كما أوضح أن الهدف من هذه الرقابة سيكون التأكد من عدم وصول الأموال إلى شخصيات أو مؤسسات صادرة بحقها عقوبات أو قرارات حظر أميركية، أو إلى جهات قدمت دعماً بأي شكل من الأشكال للحكومة الإيرانية.

المقترحات الأميركية، يشير المصدر المصرفي في حديثه لـ"عربي بوست"، تطال فقط معاملات فروع بنك مصر في الإمارات بالدولار، ولا تشمل باقي العملات، ما فيها الدرهم الإماراتي والجنيه المصري.

فيما لفت إلى أن المقترحات أوقفت بالفعل تحويل الأموال من البنك عبر وسطاء أو شركات تحويلات مالية أو ما يسمى بخدمة "المراسل" إلى دول أو شركات أخرى، في انتظار اتضاح المسار النهائي للإجراءات الأميركية.

القاهرة وأبوظبي أمام اختبار الامتثال

أكد المصدر المصرفي أن القرار الأميركي المقترح قابل للمراجعة، وأن الإجراءات الحالية تستهدف التحقق ما إذا كان بنك مصر قد قدم دعماً لإيران، كما ادعت وزارة الخزانة الأميركية، أو إذا كانت هناك معاملات مشبوهة تمت من خلاله.

حسب المصدر، هناك تنسيق بين البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات المركزي والجهات الأميركية ما يضمن عدم استمرار العقوبات، مشيراً إلى وجود إجراءات احترازية موسعة داخل فروع بنك مصر في الإمارات وكذلك في باقي الدول العربية.

ويتمثل الهدف الرئيسي في إثبات عدم تورط البنك في معاملات مقصودة لتقديم دعم مالي لكيانات تدعم الإرهاب أو لديها صلة بجهات عسكرية إيرانية.

وأكد البنك المركزي المصري أن الإجراء الأميركي المعلن لا يمتد إلى أي من البنوك العاملة في القطاع المصرفي المصري، فيما أعلن مصرف الإمارات المركزي إجراء تفتيش عاجل على الفروع المعنية ومراجعة التعاملات المصرفية للشركات الواردة في البيان الأميركي.

وأعلن البنكان المركزيان المصري والإماراتي لاحقاً، في بيان مشترك، استمرار التنسيق والتعاون بينهما بشأن الأمر، مؤكدين أن فروع بنك مصر في الإمارات تواصل ممارسة أعمالها وتقديم خدماتها المصرفية بشكل طبيعي.

الإجراءات لم تصبح عقوبات نهائية

أعلن بنك مصر في بيان أن "ما اتُّخذ من إجراءات تنظيمية يخضع لفترة رسمية لتلقي التعليقات ودراستها قبل اتخاذ القرار النهائي بشأنه". وأضاف أنه يتعامل مع تلك الإجراءات وما تتضمنه من بيانات وتقديرات "بمنتهى الجدية والاهتمام"، ويعكف على دراستها بصورة دقيقة.

من المتوقع أن يدخل الإجراء المقترح من وزارة الخزانة الأميركية حيز التنفيذ خلال نحو 30 يوماً عقب فترة التعليقات العامة، وفي حال سريان هذه الإجراءات ستكون فروع بنك مصر في الإمارات وحدها غير قادرة على تنفيذ معاملات بالدولار.

ويشكل الإجراء المتعلق بفروع بنك مصر في الإمارات أول تدبير فعلي تتخذه الحكومة الأميركية منذ إعلان وزارة الخزانة إطلاق "عملية المنبوذ الاقتصادي".

لماذا تستهدف واشنطن القنوات المالية؟

تندرج الخطوة المتعلقة ببنك مصر ضمن حملة أميركية أوسع تستهدف شبكات تقول واشنطن إنها تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات الاقتصادية.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على 60 شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بإيران، شملت أنشطة في قطاعات النفط والطاقة النووية والصواريخ، إلى جانب تعليق تراخيص عامة كانت تسمح بإجراء بعض التحويلات المالية إلى إيران.

وتقول واشنطن إنها تستهدف، من بين أمور أخرى، شبكات شراء مرتبطة بالأنشطة الباليستية والنووية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، ومجموعة إلكترونية تقول الولايات المتحدة إنها تقف وراء هجمات على بنية تحتية، إضافة إلى شبكة للشحن والتداول والتمويل تشارك في مبيعات النفط الإيراني.

