إسرائيل تريد تعديل كامب ديفيد: مصادر تكشف موقف مصر من محاولة شرعنة احتلال محور صلاح الدين

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/02 الساعة 13:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/02 الساعة 13:32 بتوقيت غرينتش
محاولات إسرائيلية لتعديل اتفاقية كامبد ديفيد لأهداف استعمارية في غزة/ عربي بوست

لم يكن تأكيد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مقابلة تلفزيونية أخيرة، التزام القاهرة باتفاقية السلام الموقعة عام 1979 مع إسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد، مجرد إعادة تأكيد لموقف مصري تقليدي، وفق ما كشفته مصادر مطلعة وعسكرية تحدثت لـ"عربي بوست".

تصريحات عبد العاطي جاءت في توقيت يشهد تصاعداً في الخطاب الإسرائيلي بشأن مستقبل اتفاقية كامب ديفيد، وسط حديث عن مطالب بتعديل ترتيباتها الأمنية، وحملات تتهم مصر بخرق بنود الاتفاقية بسبب وجودها العسكري في سيناء.

لكن القاهرة ترى الصورة من زاوية مختلفة تماماً. فبينما تتعرض لضغوط سياسية وإعلامية إسرائيلية، تعتبر مصر أن أحد أبرز التغييرات الميدانية جاء من الجانب الإسرائيلي نفسه، بعد سيطرة الاحتلال على محور صلاح الدين، المعروف بممر فيلادلفيا، على الحدود بين مصر وقطاع غزة.

وبحسب مصدر مصري مطلع فإن القاهرة رفضت بالفعل طلباً إسرائيلياً لتعديل الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد، وترى أن أحد أهداف هذا الطرح يتمثل في إيجاد إطار يشرعن الوجود الإسرائيلي في محور صلاح الدين، ضمن ترتيبات أوسع تتصل بمستقبل قطاع غزة.

لا تنظر مصر إلى القضية باعتبارها خلافاً قانونياً محدوداً حول بنود الاتفاقية، بل تربطها بالتطورات التي أعقبت حرب غزة، ومخاوف القاهرة من أن يتحول الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الحدودية إلى واقع دائم، أو إلى جزء من ترتيبات تمهد لإعادة رسم مستقبل القطاع ودفع الفلسطينيين إلى مغادرته.

السلام قائم لكن الاتفاقات التزامات متبادلة

قال مصدر مصري مطلع إن هناك محددات ثابتة تحكم موقف القاهرة، وفي مقدمتها الالتزام بالسلام والاتفاقيات الموقعة. ولهذا تحرص مصر على التأكيد مراراً على تمسكها بهذه الالتزامات، في مواجهة أحاديث إسرائيلية تقلل من أهمية الاتفاقية أو تطرح إمكانية تعديلها بصورة تتناسب مع الظروف الحالية.

كما أن الحملات الإسرائيلية المتكررة بشأن ما يقال إنه عدم التزام مصر بالاتفاقية، سواء عبر الحديث عن انتشار القوات المصرية في سيناء أو عن عمليات تهريب مزعومة عبر الحدود، تُقرأ في القاهرة باعتبارها جزءاً من الضغط السياسي على مصر.

لكن المصدر يرى أن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي أحدث تغييراً ميدانياً مهماً من خلال احتلال محور صلاح الدين، الواقع على الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة، من دون وجود اتفاق أمني مشترك ومتفق عليه بين الطرفين بشأن هذا الوجود.

وفق مصدر "عربي بوست"، هناك مجموعة من النقاط المهمة التي تفسر خلفية تصريحات وزير الخارجية المصري الأخيرة. وفي مقدمتها، بحسب قوله، أن القاهرة ترصد ما تعتبره انتهاكات إسرائيلية بدقة، لكنها لا تعلن تفاصيلها بصورة علنية.

كما أوضح أن وزير الخارجية اكتفى بالإشارة إلى أن مصر تستخدم قنوات الاتصال القائمة لإبلاغ الجانب الإسرائيلي بأي انتهاكات أو خلافات، من دون الدخول في تفاصيل الملفات التي تتم مناقشتها بين الطرفين.

لفت المصدر إلى أن عبد العاطي لم يتطرق في حديثه إلى اللجنة العسكرية المصرية ـ الإسرائيلية المعنية بالتنسيق المشترك، وهو ما اعتبره المصدر مؤشراً على أن القاهرة تستخدم قنوات وآليات أخرى لإيصال رسائلها، من بينها قوات المراقبة متعددة الجنسيات.

