تحولت إلى السرية بعد تحديد هوية المنفذ.. مصدر من استخبارات حفتر يكشف تفاصيل عن تحقيقات اغتيال اللواء المنصوري

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/24 الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/24 الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش
تساؤلات تحيط بجريمة اغتيال اللواء فوزي المنصوري في بنغازي/ عربي بوست

قال مصدر من داخل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات خليفة حفتر لـ"عربي بوست" إن التحقيقات في اغتيال رئيس الجهاز اللواء فوزي المنصوري تمكنت عبر كاميرات المراقبة من تحديد هوية منفذ العملية، قبل أن تتوقف عملية الكشف عن بقية تفاصيل القضية وتدخل نتائجها نطاقاً شديد السرية.

تفتح هذه الرواية، التي لم يتمكن "عربي بوست" من التحقق منها بصورة مستقلة، فجوة في الرواية التي أعلنتها السلطات في شرق ليبيا بعد مقتل اللواء فوزي المنصوري في بنغازي يوم 10 أغسطس/ آب 2026، حين تحدثت الرواية الرسمية عن القبض على "خلية إرهابية".

بحسب المصدر، فإن التحقيقات الداخلية توصلت إلى هوية المنفذ، لكن المعلومات التي ظهرت داخل الجهاز لا تتوافق مع الرواية التي نسبت الاغتيال إلى تلك الخلية، فيما بقيت هوية المنفذ والجهة المحتملة خلفه بعيدتين عن الإعلان.

تزداد حساسية القضية بسبب موقع المنصوري السابق في الجنوب الليبي، في وقت أصبحت فيه الطرق الممتدة من مناطق سيطرة قوات حفتر نحو السودان جزءاً من شبكة إمداد تستفيد منها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".

لا يقتصر الأمر على سؤال أمني يتعلق بكيفية اختراق بنغازي، وإنما يمتد إلى خلفية الرجل الذي كان يشغل أحد أكثر المواقع حساسية في منظومة حفتر، وإلى الملفات التي ظل مطلعاً عليها بعد انتقاله من قيادة منطقة سبها إلى رئاسة الاستخبارات العسكرية.

تفاصيل التحقيقات في اغتيال المنصوري

قال المصدر من داخل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات خليفة حفتر، الذي طلب من "عربي بوست" عدم الكشف عن هويته لحساسية موقعه، إن الأجهزة راجعت تسجيلات كاميرات مراقبة مرتبطة بمحيط العملية وتحركات منفذها، وتمكنت من خلالها من الوصول إلى هويته.

أضاف المصدر أن المعلومات التي توصل إليها التحقيق، بحسب ما هو متداول داخل الجهاز، لا تتوافق مع الرواية التي نسبت الاغتيال إلى "خلية إرهابية"، وأن التعامل مع الملف تغير بعد التعرف على المنفذ، لتدخل النتائج بعد ذلك نطاقاً شديد السرية.

لم يتمكن "عربي بوست" من الاطلاع على التسجيلات أو ملف التحقيق، كما لم يحصل على تأكيد مستقل لرواية المصدر، لكن شهادة المصدر من استخبارات حفتر تفتح تساؤلات عن الحادثة والمنفذ والتحقيقات حولها.

وكانت السلطات في شرق ليبيا قد أعلنت القبض على مجموعة وصفتها بـ"خلية إرهابية"، من دون الكشف عن هويات أفرادها أو تقديم أدلة علنية تربطهم مباشرة بالاغتيال.

فيما رأت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن نجاح عملية بهذا الحجم داخل بنغازي يمثل ضربة لصورة المنظومة الأمنية التي بناها حفتر، وربطت الحادث أيضاً بالتنافس بين أبنائه على ترتيبات الخلافة. لكن رواية المصدر تفتح سؤالاً آخر: هل تكمن حساسية القضية في هوية الهدف فقط، أم في هوية من استهدفه؟

حساسية اغتيال اللواء فوزي المنصوري

لم يكن اللواء فوزي المنصوري رئيس جهاز استخبارات يعمل من بنغازي فحسب، فقبل توليه رئاسة الاستخبارات العسكرية، شغل منصب قائد منطقة سبها العسكرية، ما وضعه في قلب ملفات الجنوب والحدود الممتدة باتجاه السودان وتشاد والنيجر.

ظل اللواء فوزي المنصوري بعد انتقاله إلى الاستخبارات من أكثر المسؤولين اطلاعاً على الحركة الأمنية واللوجستية في الجنوب، وكان يؤدي دوراً رئيسياً في متابعة الملفات المرتبطة بالمسارات الصحراوية.

تكتسب هذه الخلفية أهمية مع استمرار الحرب السودانية، إذ تحولت تلك المسارات إلى أحد أكثر ملفات المنطقة حساسية. فقد وثقت تقارير لفريق خبراء الأمم المتحدة وتحقيقات صحفية دولية وجود طرق تُستخدم لنقل الوقود والمركبات والأسلحة والمقاتلين من ليبيا باتجاه قوات الدعم السريع.