كما شملت العقوبات أفراداً وكيانات في الشرق الأوسط وآسيا تقول وزارة الخزانة إنهم متورطون في تقديم الدعم المالي واللوجستي لأبحاث إيران النووية وتطوير الصواريخ.

وشملت الإجراءات أيضاً شركات مقرها الصين قامت، بحسب وزارة الخزانة، بتوريد ما تعتبره واشنطن مواد ذات استخدام مزدوج لمعهد تكنولوجي إيراني كان خاضعاً للعقوبات سابقاً.

هل الاتهامات تعني إدانة بنك مصر في الإمارات؟

بحسب خبير مصرفي مصري، فإن الجهات التي تحقق في الاتهامات الأميركية ستخرج بنتائج تقود إلى إحدى فرضيتين: إما وجود مخالفة مصرفية مؤكدة تمهيداً لعقوبات مباشرة على البنك، أو تقديم ما يثبت عدم صحة الاتهامات الأميركية.

كما أوضح أن ما يجري في الأساس يأتي في إطار التعامل مع ملاحظات أثارتها السلطات الأميركية بشأن معاملات مرتبطة بإيران، فيما تتعامل السلطات التنظيمية الإماراتية مع الملف باعتباره مسألة امتثال ورقابة مصرفية تستوجب الفحص والتدقيق.

حسب مصدر "عربي بوست"، فإن وجود بنك مصر ضمن المؤسسات التي وردت في سياق الإجراءات الأميركية لا يعني تلقائياً ثبوت ارتكابه مخالفات، وإدراج أي مؤسسة مصرفية في مثل هذه الملفات قد يستدعي مراجعة دقيقة لطبيعة العمليات محل الملاحظات، والأطراف المرتبطة بها، والفترات الزمنية التي تمت خلالها، ومدى توافقها مع قواعد الامتثال والعقوبات الدولية المعمول بها.

ماذا يفحص مصرف الإمارات المركزي؟

قال الخبير إن مصرف الإمارات المركزي، باعتباره الجهة الرقابية المختصة على القطاع المصرفي داخل الدولة، من الطبيعي أن يتحرك للتحقق من المعاملات محل الاستفسارات الأميركية.

ولفت إلى أن قيامه بالفحص لا ينبغي تفسيره باعتباره إدانة مسبقة لبنك مصر أو تأكيداً لصحة الاتهامات، وإنما يعكس ممارسة الجهة الرقابية لدورها في التأكد من التزام المؤسسات العاملة في السوق المحلية بالضوابط المنظمة للعمل المصرفي.

وأشار إلى أن حساسية الملف ترتبط بصورة أساسية بالسياسة الأميركية تجاه إيران، التي تعتمد واشنطن في جانب كبير منها على تشديد القيود على القنوات المالية التي يمكن أن توفر تمويلاً أو تسهّل إجراء معاملات مرتبطة بالاقتصاد الإيراني.

لذلك، فإن أي تعاملات مصرفية تقع في نطاق هذه السياسة تخضع بدرجة عالية من التدقيق، حتى في الحالات التي تكون فيها المعاملات ذات طبيعة تجارية أو مرتبطة باحتياجات أساسية.

مسارات التحويل تحت المجهر

أكد الخبير أن القطاع المصرفي في الإمارات ومصر يدرك جيداً طبيعة المخاطر المرتبطة بملفات العقوبات الدولية وغسل الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة.

لا يقتصر التعامل مع مثل هذه الملاحظات على الجانب القانوني فقط، وإنما يمتد إلى إجراءات الامتثال ومراجعة أنظمة الرقابة الداخلية ومسارات التحويلات وعلاقات البنوك بالمراسلين والمؤسسات المالية الدولية.

فيما لفت الخبير إلى أن أحد أهم عناصر احتواء الملف في المرحلة الحالية يتمثل في نتائج الفحص الذي تجريه السلطات الإماراتية، ومدى قدرة بنك مصر على تقديم البيانات والمستندات التي توضح طبيعة المعاملات التي أثارت الملاحظات.

كما أضاف أن البنك المركزي المصري يستطيع دعم عملية التحقق وتوضيح الإطار الذي جرت من خلاله تلك العمليات، ما يسمح بتكوين صورة مكتملة لدى الجهات المعنية.