يعكس ذلك وجود مستوى من التوتر في العلاقات، رغم حرص وزير الخارجية المصري على التأكيد في الوقت نفسه على أن الخلافات التي تنشأ بين الجانبين يتم التعامل معها وتسويتها عبر القنوات القائمة.

رفض مصري لتعديل الملحق الأمني

أكد المصدر المصري المطلع أن القاهرة رفضت طلباً إسرائيلياً يتعلق بتعديل الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد. وتسعى تل أبيب من خلال هذه التعديلات إلى شرعنة احتلالها لمحور صلاح الدين، المعروف أيضاً بممر فيلادلفيا، في إطار خطة أوسع تتعلق بمستقبل السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة.

لا يقتصر الطرح الإسرائيلي، وفق المعلومات المتداولة، على محور صلاح الدين وحده، بل يشمل أيضاً بنوداً مرتبطة بالترتيبات الخاصة بالوجود العسكري المصري في سيناء، يقول المصدر المطلع.

لكن القاهرة لا تبدو مستعدة للموافقة على هذه التعديلات في الوقت الحالي، باعتبار أن أي تغيير في اتفاقية بهذا الحجم يحتاج إلى ترتيبات أمنية واستراتيجية أوسع ودراسة معمقة للانعكاسات التي قد تنتج عنه.

لهذا تؤكد مصر، وفق المصدر، أنها ستظل ملتزمة باتفاقية السلام بصيغتها القائمة إلى حين التوصل، في حال اقتضى الأمر، إلى أي ترتيبات جديدة يتم التوافق عليها بين الطرفين.

يرى المصدر المطلع الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن التأكيد المصري المتكرر على الالتزام بالمعاهدة يأتي أيضاً رداً على أصوات إسرائيلية، بعضها من دوائر حكومية أو شبه حكومية، تتهم القاهرة بخرق الاتفاقية.

لكن الموقف المصري يقوم على أن احتلال إسرائيل لمحور فيلادلفيا يمثل هو الآخر تغييراً في الواقع الذي نظمته الترتيبات الأمنية القائمة، وأنه لا يمكن تصوير مصر باعتبارها الطرف الوحيد الذي ينبغي مساءلته بشأن الالتزامات الأمنية.

القاهرة تريد مكاسب سياسية وأمنية

بحسب المصدر المصري، تحاول القاهرة الاستفادة من الرغبة الإسرائيلية في تعديل بعض الترتيبات للضغط في اتجاه تحقيق مكاسب سياسية وأمنية مرتبطة مباشرة بقطاع غزة.

في مقدمة هذه المطالب، التزام إسرائيل بالترتيبات والخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووقعت في شرم الشيخ، إلى جانب انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

كما تطالب القاهرة بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل التصعيد، وبضمان عدم العودة إلى طرح سيناريوهات تهجير الفلسطينيين، وإغلاق هذا الملف بصورة كاملة.

ويؤكد المصدر أن مصر تعتبر رفض التهجير أحد أهم خطوطها الحمراء، وترى أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية جديدة لا يمكن أن تكون منفصلة عن ضمان بقاء الفلسطينيين على أرضهم.

لكن إسرائيل، وفق المصدر، لا تزال ترفض حتى الآن تقديم التزامات تلبي جميع هذه المطالب المصرية.

معاهدة السلام بين المصالح والتوتر السياسي

وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في مارس/ آذار 1979 برعاية الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين شكلت المعاهدة الإطار القانوني والسياسي الذي ينظم العلاقات بين البلدين.

لكن العلاقات الثنائية بقيت، إلى حد بعيد، محصورة في المستويات الرسمية والدبلوماسية والأمنية، في ظل استمرار الرفض الشعبي المصري للتطبيع.

في المقابل، شهد التعاون الاقتصادي مساراً تصاعدياً قبل نحو عقدين، خصوصاً بعد اتفاقية إنشاء المناطق الصناعية المؤهلة في مصر عام 2004، التي شجعت الولايات المتحدة من خلالها التعاون الاقتصادي بين القاهرة وتل أبيب.