تحدث تقرير أممي لعام 2026 عن دور تشكيلات في منطقة الكفرة في أجزاء من سلسلة إمداد يستفيد منها الدعم السريع، بينما كشفت تحقيقات أخرى عن معسكرات ومسارات لوجستية داخل شرق وجنوب ليبيا مرتبطة بالحرب السودانية.

تنفي قوات شرق ليبيا تقديم دعم عسكري لقوات حميدتي، كما تنفي الإمارات الاتهامات بأنها تزوده بالسلاح أو تدير شبكة إسناد عسكرية لمصلحته. لكن تعدد التقارير حول الممر الليبي يجعله جزءاً من معادلة الحرب، حتى مع استمرار الخلاف حول من يديره وحجم مسؤولية كل طرف.

تظهر هنا أكثر أجزاء رواية المصدر حساسية، إذ قال: "توجد بين بعض العاملين في الاستخبارات العسكرية قراءة أمنية تربط مقتل المنصوري بملف السودان، وترى أن العملية ربما حملت رسالة إلى صدام حفتر أكثر من كونها تصفية لشخص المنصوري وحده".

هل كانت الرسالة إلى صدام؟

خلال الفترة الأخيرة انتقل صدام حفتر من موقع "نجل القائد" إلى مركز أكثر تقدماً داخل البنية العسكرية والسياسية للشرق. فتعيينه نائباً للقائد العام جعله الاسم الأبرز في ترتيبات خلافة والده، بالتوازي مع اتساع شبكة علاقاته الخارجية.

يقول المصدر إن بعض دوائر الجهاز ترى أن المنصوري كان جزءاً من المنظومة الأمنية التي أصبحت تعمل تحت نفوذ صدام المتزايد، ولذلك فإن استهدافه قد يحمل، إذا صحت فرضية البعد الخارجي، رسالة إلى مركز القرار وليس إلى مسؤول أمني منفرد.

إلا أن مصدر "عربي بوست" أكد أنه لم تصل إلى صدام رسالة خارجية مباشرة تربط الاغتيال بملف السودان، وأن هذا التصور يبقى قراءة أمنية لمحاولة تفسير سبب اختيار المنصوري وطبيعة العملية.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن صدام نفسه لم يعد لاعباً محلياً فقط، بل أصبح أحد أبرز الأسماء في ترتيبات مستقبل شرق ليبيا وشبكة علاقاتها الخارجية.

الأب في القاهرة وصدام في موسكو

بعد أيام من اغتيال اللواء فوزي المنصوري ظهر مشهدان يعكسان اتساع الأدوار داخل عائلة حفتر. ففي مصر، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي خليفة حفتر بحضور خالد حفتر، رئيس الأركان، وبلقاسم حفتر، المسؤول عن صندوق التنمية وإعادة الإعمار، إلى جانب رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد.

بينما في موسكو، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صدام حفتر في الكرملين. ولا يعني غياب صدام عن لقاء السيسي وجود خلاف مع القاهرة، إذ تفسر زيارته إلى موسكو غيابه، كما أن لديه قنوات اتصال ولقاءات سابقة مع المسؤولين المصريين.

صدام يرث تناقضات الحلفاء

المعضلة أمام صدام لا تقتصر على المنافسة داخل الأسرة، إذ إن الوريث المحتمل لا يرث قوات ومؤسسات ونفوذاً فقط، وإنما شبكة علاقات خارجية شديدة التعقيد بناها والده على مدى سنوات.

مصر تمثل عمقاً أمنياً أساسياً لمعسكر الشرق، والإمارات شريكاً سياسياً واقتصادياً رئيسياً، وروسيا تمتلك حضوراً عسكرياً واستراتيجياً، فيما فتحت تركيا قنوات متزايدة مع بنغازي، وأصبحت الولايات المتحدة تتعامل مباشرة مع صدام في مساعي إعادة تشكيل التسوية الليبية.

استطاع خليفة حفتر إدارة تناقضات هذه الشبكة من موقع الرجل الذي بقي مركز المنظومة. أما صدام فيحاول تثبيت موقعه بينما الأب لا يزال حاضراً، والأشقاء يمتلكون دوائر نفوذ خاصة، وحلفاء الخارج لا تتطابق مصالحهم، خصوصاً في السودان.

ولهذا قد تمثل الحرب السودانية اختباراً مبكراً لقدرة الابن على إدارة الإرث نفسه، بما يشمله من علاقات متشابكة ومصالح إقليمية لا تتطابق بالضرورة.

يُذكر أن اللواء فوزي المنصوري كان لسنوات في قلب ملف الجنوب الليبي، بينما أصبحت مناطق جنوب ليبيا جزءاً من شبكة لوجستية مرتبطة بالحرب السودانية.

تحميل المزيد