هل تمتد الأزمة إلى بنك مصر في مصر؟

حسب المصدر المصرفي المطلع، فإنه من المبكر الحديث عن تحول التطورات الحالية إلى أزمة تستهدف بنك مصر ككل أو تمتد إلى القطاع المصرفي المصري. ذلك أن الإجراءات المطروحة ترتبط بعمليات وفروع محددة وفي نطاق جغرافي وتنظيمي واضح، ولا تعني بالضرورة انتقال الملاحظات إلى البنك الأم في مصر أو إلى بقية شبكة فروع البنك في الخارج.

وشدد على أهمية التمييز بين الإجراءات الرقابية والعقوبات النهائية، موضحاً أن الفحص أو المراجعة لا يمثل في حد ذاته قراراً بالعقوبة. وقال إن المراجعة تهدف إلى تحديد ما إذا كانت هناك معاملات مخالفة بالفعل، وما طبيعة تلك المخالفات، إن وجدت، وما الإجراءات التصحيحية المطلوبة لمعالجتها.

فيما رجح المصدر لـ"عربي بوست" أن تظل فرص احتواء الملف مرتفعة ما دام جرى التعامل معه بسرعة وشفافية، موضحاً أن وجود قنوات اتصال بين الجهات الرقابية المصرية والإماراتية، إلى جانب تعاون بنك مصر مع عمليات الفحص، من شأنه أن يساعد في توضيح أي نقاط خلاف أو قصور في إجراءات الامتثال قبل أن تتطور إلى إجراءات أكثر تشدداً.

الدولار هو نقطة الضغط الأساسية

في الوقت نفسه، شدد المصدر على أن استمرار القيود الأميركية المتعلقة بالتعاملات الإيرانية سيظل عاملاً قائماً حتى في حال انتهاء الفحص المتعلق ببنك مصر.

وأوضح أن واشنطن تنظر إلى القطاع المالي باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لتنفيذ سياسة العقوبات على إيران، ولذلك فإن البنوك التي تتعامل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع معاملات ذات صلة بإيران ستظل مطالبة بمستويات مرتفعة من التدقيق والامتثال.

يقول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن حذرت مراراً من أن المؤسسات التي تسهّل معاملات لصالح إيران قد تفقد إمكانية الوصول إلى الدولار والنظام المالي الأميركي.

أضاف أن فروع بنك مصر في الإمارات "اختارت الطريق الصعب" من خلال استمرارها، وفق واشنطن، في تسهيل معاملات مرتبطة بإيران. وقال بيسنت، الأحد 6 سبتمبر/ أيلول 2026، إن الخطوة التالية قد تتمثل في عزل مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار.

بنك مصر أمام اختبار دولي

يُعد بنك مصر ثاني أكبر بنك حكومي في البلاد من حيث رأس المال وحجم التعاملات، كما يمثل إحدى المؤسسات المالية التاريخية في مصر منذ تأسيسه عام 1920. ويمتلك البنك عدداً من الفروع في دول مختلفة، من بينها الإمارات، تقدم الخدمات المصرفية للشركات والأفراد والعاملين المصريين في الخليج.

يضع الملف الحالي فرع بنك مصر في الإمارات أمام اختبار يتجاوز حدود المعاملة المصرفية نفسها، إذ يتعلق بمدى قدرة البنك على إثبات توافق عملياته مع منظومة العقوبات الأميركية، والحفاظ في الوقت ذاته على علاقاته بالمؤسسات المالية الدولية.

في مواجهة الإجراءات الأميركية، أكد بنك مصر أنه يحترم الأطر التنظيمية والقانونية ذات الصلة بالعقوبات الأميركية، وأنه يتعامل مع الإجراءات الأميركية "بمنتهى الجدية".

بينما تستمر فترة تلقي التعليقات والمراجعة، تراهن القاهرة وأبوظبي على نتائج الفحوص المصرفية والمستندات التي يمكن تقديمها لتوضيح طبيعة المعاملات محل الملاحظات، قبل أن تتحول الإجراءات المقترحة إلى عقوبات نهائية.

ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستظل محصورة في فروع بنك مصر بالإمارات، أم أن الملف سيتطور إلى ضغط أوسع على المؤسسة، خصوصاً في ظل تشدد واشنطن في استخدام النظام المالي والدولار كأداة رئيسية في حملتها على شبكات التمويل المرتبطة بإيران.

تحميل المزيد