في مقابلة تلفزيونية أخيرة، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن بلاده تحترم اتفاقية السلام مع إسرائيل لأنها تخدم مصالحها الوطنية.

ورداً على سؤال بشأن مدى احترام إسرائيل التزاماتها تجاه مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام، قال عبد العاطي إن هناك قنوات اتصال مختلفة بين الجانبين يتم اللجوء إليها في حال وقوع أي انتهاك.

أضاف خلال حديثه في برنامج "الحقيقة" على قناة سكاي نيوز عربية: "نعم، لدينا قنوات مختلفة للاتصال، وبالطبع إذا كان هناك أي انتهاك، فإننا نتحدث معهم، وهذا الأمر يعمل بشكل جيد دون مشكلات كبيرة".

كما طُرح عليه سؤال بشأن ما إذا كان يتعين على مصر أن تطالب بالمزيد خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاقية.

شدد عبد العاطي على ضرورة وضع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام في سياقهما التاريخي، موضحاً أن الظروف الإقليمية والدولية التي كانت قائمة عند توقيع الاتفاقية عام 1979 تختلف بصورة كبيرة عن الظروف الحالية.

كما أشار وزير الخارجية المصري إلى أن تلك الفترة شهدت تطورات إقليمية ودولية مهمة، بينها الثورة الإيرانية، وأن تقييم الاتفاقية ينبغي أن يتم في ضوء الظروف التي أحاطت بتوقيعها.

وأكد أن "اتفاقية السلام كانت تخدم مصالحنا الوطنية، ولا تزال تخدم مصالحنا الوطنية، ولهذا السبب نحن نحترم التزاماتنا بشكل كامل". في المقابل، قال عبد العاطي إن إسرائيل تحترم، "إلى حد ما"، التزاماتها بموجب المعاهدة.

لا تعديل أحادي للاتفاقيات

قال مصدر عسكري إن العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية تحكمها اتفاقيات ملزمة، ولا يمكن لأي طرف تجاوزها أو تعديلها من جانب واحد. وأوضح أن أي خرق من جانب أحد الطرفين يفتح، وفق القواعد القانونية الدولية، مساراً محدداً للتعامل مع هذا الخرق وما قد يترتب عليه من نزاعات أو إجراءات.

بحسب المصدر العسكري، فإن اتفاقية السلام تحكمها شروط وضمانات ومحددات واضحة تشمل مختلف الملفات المرتبطة بالعلاقات بين البلدين، ومن بينها الحدود والمناطق الأمنية والمياه الإقليمية.

كما شدد على أن المتغيرات التي تشهدها المنطقة لا تعني تلقائياً خروج العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية عن الإطار الذي حددته الاتفاقية. وأكد أن السلام يظل خياراً استراتيجياً بالنسبة إلى مصر، سواء في علاقاتها مع إسرائيل أو في تعاملها مع أزمات المنطقة، لكنه شدد في الوقت نفسه على وجود خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.

في مقدمة هذه الخطوط سيادة الأراضي المصرية، وحقوق الشعب الفلسطيني، والرفض المصري لأي محاولات تهدف إلى فرض تهجير الفلسطينيين.

وأوضح المصدر أن القاهرة تحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وإن كانت في بعض الأحيان غير مباشرة، مع الجانب الإسرائيلي، باعتبار أن استقرار العلاقة والحفاظ على اتفاقية السلام يمثلان مصلحة استراتيجية مصرية.

لكن ذلك لا يلغي الخلافات الحادة حول التطورات في الأراضي الفلسطينية. وأشار المصدر إلى أن تحركات الحكومة الإسرائيلية اليمينية، أو طرح أفكار تستهدف إخلاء الأراضي الفلسطينية من سكانها، لا يمكن أن تحظى بقبول مصري.

وترى القاهرة، وفق المصدر، أن القضية الفلسطينية قضية مركزية، وأن الحفاظ على حقوق الفلسطينيين في أرضهم يمثل أحد الثوابت الأساسية للسياسة المصرية.

أصوات إسرائيلية تشكك في الاتفاق

في المقابل، تصاعدت خلال الفترة الماضية تصريحات إسرائيلية تنتقد الاعتماد على اتفاقية السلام باعتبارها ضمانة دائمة للعلاقات بين البلدين.

مؤخراً، حذر النائب الإسرائيلي السابق عيدان رول من الاعتماد على اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل باعتبارها ضمانة تمنع اندلاع حرب مستقبلية بين الجانبين، واصفاً الاتفاقية بأنها "مجرد ورقة" لا تمنع الحرب إذا تغيرت المصالح.

وقال رول، في منشور على منصة "سيرجيم"، إن اتفاقية السلام مع مصر تبقى نافذة ما دامت القاهرة لا ترى مصلحة في خرقها، معتبراً أنها لن تحول دون شن حرب على إسرائيل إذا قررت مصر أن ذلك يخدم مصالحها.

وأوضح أنه لا يدعو إلى فتح جبهة مع مصر، لكنه رفض اعتبارها جبهة يمكن السيطرة عليها أو حليفاً استراتيجياً. وحذر ما وصفه بخطورة وجود دور مصري في كل من قطاع غزة وقطر، واعتبر أن تقييم العلاقات مع القاهرة استناداً إلى اتفاقية سلام قديمة فقط أمر "ناقص وخطير".

رول اتهم مصر بارتكاب ما وصفها بانتهاكات لاتفاقية السلام والتوسع العسكري، كما اتهمها بالفشل في منع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، واعتبرها غير مؤهلة لإدارة القطاع.

وتندرج هذه التصريحات ضمن خطاب أوسع تبنته في أكثر من مناسبة وسائل إعلام إسرائيلية يمينية، تحدثت عن "تعزيز ضخم للقوات العسكرية المصرية في سيناء" واعتبرته خرقاً لمعاهدة السلام.

أزمة أعمق من حرب غزة

لكن مصدراً دبلوماسياً مصرياً يرى أن العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية تمر بأزمة عميقة لا يمكن اختزالها في التوترات الناتجة عن الحرب في غزة والضفة الغربية خلال السنوات الـ3 الأخيرة.

المصدر الدبلوماسي أوضح أن التطورات الأخيرة كشفت وأعادت إلى الواجهة خلافات أوسع ومتراكمة بين القاهرة والحكومات الإسرائيلية بشأن ملفات سياسية وأمنية وإقليمية متعددة.

وأشار إلى أن استمرار هذه الأزمة لا يعني بالضرورة انهيار الإطار الذي ينظم العلاقات بين البلدين، لكنه يعكس اتساع الفجوة السياسية بين القاهرة والحكومة الإسرائيلية.

تتمحور أبرز الخلافات، وفق المصدر، حول مستقبل القضية الفلسطينية، والوجود الإسرائيلي في غزة، ورفض مصر محاولات التهجير، والترتيبات الأمنية المرتبطة بالحدود.

في ما يتعلق بتوصيف العلاقات، قال المصدر إن الأدق هو الحديث عن التزام مصر بالمعاهدات والاتفاقيات التي وقعتها، وليس "التمسك بالسلام" باعتباره توصيفاً عاماً للعلاقة. وتتعامل القاهرة مع معاهدة السلام باعتبارها التزاماً قانونياً متبادلاً بين طرفين، وليس التزاماً أحادي الجانب.

بحسب المصدر، فإن حديث وزير الخارجية عن أن "مصر تلتزم بالمعاهدة" لا يعني تجاهل أي خروقات أو تطورات من الجانب الآخر، وإنما التمسك بالإطار القانوني الذي يحكم العلاقات، والتعامل مع الخلافات من خلال الآليات والقواعد التي تحددها الاتفاقيات والقانون الدولي.

شدد المصدر الدبلوماسي على أن الموقف المصري الرافض لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين يندرج ضمن رؤية أوسع للقضية الفلسطينية. وتقوم هذه الرؤية على حل الدولتين وفق قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ضمن حدود معترف بها دولياً.

كما أوضح أن رفض مصر للتهجير، سواء كان قسرياً أو طُرح تحت مسميات أخرى، يعني في جوهره رفض تصفية القضية الفلسطينية أو فرض تسوية تأتي على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وفي مقدمة هذه الحقوق، حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.

المصدر أكد أن القاهرة ترفض، من حيث المبدأ، أي سياسات إسرائيلية تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، سواء جرى تقديم ذلك باعتباره "تهجيراً طوعياً" أو تم فرضه بصورة قسرية. وترى مصر أن مثل هذه السياسات تتعارض مع ثوابت موقفها ومع قرارات الشرعية الدولية.

تحميل المزيد